; هل يأخذ السوفيت دورًا في مسرحية السلام في الشرق الأوسط؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يأخذ السوفيت دورًا في مسرحية السلام في الشرق الأوسط؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

مشاهدات 53

نشر في العدد 689

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

ما إن انتهت موسكو من مراسيم استقبال ووداع رئيسي اليمن الجنوبي والشمالي حتى استقبلت الرئيس السوري حافظ الأسد الذي أمضى فيها والوفد المرافق له أربعة أيام. وفي اليوم الذي غادر فيه أسد، استقبلت موسكو وزير الخارجية العراقي طارق عزيز الذي بحث مع المسؤولين السوفيت سبل وقف الحرب العراقية الإيرانية، ومن المنتظر أن يزور موسكو قريبًا الملك حسين. وفي مقابلة مع جريدة السفير اللبنانية لم يستبعد رئيس قسم العلاقات الدولية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي كارين بروتنتس أن يقوم مسؤول سعودي بزيارة موسكو وكان الاتحاد السوفيتي قد استأنف علاقاته الدبلوماسية رسميًا مع مصر قبل حوالي شهر. فهل يحمل التحرك السوفيتي على محور «الاعتدال» العربي بالإضافة لمحور «التشدد» من دلالات جديدة حول سياسته الشرق أوسطية؟ وهل تؤدي هذه التحركات إلى أخذ دور في مسرحية السلام المرتقبة؟!

التوسع الروسي

لا شك أن الاتحاد السوفيتي الذي بدأ نفوذه في المنطقة يتسع منذ صفقة الأسلحة المصرية- التشيكية عام 1954م، ظل يحاول إثبات وجوده في رسم السياسات الدولية المتعلقة بالمنطقة. ولكن السياسة الأميركية التي تعتقد بأن منطقة الشرق الأوسط يجب أن تكون تابعة لنفوذها، وقفت للسوفيت بالمرصاد. ومنذ قام السادات بطرد الخبراء السوفيت عام 1972م وبعد حرب أكتوبر 1973م أخذت السياسة الأميركية تنفرد بترتيب أوضاع المنطقة من خلال فرض معاهدات فك الاشتباك على الحدود المصرية والسورية. 

وبالرغم من كون سوريا هي حجر الزاوية في السياسة السوفيتية نحو المنطقة، إلا أن ثلمًا كبيرًا حصل في هذه العلاقة عندما وافقت سوريا على دخول لبنان بناء على طلب أمريكي، وذلك للحفاظ على المعادلة السياسية السائدة في لبنان منذ عام 1942م. وبعد زيارة السادات للقدس عام 1977م وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 78 والاتفاقية المصرية- الإسرائيلية عام 79 أصبحت أمريكا وإسرائيل بيدهما الموقف في الشرق الأوسط، خاصة وأن التحالف الأمريكي -الصهيوني قد أفشل البيان السوفيتي- الأمريكي الصادر عام 1977م، ومع أن السوفيت كانوا قد وقعوا معاهدة صداقة وتعاون مع العراق في أوائل السبعينات إلا أن هذه المعاهدة ظلت غير فاعلة، كما أن موقع حليفتهم اليمن الجنوبية لا يسعفهم بلعب دور فاعل على مسرح المنطقة؛ ولذلك انحصر دورهم في العلاقة مع سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية بشكل أساسي. 

وفي الآونة الأخيرة أخذ السوفيت يحاولون فرض وجودهم من خلال لهيب ودخان الحرب العراقية- الإيرانية التي انعكست آثارها على المسرحين الإقليمي والدولي. ولكن المنفذ الأساسي للسياسة السوفيتية في المنطقة قد أصابه عطب كبير. فمنظمة التحرير الفلسطينية تعاني من التشرذم والتشتت بعدما أخرجت قواتها في بيروت على أيدي القوات الإسرائيلية وتواطؤ بعض الأنظمة العربية، وبعدما أخرجت من طرابلس ولبنان عمومًا على أيدي عناصر منشقة ومنظمات عميلة للنظامين السوري والليبي وتطور الخلاف السوري- الفلسطيني في أعقاب ذلك ليصل إلى نقطة اللا عودة بعد قيام نظام حافظ أسد بإبعاد ياسر عرفات من دمشق.

 وأخذ الصراع بين الطرفين منذ ذلك الحين شكلًا علنيًا وشديدًا، تجلى في الفترة الأخيرة بإصرار النظام السوري على عدم انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني لأنه كما تقول صحيفة تشرين ينقذ زعامة عرفات وزيارة أسد للجزائر وليبيا في شهر أيلول الماضي نجحت في ثني الجزائر عن موافقتها على استضافة المجلس الوطني الفلسطيني.

الحيرة الروسية

وقد وقع الاتحاد السوفيتي في حيرة من أمره حيال هذا الأمر، وذلك لأنه يريد في نفس الوقت أن يكسب الطرفين، فمنظمة التحرير قد اكتسبت شرعية دولية واسعة ممثلة في رئيس لجنتها التنفيذية ياسر عرفات، ولكنها لا تملك وطنًا ولا دولة ولا جيشًا. أما النظام السوري فهو يملك الورقة اللبنانية كاملة ويملك التأثير على الوضع الفلسطيني. ومع أن السوفيت يدركون أن النظام السوري يجعل من علاقته بهم ورقة يعدها للعب في مسرحية السلام في الشرق الأوسط، بل ويدركون أن قلبه مع الأمريكان إلا أنهم مضطرون للتمسك بهذه العلاقة لأنها كما قلنا منفذهم الأساسي على الشرق الأوسط، ولأن الجغرافيا السياسية لسوريا مهمة ومؤثرة جدًا.

وقد اتضحت هذه الحيرة في البيان المشترك الذي صدر في مارس الماضي على إثر زيارة حيدر علييف لدمشق، حيث نص البيان «على ضرورة وحدة المقاومة على أساس وطني تقدمي ومعاد للإمبريالية»

ومنذ توقيع اتفاقية التعاون والصداقة بين سوريا والاتحاد السوفيتي عام 1980م حصلت تطورات أخرى مهمة تأتي في مقدمتها توقيع التحالف الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، طرح مبادرة ريغان التي ركزت على الخيار الأردني، ولكن تعقيدات الاحتلال الإسرائيلي للبنان وانعكاساتها على الوضع اللبناني بالإضافة إلى تطور التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة، جعل مبادرة ريغان تتعثر، ولا شك أن سوريا كان لها دور كبير في ذلك لسبب بسيط هو أن هذه المبادرة تستثنيها وتجعلها تعيش في عزلة.

محور جديد

ومند خروج المقاومة الفلسطينية من طرابلس أصبح محور الصراع الإقليمي ليس بين قيادة ياسر عرفات والنظام السوري فحسب بل بين النظام السوري من جهة وقيادة عرفات والملك حسين من جهة أخرى.

أما الصراع بين حافظ أسد وعرفات فقد عبر عنه بدقة ووضوح أستاذ العلاقات الدبلوماسية العربية في معهد الشؤون الدولية السوفيتي حيث قال لكونا: «الخلاف بين الأسد وعرفات خلاف بين صيغتين الجولان أولًا ثم فلسطين وفلسطين أولًا ثم الجولان»!

وهذا هو ما عناه مسؤول سوري لصحيفة غربية عندما قال: «أن المشكلة الفلسطينية مشكلة سورية، والمشكلة السورية مشكلة فلسطينية»!

الأسد في موسكو

فأين يقف الاتحاد السوفيتي وإلى أية مشكلة يعطي الأولوية؟

هذا السؤال كان مطروحًا بقوة قبل زيارة الأسد لموسكو في 15 الشهر الجاري فماذا كانت النتيجة؟

خلافًا لما أدعته وسائل الإعلام السورية، لم يتفق الطرفان إلا على مزيد من الدعم العسكري والاقتصادي لسوريا، أما مواضيع البحث فقد تم الاتفاق على مواصلة البحث فيها من خلال القنوات الرسمية، وهذا ما تؤكده نصوص البيان المشترك حيث أشارت لموضوع الدعم بينما أشارت للمواضيع الأخرى إشارات مقتضبة.

وهذا ليس بعجيب ولا غريب، فقد سبق أن قلنا إن موقف الاتحاد السوفيتي من قيادة ياسر عرفات ما يزال إيجابيًا ويرى أن عزلها يتم فقط من خلال الأطر الشرعية، خلافًا لرأي النظام السوري الذي يُصر على عزل عرفات كشرط مسبق لعودة العلاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكان غروميكو قد عبر عن تمسك السوفيت بعرفات عندما التقاه في برلين الغربية وأشرف بنفسه على صياغة البيان! 

وبالنسبة لاستئناف العلاقات الأردنية- المصرية، لم يعلن السوفيت أي موقف رسمي حتى الآن؛ وذلك لأن العلاقات السوفيتية- الأردنية «تتطور بإيجاب» على حد تعبير مسؤول سوفيتي، والأردن بات ينظر للاتحاد السوفيتي كمصدر للسلاح، كما رحب الأردن بمشروع تشير ننكو الأخير لعقد مؤتمر دولي للسلام تحضره كافة الأطراف. ومن المنتظر أن تترسخ هذه العلاقة بزيارة قريبة يقوم بها الملك حسين لموسكو. 

أما مصر فقد استأنفت علاقاتها الدبلوماسية قريبًا مع الاتحاد السوفيتي وتم تبادل السفراء وما زال نظام حسني مبارك يعلن رغبته في تنمية هذه العلاقات.

أما الموضوع الآخر الذي لم يشر إليه البيان المشترك مطلقًا فهو الحرب العراقية- الإيرانية. وهذا ما يرجح أنباء الخلافات في وجهات النظر بين الفريقين، فالاتحاد السوفيتي يرى بأن هذه الحرب قد أن الأوان لوقفها لسببين رئيسين: الأول أن أمريكا استفادت من ظروفها كثيرًا حيث فرضت وجودها في المنطقة، وهي ماضية بجد في سبيل عودة إيران لنفوذها الثاني أن السوفيت وطدوا علاقاتهم مع العراق من خلال تزويده بالمعدات والسلاح. ومن هنا يرى الاتحاد السوفيتي أن وقف الحرب لا يتم إلا بالتنسيق بين العراق وسوريا، الأمر الذي يتوقف على موقف ورغبة النظام السوري، وهو ما يرفضه الأسد حتى الآن.

وفاق أم انتظار

ترى هل تم الاتفاق على تحرك معين مع العراق أثناء زيارة طارق عزيز التي تمت على إثر مغادرة الأسد لموسكو، في حين بقي نائبه عبد الحليم خدام موجودًا؟

وهل قنع الاتحاد السوفيتي بقاعدة الانتشار الأفقي بعد أن فشلت سياسته بسبب قناعته السابقة بقاعدة الانتشار الرأسي، الأمر الذي يجعله يميل إلى تنمية علاقاته مع معسكر الاعتدال العربي بالإضافة إلى معسكر «التشدد»؟!

وهل سيساعده هذا التحرك على أخذ دور في مسرحية السلام في الشرق الأوسط؟

كل هذه الأسئلة متروكة للأيام القادمة للإجابة عليها، لكن المراقب يملك أن يقول بأن هذا المسلك ربما يكون مؤشرًا على اتجاهين.

اتجاهان

الاتجاه الأول يقول بأن الصراع الدولي بدأ يميل للسلم والتنسيق، و ربما تم الاتفاق على مبادئ عامة محددة لحل أزمة الشرق الأوسط بين أمريكا و روسيا من خلال لقاء غروميكو- ريغان الأخير. و ربما تكون الدعوة لمؤتمر دولي هي محور هذا الاتفاق. ولذا عمد السوفيت إلى الضغط على حافظ أسد للمضي في هذا الاتجاه. ومما يؤيد هذا التفسير هو قيام المحور الأردني - الفلسطيني - المصري من بداياته للتجاوب مع المشروع الروسي.

 وفي هذا المجال تستحضر توجهه منظمة التحرير الفلسطينية إلى إعطاء الحزب الشيوعي الفلسطيني دورًا ما بعد الخروج من طرابلس، وعودة التنسيق مع العراق أيضًا في نفس الوقت، كما تستحضر أن مشروع تشيرننكو الأخير يستند إلى مشاريع الأمم المتحدة التي تعترف بها جميع الأطراف. 

الاتجاه الثاني: هو أن الاتحاد السوفيتي يعيش مرحلة من الانتظار حتى تتضح الرؤية بالنسبة لنتائج الانتخابات الأميركية، وإن كان ريغان سيفوز بها أم مونديل، وفي هذه الفترة يميل إلى الغموض في مواقفه. 

وكلا الرأيين هما وجاهتهما لكننا نميل للرأي الأول، خاصة وأننا نعتقد أن حلفاء السوفيت لم يكونوا مخلصين له تمامًا، كما أنه يدرك أن المعتدلين إنما يناورون على حلفائهم، ولما كانت الحقيقة كما قال مبعوث أمريكي غير رسمي زار الكويت مؤخرًا: «البديل الوحيد لأميركا بالنسبة إلى الكثيرين من العرب هو أميركا نفسها»! فلماذا لا يسلم السوفيت بذلك مقابل أن يسلم لهم الأمريكان بشيء مقابل في مكان آخر؟ 

وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فيما نظن، فهل تدرك الأمة عمق مأساتها في حكامها الذين يريقون الدماء ويملئون السجون في سبيل رضا الأسياد المشركين والكفار؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

107

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

129

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

85

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)