العنوان هل يحق للسجين الخلوة الشرعية؟
الكاتب نجم عبدالله عبدالواحد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1990
مشاهدات 68
نشر في العدد 956
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 27-فبراير-1990
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:
لقد تابعت
باهتمام الموضوع الذي فتحت أبوابه جريدة القبس وهي مشكورة تبحث عن جواب لهذا
السؤال، ولقد زاد اهتمامي أكثر عندما وجدت مجلة المجتمع في عددها 954 - السنة
العشرون بتاريخ 13 فبراير 1990م، حيث وافقت هذا الطلب وقالت إنه محل نظر لأنه مطلب
شرعي.
والجواب عن هذا
السؤال في نظري بأنه لا تجوز الخلوة الشرعية للسجين، وبأنه ليس هناك حق أو مطلب
شرعي بسبب أن أحد ثمار هذه الخلوة هم الأبناء، وبأن الإسلام قد افترض النفقة على
الزوج حتى ولو كانت الزوجة غنية وذات مال، وكذلك الإسلام افترض مسؤولية تربية
الأبناء على كل من الزوجين فنجد الله سبحانه يقول في محكم كتابه:
﴿وَعَلَى
الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة:233).
﴿الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء:34).
لذلك نجد أن
الواجبات التي فرضها الإسلام على الزوجين تتبع ثمرة الزواج الشرعي والخلوة الشرعية
من أبناء ونفقة ومسؤولية، فمن أين للسجين أن يقوم بهذه الأعباء إذا سُمح له
بالخلوة الشرعية أثناء مدة سجنه؟!
كذلك نجد أن
الإسلام قد كفل حق الزوجة في المتعة الجنسية الشرعية في حالة غياب زوجها، فنجد عمر
بن الخطاب -رضي الله عنه- قد أمر الجند بعدم الغياب أكثر من أربعة أشهر في ميادين
القتال، ونجد الشريعة الإسلامية سمحت للقاضي في المحاكم بالحق في تطليق الزوجة إذا
ثبت فعلًا أنه سجين وتقدمت الزوجة بهذا الطلب، حتى ولو لم يرضَ الزوج بهذا الطلاق.
نجد أن هناك
سببًا آخر يدعونا إلى عدم الموافقة على هذا الطلب، وهو أن الأساس الذي بُني السجن
من أجله والعياذ بالله هو مساعدة العاصي على التوبة وتعزيره ليرتدع عن فعلته حتى
يخرج نادمًا على ما فعل، فلذلك يكون الهدف من سلب الحريات للسجين ومن بينها حق
المعاشرة الشرعية، هو من أجل مساعدته على التوبة حتى يرجع فردًا صالحًا للمجتمع.
ونستطيع أن
نستخلص الدروس والعبر من حادثة خاصة حدثت أيام المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عندما
تخلف ثلاثة من المؤمنين عن أداء الواجب والخروج في غزوة تبوك وفي ساعة العسرة؛
بسبب الضعف البشري الذي حَبَّبَ إليهم الظل والراحة فيؤثرونهما على الحر والشدة
والسفر الطويل والكَدِّ والنصب، ونظرًا لأنهم من المؤمنين لم يستطيعوا الكذب
ويقدموا الأعذار كما فعل المنافقون عند عودة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان من
عقابهم هو السجن حيث لم يكلمهم أحد وهجرتهم زوجاتهم حسب أوامر رسول الله محمد صلى
الله عليه وسلم، لدرجة أن أحدهم ربط نفسه بسارية المسجد والآخران حبسا أنفسهما
داخل البيوت مدة خمسين يومًا، حتى جاءهما العفو الإلهي من الله سبحانه مباشرة،
ونجد هذا في الآية 118 سورة التوبة:
﴿وَعَلَى
الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ
بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ
مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ
هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وفي هذا المقام
نجد أن الدعوة إلى الله والتذكير بآياته داخل السجون تلقى تفهمًا كبيرًا، لدرجة أن
هناك كثيرًا من غير المسلمين دخلوا الإسلام في بلاد مثل أمريكا وبريطانيا بسبب
التوبة النصوح ليس من الإجرام فحسب، بل كانت هذه التوبة هادية لهم إلى الإسلام.
فلذلك فتح الباب
للخلوة الشرعية للسجين ليس هو الحل، وإنما فتح الباب للدعاة إلى دين الله يساعد
كثيرًا في سرعة توبة هؤلاء المسجونين، وربما يكون الحافز لتخفيف العقوبة عنهم
ورجوعهم إلى أهلهم وحرياتهم الكاملة بمدة أقل إذا وجد النظام الذي يتقصى الحقائق
لمساعدة مثل هؤلاء المساكين.
وآخر دعوانا
السلامة من كل إثم، وأن يعيذنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يخرج هؤلاء
المساكين سالمين إلى أهلهم بأقل مدة ممكنة تائبين راجعين إلى الله إنه سميع مجيب
الدعاء. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب
العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل