العنوان هل وقع العرب في غرام موسكو؟!
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981
مشاهدات 58
نشر في العدد 534
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 30-يونيو-1981
الجفاء العربي الأميركي فرصة ثمينة لعودة روسيا إلى مسرح الشرق الأوسط.
زعماء دول عربية ذات علاقات وثيقة مع الغرب يتوافدون على موسكو.
الخليجيون يقايضون السكوت عن أفغانستان بالرضا عن مجلس التعاون الخليجي.
القذافي بعد زيارة موسكو يبعث جلود في مهمة لإعادة التضامن العربي.
أيها المسؤولون العرب إلى متى التيه في دروب الحلول الدولية؟
بالأمس القريب لم تكن إلا ثلاث دول عربية فقط ترتبط بنوع من علاقة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي وهي بالذات سوريا واليمن الجنوبي وليبيا المعروفة بميولها اليسارية والاشتراكية، وتكاد تنحصر العلاقات الودية بين روسيا والعرب في هذه الدول الثلاث بالرغم من أن معظم الدول العربية لها علاقات ديبلوماسية مع موسكو.
ولكن اللافت للنظر أن بعض الدول ذات العلاقات الوثيقة مع دول المعسكر الغربي وخاصة دول الخليج العربي بدأت أخيرًا تتوجه وفودها إلى موسكو وكأنهم وقعوا في غرامها ففي خلال شهر واحد زار موسكو مسؤولون من أربع دول عربية كما أدلى بعض المسؤولين العرب بتصريحات مفادها أن الاتحاد السوفياتي ليس عدوًا ولا يشكل خطرًا على المنطقة بل إن تدخله العسكري السافر في أفغانستان كان شرعيًا أو قانونيًا.. فهل وقع العرب في غرام موسكو أم أن الأمر كغيره من المواقف السياسية له أسرار وخلفيات؟!
فرصة ثمينة
بالنسبة للاتحاد السوفياتي الذي خسر مصر والعراق، فيما سوريا الصديق الحميم تعاني من عزلة عربية وتشكل عينًا عسكريًا عليه، فهو يحاول جاهدًا أن يغتنم أية فرصة إلى العودة للشرق الأوسط والتأثير في مجرياتها السياسية، من هنا فإنه رحب بزيارة الملك حسين والشيخ صباح الأحمد ربما أكثر من ترحيبه بالعقيد القذافي، نظرًا لأهمية دور الملك والشيخ صباح في حل أزمة الشرق الأوسط ولكون الشيخ صباح الأحمد يمثل دولة فاعلة في السياسة الخليجية ومجلس التعاون الخليجي الذي اتهمه الاتحاد السوفياتي بأنه حلف عربي موجه ضد سياسته في الخليج والمحيط الهندي.
تقول صحيفة الصنداي تايمز اللندنية في تحليل زيارة الملك حسين لموسكو: لقد تحرر الطرفان من وهم الولايات المتحدة منذ قيام محادثات كامب ديفيد ومجيء الرئيس ريغان إلى السلطة، ولذلك فكل واحد منهما يحاول أن يستفيد من الآخر، فالملك حسين يرى أن الاتحاد السوفياتي يمكن أن يكون أداة نافعة لتأمين خططه في العالم العربي، بينما يرى السوفييت الذين طردوا من مصر منذ تسع سنوات أنه لم يعد لهم موطئ قدم هناك.. وباعتبار أن مشكلة الشرق الأوسط أو بالأحرى قضية فلسطين هي المعبر الذي يمكن أن يدخل منه بريجنيف إلى زعماء المنطقة فقد تركزت محادثات الطرفين الأردني والروسي حول الحلول المقترحة، وفي ختام المحادثات كسب الاتحاد السوفياتي تأييد الأردن لدعوة بريجنيف لعقد مؤتمر دولي يعقد في جنيف لبحث مشكلة الشرق الأوسط، واتفق الجانبان على أن تحضر منظمة التحرير الفلسطينية المؤتمر المقترح لكنهما اختلفا فيما يبدو حول حضورها كممثل وحيد للشعب الفلسطيني كما دعا لذلك بريجنيف، بينما طالب الملك حسين إلى مشاركتها «كشريك مساوٍ للأطراف الأخرى».
ولكن الملك حسين وبعض المسؤولين الأردنيين كانوا قد صرحوا فيما سبق أن الأردن يعترف بأن المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ثم إن زيارة الملك الأردني لم تمثل وجهة النظر الأردنية فحسب، بل إنها تمثل وجهة نظر الدول الخليجية وتتناسق معها بدليل أن الملك قبل أن ينزل في مطار موسكو طاف كلا من الرياض وبغداد، وذهب بعض المراقبين إلى أن توقيت الزيارة تم باتفاق الملك خالد والرئيس صدام حسين، وكانت بعض الأوساط الصحفية قد ذكرت أن الملك سيطلب أسلحة للعراق لكن الأردن نفت ذلك رسميًا على لسان وزير خارجيتها مروان القاسم.
الغزل الخليجي
على أن التوجه العربي نحو موسكو لم يقتصر على الأردن بل شمل دول الخليج العربية التي عرفت بموقفها التقليدي المعادي للفكر الشيوعي والروسي، فبعد أيام من مغادرة الملك حسين موسكو إلى عمان وصل الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية الكويتي إلى هناك ليجري محادثات مع بريجنيف حول قيام مجلس التعاون الخليجي وحول أزمة الشرق الأوسط وارتباطها بأمن الخليج.
وفيما يبدو حتى الآن فقد تفهم الاتحاد السوفياتي وجهة النظر الخليجية التي نقلها له صباح الأحمد حول مجلس التعاون حيث صدرت أكثر من إشارة تفيد برضى روسيا عن المجلس بعدما عارضته علنًا واتهمته بأنه تكتل يقف الغرب وراءه ويوجهونه لمناوءة السياسة الروسية في الخليج والمحيط الهندي وأفغانستان وعلى الصعيد الخليجي فقد انعكس هذا الرضا على أصوات اليساريين التي لم تعد تهاجم مجلس التعاون أو تلقي ظلال الشك عليه، بل إن هؤلاء اغتنموا تصريح الشيخ زايد لمجلة "المستقبل" الذي قال فيه إن تدخل الاتحاد السوفياتي في أفغانستان كان قانونيًا وإنه لا يشكل خطرًا على منطقة الخليج.. لينصبوا راية الدعوة للتحالف مع الاتحاد السوفياتي باعتبار أن ذلك «منطق الحقائق الواقعية».
السر
وفيما بعد الشيخ زايد تحدث أمين عام مجلس التعاون الخليجي السيد عبدالله بشارة لعدد من الصحف الخليجية وأدلى بتصريحات مفادها أن القول بخطر الاتحاد السوفياتي «خرافة ووهم» وأخيرًا بعد أن توجه العقيد القذافي إلى موسكو وأجرى محادثات مع بريجنيف وعاد إلى بلاده قام بإرسال عبدالسلام جلود ليقوم نيابة عنه بجولة عربية هدفها إعادة التضامن لتوحيد المواقف حول حل أزمة الشرق الأوسط ابتداءً بالأردن، وتركزت فيما تهدف إليه على دعوة بريجنيف المؤتمر دولي حول الشرق الأوسط، واعتبار ذلك بديلًا كاملًا لاتفاقيات كامب ديفيد، والجدير بالذكر أن الأمير فهد كان قد صرح في أواخر العام الماضي باحتمال إعادة العلاقات مع روسيا كما صرح في شهر فبراير الماضي باحتمال شراء السلاح الروسي.
وذكرت مصادر صحفية حديثة أن ثمة محادثات سرية تجري بين السعودية والاتحاد السوفياتي لإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما ولكن السعودية نفت هذه الأنباء جملةً وتفصيلًا.
وعلى أية حال فالتوجه العربي عمومًا نحو الاتحاد السوفياتي في الفترة الأخيرة أصبح واضحًا خاصةً من قبل دول الخليج العربية فهل يعتبر هذا التوجه دليلًا على قناعة العرب بالفكر الشيوعي الذي يتبناه الروس؟ لا يوجد دليل واحد يصلح لهذا الاستدلال، فالزعماء الخليجيون مثلًا فرقوا في أكثر من مناسبة بين الفكر الشيوعي وبين التعامل مع الاتحاد السوفياتي كقوة دولية.
وهذا يعني أن أساس التعامل مع الروس يعود لعوامل سياسية وأحيانًا اقتصادية.
دوافع سياسية
ولو رجعنا إلى ملف محادثات الزعماء العرب الذين زاروا موسكو أخيرًا مع المسؤولين الروس لوجدنا أن القاسم المشترك الأعظم فيما بينها هو البحث في حل أزمة الشرق الأوسط وارتباط ذلك بأمن الخليج، وبالنسبة لدول الخليج فقد ركزت في علاقاتها مع روسيا على توضيح فكرة مجلس التعاون الخليجي ومحاولة كسب تأييد أو على الأقل عدم مهاجمة الاتحاد السوفياتي له، وبالتالي ضمان سكوت الجبهة اليسارية العربية.
ولكن هل يعني هذا زيادة نفوذ الاتحاد السوفياتي في المنطقة على حساب نفوذ الولايات المتحدة.
المسؤولون العرب يعلنون أنهم لا يؤمنون بالانحياز لأي من القوى الدولية وأنهم يعملون على بناء علاقاتهم الخارجية على أساس من التوازن الدولي، والاتحاد السوفياتي قال على لسان بريجنيف إنه لا يطرح نفسه بديلًا للنفوذ الأميركي في المنطقة.. إذن ما هو الدافع السياسي وراء التقارب العربي مع موسكو؟ لا شك أنه ثمة أقوال متضاربة لكن المراقبين المحايدين يرون أن ذلك يعود لأسباب في مقدمتها طرح حل دول جديد لأزمة الشرق الأوسط يشارك في وضعه الاتحاد السوفياتي وتشترك فيه الأطراف العربية جميعًا بحيث يبدو هذا الحل كبديل مقبول لاتفاقات كامب ديفيد.
ويضيف مراقبون مسلمون أن الدور المقترح لروسيا تم الاتفاق عليه مع الولايات المتحدة خاصة وأنها في الوقت الحاضر يسبب تأييدها القوي المعلن لإسرائيل ووقوفها وراء كامب ديفيد قد وضع بينها وبين العرب جدرًا كثيفة تعرقل مسيرة الحلول السلمية، وطالما أن المبادرة الأوروبية لم تستطع التقدم بالحلول السلمية إلى الأمام وظهرت كأنها مكملة لاتفاقيات الكامب كان لا بد من طريق جديد يضمن الحل بنفس الشروط أو بتعديل بسيط فيها، ولكي يكون مقبولًا من الجميع وكأنه مكسب عظيم، وما لا يستطيع أن يتجاهله المراقب على أية حال هو أن لين الجانب أو الغزل مع الروس لم يحدث إلا بعد أن رفعت أميركا عنه العقوبات الاقتصادية ثم إن بريجنيف في محادثاته مع الملك حسين طالب بتكريس الانفراج الدولي واستقراره مما يدل على أن غض النظر عن الغزو الروسي في أفغانستان ودعوة بريجنيف لمؤتمر دولي حول الشرق الأوسط يأتي ضمن هذا الوفاق.. من هنا فليس عجيبًا ولا غريبًا أن يصرح مسؤول عربي هنا أو هناك بأن روسيا دخلت أفغانستان بصورة قانونية، أو أن روسيا ليست خطرًا على بلاد المسلمين.. بل قد نسمع مستقبلًا من يقول إن الشيوعية لا تعادي الإسلام.. إن بناء العلاقات الخارجية على أساس من التوازن الدولي سياسة حكيمة حقًا، لكن أن تكون شعارًا فحسب فذلك شيء خطير جدًا لا ينتج عنه إلا مزيد من الضياع والتيه.. فهل يدرك ذلك المتوجهون إلى موسكو أو المتوجهون إلى واشنطن؟ أم أن سفينة الحلول السلمية يجب أن تسير مرة بشعار يميني ومرة أخرى بشعار يساري ومرة بغطاء دولي وفاقي؟ ذلك ما ستكشف عنه الأيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل