; تركيا: بعد اكتساحه الانتخابات التركية.. هل يجتاز العدالة والتنمية اختبار الرئاسة ؟ | مجلة المجتمع

العنوان تركيا: بعد اكتساحه الانتخابات التركية.. هل يجتاز العدالة والتنمية اختبار الرئاسة ؟

الكاتب إبراهيم بوعزي

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007

مشاهدات 91

نشر في العدد 1762

نشر في الصفحة 12

السبت 28-يوليو-2007

■ العدالة والتنمية حصد ٣٤١ مقعدًا و«الحزب الشعبي الجمهوري» ۱۱۹ و«الحركة القومية» ٧٠

■ الرئاسة والأكراد والاتحاد الأوروبي.. أهم العقبات أمام حكومة أردوغان

إسطنبول: إبراهيم بوعزي

في استفتاء شعبي على برامجه وأطروحاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولأول مرة في تاريخ الحياة السياسية التركية منذ نحو ٥٢ عامًا يتمكن حزب حاكم من زيادة نسبة الأصوات التي حصل عليها. في انتخابات ديمقراطية شهد بشفافيتها العالم عبر الفضائيات التي لم ترصد أي شائبة، خلال عملية الإدلاء بالأصوات وعملية الفرز التي تمت الأحد الماضي..

واحتفظ حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالسلطة، بأغلبية تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده. وفاز أرودغان بولاية ثانية مدتها خمس سنوات، فيما وصفه المراقبون بأنه ضربة للعلمانيين بمن فيهم قادة الجيش الذين اضطروا أردوغان للدعوة إلى انتخابات مبكرة بعد خسارته معركة تعيين رئيس البلاد.

وقد شارك في الانتخابات ۷۳۰۰ مرشح منهم ۷۰۰ شاركوا كمستقلين، وتوزع الباقون على ١٤ حزبًا تمثل مختلف الأطياف السياسية.

وأظهرت النتائج حصول العدالة والتنمية على ٤٧٪ من الأصوات البالغة ٤٢ مليونًا ممن لهم حق التصويت بزيادة تقدر بنحو ١٢٪ عما حققه في انتخابات عام ۲۰۰۲م. ولم يتجاوز حاجز الـ ١٠٪ لدخول البرلمان سوى حزبين علمانيين آخرين هما الحزب الشعبي الجمهوري القومي وحصل على ۲۰٪ و«حزب الحركة القومية» المنتمي لأقصى اليمين، وحصل على ١٥٪.

في ضوء ذلك سيشغل «حزب العدالة والتنمية» ٣٤١ مقعدًا من ٥٥٠ في البرلمان الجديد، وكان يشغل في البرلمان المنتهية ولايته ٣٥٢ مقعدًا، لأن تمثيل عدد أحزاب أكبر في البرلمان أدى لتناقص مقاعد الحزب الحاكم، رغم الزيادة في عدد الأصوات التي حققها.

وسيشغل حزب الشعب الجمهوري بزعامة دينيز بايكال ۱۱۹ مقعدًا، وحزب الحركة القومية ٧٠ مقعدًا.

ومن النتائج اللافتة فوز ۲۷ مرشحًا مستقلًا بمقاعد في البرلمان بينهم ٢٤ كرديًا بعد استبعاد الأكراد عن الحياة البرلمانية طوال ۱۳ عامًا، وركز المرشحون الأكراد في حملتهم على المصالحة مع الحكومة التركية مطالبين أنقرة بالتخلي عن الخيار العسكري ضد عناصر حزب العمال الكردستاني وبمنح الأقلية الكردية في تركيا مزيدًا من الحقوق.

خريطة القوى البرلمانية الجديدة

ورغم تلك النتائج، سيواجه العدالة والتنمية معارضة داخل البرلمان المتعدد الأحزاب، وذات قيادات قوية، ما قد يعرقل -في الفترة القادمة-تمرير مشاريع العدالة والتنمية الإصلاحية التي عطلها رئيس الجمهورية في السابق.

ويمثل المعارضة داخل البرلمان عدد كبير من الأحزاب، وليس اثنان كما أظهرت نتائج الانتخابات، فمن المنتظر انفصال حوالي ١٢ نائبًا عن حزب الشعب الجمهوري، وعودتهم إلى حزب اليسار الديمقراطي بعد أن خاضوا الانتخابات تحت قائمة واحدة، كما سينفصل عن الشعب الجمهوري عدد من النواب من أنصار الزعيم السابق لـ«حزب الوطن الأم» مسعود يلماز – الذي فاز كمرشح مستقل. 

ومن المنتظر أن يعود عدد من النواب المستقلين إلى أحزابهم الأصلية، وهي في الأساس حزب الوحدة الكبرى، ذو التوجهات القومية التركية الإسلامية، وحزب المجتمع الديمقراطي، ذو التوجهات القومية الكردية اليسارية.

ومن ثم سيواجه أردوغان معارضة ستة أحزاب وهي: «حزب الشعب الجمهوري» و«حزب الحركة القومية» و«حزب اليسار الديمقراطي»، و«حزب الوحدة الكبرى» و«حزب المجتمع الديمقراطي»، وكتلة أخرى قريبة من «حزب الوطن الأم».

ومن شأن هذه الفيسفساء الحزبية في البرلمان الجديد أن تضعف من شأن المعارضة التي تفرقت على ستة أحزاب، ما يعزز موقع حزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن هذا الاختلاف بين الأحزاب المعارضة من شأنه كذلك أن يدخل بالبرلمان في دوامة من النقاشات والصراعات الحادة التي من الممكن أن تشغل البرلمان عن الاتفاق على الإصلاحات التي يسعى إلى تمريرها.

عقبات

وتنتظر حكومة العدالة والتنمية في فترتها الجديدة عقبات أخرى أهمها: 

رئاسة الجمهورية: وتعد حجر عثرة أمام الحكومة الجديدة التي لم تتشكل بعد حيث انتهت الفترة الرئاسية للرئيس الحالي أحمد نجدت سيزر منذ شهرين وكان البرلمان التركي قد شهد قبل شهرين أزمة سياسية حادة، إثر فشله في التصويت لانتخاب رئيس الجمهورية بعد مقاطعة حزب الشعب الجمهوري الانتخابات التي جرت داخل البرلمان غير أن نتيجة الانتخابات الحالية تشير إلى أن احتمال تكرر مثل تلك الأزمة ضعيف جدًا نظرًا للصعوبة التي سيواجهها حزب الشعب الجمهوري في إقناع أطياف المعارضة بمقاطعة المرشح السابق عبدالله جول ولكن تبقى المؤسسة العسكرية العقبة الكبرى التي تعارض دخول الزي الإسلامي إلى القصر الجمهوري – في إشارة الزوجة جول التي ترتدي الحجاب، بدعوى أن ذلك يتنافى مع مبادئ علمانية الدولة!

غير أن بعض المصادر الصحفية التركية سربت معلومات عن اتفاق بين أردوغان وقيادة الجيش على اختيار مرشح للرئاسة. ترضى عنه كافة الأطراف، وهذا يعني أنه لن يكون من أصول إسلامية، أو على الأقل لن تكون زوجته متحجبة، مما سيضفي مشروعية أكثر على قانون حظر الحجاب في المؤسسات الرسمية والتعليمية المعمول به منذ عشر سنوات.

لكن الأيام القليلة القادمة ستظهر لنا مدى تمسك حزب العدالة والتنمية بحل قضية الحجاب التي لم يطرحها في برنامجه الحزبي، بدعوى أنها قضية كل الشعب، ولا يمكن حصرها في برنامج حزب من الأحزاب.

الأكراد: إضافة إلى مشكلة الرئاسة والحجاب تواجه الحكومة التركية الجديدة مشكلة الضربة العسكرية التي طالما لوح الجيش التركي بتوجيهها إلى شمال العراق بسبب إيوائه متمردي «حزب العمال الكردستاني».

وكانت المؤسسة العسكرية التركية قد حشدت ما يزيد على ١٤٠٠ جندي تركي على الحدود مع العراق، استعدادًا لتوجيه ضربة إلى مواقع الانفصاليين الأكراد في شمال العراق.

وقد زاد الجيش التركي من ضغوطه على الحكومة التركية في الأيام السابقة للانتخابات، كي تصدر مذكرة تخول للجيش ضرب الأراضي العراقية، غير أن أردوغان أرجأ تلك الضربة إلى ما بعد الانتخابات.. فهل حان الوقت للتحرك العسكري خارج حدود البلاد؟!

هذا ما ستكشفه الأيام القليلة القادمة، غير أن النواب المستقلين وأغلبهم من الأكراد سيقفون ضد إصدار المذكرة مما يحول الصراع بين أكراد تركيا والسلطات التركية من اشتباكات مسلحة وتفجيرات دموية إلى صراع سياسي ديمقراطي تحت سقف البرلمان.

وربما يضطر العمال الكردستاني إلى إعلان وقف إطلاق النار مجددًا أو حتى تسليم السلاح بعد الضغوط التي تتلقاها إدارة إقليم شمال العراق من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية لوقف دعم عناصر حزب العمال الكردستاني. 

الاتحاد الأوروبي: كما تنتظر الحكومة معارضة شديدة من «الحزب القومي» بخصوص مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والتي قطعت فيها الحكومة شوطًا كبيرًا في السنوات الخمس الماضية. 

ولكن يستطيع أردوغان تمرير مشروع المصالحة الوطنية بسهولة مع الأقليات الدينية والعرقية في البلاد، في ظل وجود قوميين أتراك داخل البرلمان.

وليس من اليسير كذلك أن ينجح في تمرير مشروع الدستور الجديد في ظل وجود عدد لا يستهان به من نواب حزب الشعب الجمهوري، الذي يعارض حزب العدالة والتنمية، في كل مشروع قانون يقترحه. 

ورغم كل هذه العراقيل التي تواجه الحكومة التركية الجديدة يبقى الخيار الشعبي هو سيد الموقف في الساحة السياسية التركية، وذلك بإعادة اختيار الشعب للحزب الحاكم وبأصوات أكثر عددًا من الانتخابات الماضية، ولم يحدث هذا في تاريخ تركيا إلا سنة ١٩٥٤م، حين فاز رئيس الحكومة المرحوم «عدنان مندريس» للمرة الثانية ليقوم بإصلاحاته المشهورة في المجال الاقتصادي والقانوني، ويرفع الحظر على المجال الديني، ويفتح مدارس للتعليم الديني تخرج منها أردوغان وأغلب رجال حزب العدالة والتنمية، وقد تم إعدام «مندريس» بتهمة الانقلاب على المبادئ الأتاتوركية. 

فهل سيستطيع أردوغان أن يتجاوز تلك العقبات ويخلص البلاد من سيطرة مؤسسات ترفع شعار العلمانية والأتاتوركية، لتحرم الشعب حقه في اللباس والتعليم وغيرهما؟ وهل سيتمكن أردوغان من المصالحة بين الدولة وتراثها الممنوع؟ أم سيكون ماله مثل نظيره «مندريس»؟!

هذا ما ستكشفه السنوات القادمة.

 

الرابط المختصر :