; هل يزيل الإسراء والمعراج انهزامنا النفسي والقومي؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يزيل الإسراء والمعراج انهزامنا النفسي والقومي؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995

مشاهدات 73

نشر في العدد 1180

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 19-ديسمبر-1995

داعب المسجد الأقصى آمال المسلمين طوال سنين عددًا، وراودت أطياف مسرى رسول الله ﷺ أحلام المتقين أزماناً متطاولة، وحركت نفحات القدس وبركات المسجد العتيد أشواق المؤمنين عصوراً مترامية، ودهوراً متواصلة، أثارت مهجتهم، وناغمت حنينهم، وأشبعت مشاعرهم، وأخفقت قلوبهم، وأسالت مدامعهم، وشحذت عزائمهم، ولم لا؟ وهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى الرسول الأمين ﷺ، وملتقى الرسل والأنبياء، والعباد، والصلحاء، ومثوى الكثير منهم، يشد الرحال إليه الركع السجود، ويلوذ ببركته، ويقبس من إشعاعه الهجد القنوت، ففي الحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». 

والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة لعظم منزلته عند الله وعند المسلمين، ولهذا ارتبطت مشاعر المسلمين بالمسجد الأقصى ارتباطا عضويًا وروحيًا، ارتباطا مقدسًا عميق الجذور، وثابت الغور في قلب كل مسلم على وجه الأرض، فدافعوا عنه، وكافحوا من أجله، واستشهدوا في سبيله، وضحوا بالأموال والأولاد والعتاد في سبيل الذود عن حياضه وحماية بيضته، و حراسة ما حوله ممل بارك الله فيه، من زمن أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وسلفهم إلى صلاح الدين، ونور الدين، وقطز، إلى أن ضعف المسلمون بقيادة الحكم العثماني، الذي أهمل أمور المسلمين وأكثر في الأرض الفساد، وفصل ما بينه وبين الأمة بسدود من الصدود والإرهاب والإهمال والجور، فطمع في الأمة المتربصون فانقضوا على الخلافة المريضة، وساعدهم على ذلك اليهود أصحاب الأطماع والأحقاد، وخذل العرب الخلافة عن جهل، وحاربوها عن سفه، وثاروا عليها بجنون وعمى، وحرضوا الناس على العصيان، وتقربوا بغباء منقطع النظير إلى الدول المستعمرة، بل حاربوا الخلافة في صف بريطانيا، وجند الخلافة كانت تحمي القدس، حتى قال أحد القادة العثمانيين: «لقد أتيت إلى فلسطين بجندي فوجدت أن البلاد قد تسممت، وأن أهلها قد ولوا ظهورهم لنا، فنحن نعيش بين عدوين، سكان البلاد، والعدو الذي نقاتل»، وفي هذا يقول الضابط الإنجليزي «لورنس» الذي رافق الجيش العربي  الذي يحارب الأتراك: «إن السكان المدنيين في المناطق التي يحتلها الأتراك كانوا جميعاً لنا، دون أن يكلفنا نحن بريطانيا درهمًا واحدًا، وهكذا كان لدينا جهاز الاستعلامات، الأوسع، والأضمن، والأكمل، والأرخص»، وفي الوقت الذي كان العرب يثقون في بريطانيا، وتدغدغ أماني الحكم والاستقلال مشاعر العرب المتحالفين مع بريطانيا ضد الخلافة، كان المكر الاستعماري يبيت لهم، حيث اتفقت بريطانيا وفرنسا في معاهدة- سايكس بيكو- على تقسيم بلادهم والتهامها- العراق وفلسطين وشرق الأردن من نصيب بريطانيا، أما سورية ولبنان فمن نصيب فرنسا- وعرف كثير من المخلصين معالم الكارثة فصرخوا في هؤلاء المخدوعين أن كفوا وانتبهوا، وكان من هؤلاء المخلصين الأمير شكيب أرسلان الذي وجه النصح لقادتهم مراراً قائلًا:

«ماذا تصنعون؟ وفي أي طريق تسيرون؟ أتقتلون العرب بالعرب؟ وتسفكون دماء العرب بأيدي العرب لأجل أن تكون سورية لفرنسا، والعراق لإنجلترا، وفلسطين لليهود؟!!»، وتم للإنجليز ما أرادوا، واحتلوا بلاد الشام وفلسطين بمساعدة الثورة العربية، ودخلوا القدس في 9 ديسمبر ۱۹۱۷م، والكثير من الناس المخدوعين يشق هتافهم عنان السماء ترحيبًا «بالأصدقاء الإنجليز» الذين اعتبروا انتصارهم على جند الخلافة نصراً كبيراً للعرب!! وألقى الجنرال اللنبي خطابه المشهور الذي جاء فيه «الآن انتهت الحروب الصليبية»، وانتصر الصليبيون بأيدي العرب والقومية العربية، وصدر وعد بلفور من بريطانيا إلى اليهود بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ليقول: «إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية... إلخ».

واحتلت بريطانيا سائر فلسطين، فاستولت على بئر سبع في ٣١ أكتوبر ۱۹۱۷م، وغزة في 7 نوفمبر ۱۹۱۷م، ويافا في ١٦ نوفمبر ١٩١٧م، وانسحب العثمانيون من القدس 8 ديسمبر ۱۹۱۷م، ودخلها الإنجليز في 9 ديسمبر ۱۹۱۷م، واحتلت نابلس في ٢٠ سبتمبر ۱۹۱۸م، وحيفا وعكا في ٢٣ سبتمبر ۱۹۱۸م.

وانطلقت العصابات اليهودية المسلحة برعاية الاستعمار الإنجليزي تخلي فلسطين من سكانها، وتحرق القرى، وتقتل أصحابها الآمنين العزل تحت رعاية الاستعمار الذي وعدهم بتسليم فلسطين لتكون وطنًا لهم، وفر دعاة العروبة والقومية، وتركوا البلاد لمصيرها المحتوم بعد الغباء الذي وقعوا فيه بتمكين المستعمر من أرضهم، وانبرى للدفاع عن البلاد رجال العقيدة، وعلماء الإسلام المخلصون، من أمثال الشيخ القسام ورفاقه، وأخذوا يبثون روح التضحية والجهاد في الأمة لمحاربة الإنجليز واليهود، وإخراجهم من بلادهم، وكان شعارهم «جهاد واستشهاد حتى النصر»، إلى أن استشهد الشيخ في معركة «أحراش يعبد» ووجد في جيبه مصحف يرافقه آلامه وأحزانه- رحمه الله- وهب المسلمون في الوطن العربي للدفاع عن فلسطين، ودخل الفدائيون من مصر، وسورية، والأردن، وكادوا أن يحققوا النصر على الأعداء، لولا الخديعة الثانية، وهي طلب الاستعمار للهدنة، وأجيب إليها ليستعد اليهود ويقبض على المجاهدين من الجماعات الإسلامية، ويودعون السجون لتخلو أجواء المعركة منهم، ويستولي اليهود على البلاد، وقد كان، وقامت دولة «إسرائيل» واحتلت فلسطين في غيبة العمل الإسلامي والمجاهدين المسلمين، واستمر الوضع في انتكاسات متتالية حتى احتلت بلاد عربية أخرى، وقامت حركات جهادية في فلسطين مرة أخرى، وظهرت أطفال الحجارة، فسارع الجميع العرب قبل غيرهم إلى وأد هذه الحركات، وإعطاء اليهود هدنة أخرى لتدبر الأمر والتفكير في أساليب أخرى بديلة للاستعمار والاحتلال بمساعدة حلفائها، الذين يدعون أنهم أصدقاء العرب.

وأخيراً فهل محاولة توهين الهوية الإسلامية وتذويبها، وهل مطاردة الإسلام وجعله عدواً، وهل وصف الجهاد الإسلامي بالإرهاب، ومحاولة تجريمه، ومطاردة المجاهدين وقتلهم، وهل ضرب الحركات الإسلامية التي تأبى الاستسلام في فلسطين والوطن العربي من اليهود والأنظمة، محاولة جديدة لتمرير مشروع يهودي استعماري آخر؟ وهل سيستمر الغباء العربي عريضًا بغير أن يستوعب دروس التاريخ؟ وهل سيظل بيت المقدس أسيراً بغير أن يحرك شعور المسلمين؟ أم أننا قد فقهنا الدروس والعبر؟ وزال انهزامنا النفسي والقومي وملكنا أمرنا ؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :