العنوان هل يخسر باراك الانتخابات المقبلة؟
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1430
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
يعتقد رئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك أن ضرب الفلسطينيين وتدميرهم هو أقصر طريق لزيادة عمر حكومته. وقد قرر تغيير سلوكه التفاوضي مع السلطة الفلسطينية بعد أن وجد شركاءه في التحالف الحكومي يتركونه وحيدًا في مواجهة الكنيست بل وانقلبوا عليه. وتجد الهمجية الصهيونية ضد الفلسطينيين هوى لدى غالبية الرأي العام الصهيوني إضافة إلى الأحزاب الرئيسة بمختلف توجهاتها، ففي موضوع الأمن تتفق كل القطاعات على ضرورة أن يكون لأمن كيانهم الاعتبار الأول.
وفي الموقف من الانتفاضة ترفع هذه الأحزاب شعار دع جيش الدفاع الإسرائيلي ينتصر وتطالب بإعلان حرب غير محدودة وغير مقيدة ضد الفلسطينيين، وكما قال ناتان شارانسكي -رئيس حزب المهاجرين الروس إسرائيل بعاليه الذي هاجر إلى فلسطين المحتلة من روسيا بداية التسعينيات فقط- إن على الجيش أن يسحق ويدمر ويلغي من الوجود كل المنظمات الإجرامية الفلسطينية المسؤولة عن العمليات الإرهابية مسؤولين وأفرادًا وقواعد!
أما عضو الكنيست عن الحزب القومي الديني ريهافام زئيفي فقد ذهب أبعد من ذلك حين طالب بخطف وقتل عدد من أعضاء قيادة السلطة الفلسطينية.
وفي ظل هذا الاتفاق اليهودي على الموقف من الانتفاضة الفلسطينية يحاول باراك التغريد داخل السرب بل والمزايدة على اليمين المتطرف المتمثل في الليكود، فهذا الأخير لم يحرك طائراته ولا دباباته لقصف المدنيين كما يفعل باراك منذ أكثر من شهرين.
انتخابات مبكرة أم حكومة ائتلافية؟
تشير التحولات المجتمعية في الكيان اليهودي إلى تراجع مكانة الحزبين الرئيسين: العمل والليكود لصالح الأحزاب الدينية وخصوصًا حزب شاس وهي ظاهرة جديرة بالدراسة، حين يتغلب حزب بأيديولوجية دينية، ليس له برنامج سياسي محدد بل يتبنى البرنامج السياسي للحزب الحاكم سواء أكان العمل أم الليكود!
وإذا كان المجتمع اليهودي يبتعد عن الحزبين العلمانيين اليساري واليميني فإن أي دعوة لإجراء انتخابات مبكرة من جانب باراك والتي رحب بها حزب الليكود المعارض، لن تكون في صالح الحزبين الرئيسين، بل ستعني مزيدًا من خسائرهما في الكنيست لصالح الأحزاب الدينية، كما أنه ليس من مصلحة رئيس الليكود شارون المضي في مماحكة باراك ودفعه للاستسلام لخوض انتخابات مبكرة، لأن المؤشرات تدل على أن نتنياهو هو الذي سيقود الليكود لمنافسة باراك وليس شارون وبالتالي ليس أمام باراك وشارون من فرصة سوى تشكيل حكومة طوارئ للنجاة من الخسارة المتوقعة.
قد يعتقد باراك أن حملته الحالية على الفلسطينيين وقصفه الهمجي للمدنيين العزل في الضفة الغربية وغزة ستعزز مكانته لكن الفعل المضاد خصوصًا إذا كان عنيفًا مؤثرًا على شاكلة عمليتي الخضيرة شمال فلسطين المحتلة، ومزارع شبعا في جنوب لبنان يمكن أن يكون عنصرًا حاسمًا في معادلة الانتخابات تمامًا مثلما أطاحت عملیات حماس الثلاث بسلفه شيمون بيريز عام ١٩٩٦م.
وقد أشار استطلاع أخير بين الصهاينة إلى تدهور كبير في شعبية باراك مقارنة بما كانت عليه قبل شهر واحد ووصلت هذه الشعبية إلى أدنى مستوى لها منذ توليه السلطة صيف العام الماضي، وحسب الاستطلاع فإن أي انتخابات لرئاسة الحكومة بين مرشح العمل باراك ومرشح الليكود بنيامين نتنياهو على افتراض أن نتنياهو سيكسب المعركة الانتخابية داخل الليكود حسبما تشير إليه كل التوقعات ستؤدي إلى فوز كاسح لنتنياهو ويظهر الاستطلاع أن حوالي نصف الذين صوتوا لصالح باراك في انتخابات عام ۱۹۹۹م لن يصوتوا لصالحه في الانتخابات الجديدة، ونال نتنياهو تأييد ٤٧ % من عينة الاستطلاع بينما لم يحصل باراك إلا على تأييد ٢٥٪ فقط وسيبقى نتنياهو متقدمًا على باراك حتى لو نال الأخير تأييد ٩٠% من أصوات عرب ١٩٤٨م، وهي مستبعدة في الوقت الحالي بسبب ما يجري في المناطق الفلسطينية المحتلة وبسبب القمع الذي مارسته حكومة باراك ضد فلسطيني عام ١٩٤٨م أنفسهم في بداية الانتفاضة الحالية وقد استشهد ۱۳ فلسطينيًّا في مدن الناصرة وأ، الفحم وسخنين خلال مظاهرات التأييد التي نظموها تضامنًا مع إخوانهم في الضفة والقطاع هذا العنف لم تمارسه حكومة نتنياهو ضدهم في فترة حكمها بين عامي ١٩٩٦م و ۱۹۹۹م.
الاستطلاع المذكور افترض عدم وجود منافس ثالث لقطبي الكنيست العمل والليكود وهي فرضية قد تكون صحيحة في انتخابات رئيس الوزراء لكنها لن تعكس بالضرورة الرأي في انتخابات الكنيست النيابية والتي كما قلت تشير إلى تقدم مطرد للأحزاب الدينية على العلمانية بيمينها ويسارها.
وإذا كانت الأحزاب الدينية تنافق الحزب الحاكم في تل أبيب للحصول على مساعدات ومخصصات مالية تعزز بها نفوذها وتغلغلها في المجتمع، فإن هذا النفاق قد لا يدوم طويلًا، إذ سيكشر المتهودون للعلمانيين عن أنيابهم عندما يتمكنون من الحصول على أغلبية مريحة في الكنيست وهي متوقعة بل هي تتجه نحو تلك الغاية، ويبلغ عدد أعضاء الكنيست الحاليين من الأحزاب الدينية المتطرفة ٢٧ عضوًا يمثلون ثلاثة أحزاب متطرفة هي شاس ۱۷ مقعدًا.. والحزب القومي الديني أو المفدال خمسة مقاعد، وحزب اليهودية التوراتية المتحدة «خمسة مقاعد، بينما كان عددهم في كنيست ١٩٩٦م «٢٥عضوًا» شاس ۱۰ مقاعد، المفدال 9.. واليهودية التوراتية المتحدة ٤، وحزب ميلوديت ۲.
في كتابه «حمير المسيح» يسلط الكاتب تسيفي راكولفسكي الضوء على تنامي ظاهرة التهود في المجتمع الصهيوني وضرب بذلك مثلًا عدد طلاب المعاهد اليهودية الذين لم يتجاوزوا ثلاثة آلاف طالب قبل مائة عام من أصل تسعة ملايين يهودي في العالم في ذلك الوقت أما اليوم فقد تجاوز عددهم مائة ألف في الكيان الصهيوني وحده، وهو مؤشر على تغير نظرة المجتمع إلى الأصولية اليهودية الصوفية كما أسماها راكولفسكي.. وقد بلغت هذه الظاهرة منعطفًا خطيرًا باغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين على يد متطرف يهودي.
وفي ضوء احتمالات خسارة باراك لصالح نتنياهو، وتراجع عدد مقاعد حزبي العمل والليكويد في الكنيست لصالح الأحزاب الدينية، يبقى الخيار الأقوى عند باراك مواصلة محاولاته لتشكيل حكومة وحدة وطنية، مع الليكود بقيادة خصمه الحالي شارون الذي سيجد في هذه الحكومة هروبًا من شبح نتنياهو، أما الاحتمال الآخر فهو انقلاب داخل الليكود يطيح بشارون ويأتي بنتياهو بسرعة ليفرض على باراك إجراء انتخابات مبكرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل