العنوان هل يستمر الهدم في الأمة حتى إشعار آخر؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 59
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 49
السبت 31-مايو-2003
تأتي عمليات الهدم في الأمة مواكبة دائمًا لأوضاع معينة، منها على سبيل المثال:
أولًا: قهر الإنسان وقتله معنويًا ونفسيًا. ويتمحور ذلك فيما يلي:
- هدم الفرد وإضاعة كرامته وامتهان شخصيته وإضاعة حقوقه وتعرضه للقهر والإذلال الذي قد يصل إلى استحلال كل شيء حتى دمه وعرضه، وقديمًا قيل:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
ولهذا حرص الإسلام على إحاطة المسلم بهالة من القداسة، قل نظيرها في غير مجتمعه، فقالﷺ : «لا يحل لرجل أن يروع مسلمًا»، «من أخاف مؤمنًا كان حقًا على الله ألا يؤمنه من فزع يوم القيامة»، «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه»، «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره».
والآيات والأحاديث والآثار في هذا المضمار كثيرة ومتعددة، يدهش الإنسان منها ومن قدسيتها التي لا يمكن معها التفريط في أي من تلك الحقوق
السامية للفرد المسلم.
- الحيلولة بين الإنسان المسلم وبين مصدر قوته الروحية والنفسية، وهما ملاك أمره ومبعث العزيمة والرجولة فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ (آل عمران:139)، ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (آل عمران:146)، بل هي نسبه وشرفه، ودنياه التي يعيش في جنباتها، وأخراه التي يتشوق إليها ويعمل لها، قالﷺ: «إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديًا ينادي: ألا إني جعلت نسبًا وجعلتم نسبًا، فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم».
ثانيًا: انهزام القيادة، وضياعها، لعدم جدارتها بتحمل التبعات، وبعدها عن التربية الصحيحة التي تؤهلها لحمل الأمانة الضخمة، وانفصالها عن لُحمة الأمة وسداها، وغياب الحريات التي تمثل الرقابة الحقيقية لها، وبذلك انعدم اختيار الأمة الصحيح لتلك القيادة، ومحاسبتها أو استبدالها عند الشرود أو العجز والخطأ، فبرزت الشهوات وعمت المظالم، وبرز قرنا الشيطان الرجيم، ورجعت الأمة إلى الحقب الجاهلية، وطم البلاء وعمّ، وأضحى حرييقًا يأكل الأخضر واليابس.
والحقيقة التي لا مراء فيها، أن هذه الأمة الصبور قد تحملت من التخبط والقهر في الفترة الأخيرة ما لا تقدر عليه الجبال الرواسي، فأصيبت الأمة بانهيار الخلافة، فتقاسمتها يد الاستعمار المتمثل في معاهدة« سايكس بيكو »ورزحت تحت الاستعمار عقودًا، وغرست إسرائيل في قلب الأمة فجاهدت الشعوب وحدها، حتى رحل الاستعمار، وقامت ثورات هنا وهناك حتى تخلصت من أنظمة وصفت بالفساد، ولكنه - ولسوء الحظ -كان البديل أفسد وألعن وأوقح، فكان انقلاب حسني الزعيم في سوريا ١٩٤٩م و انقلاب عبد الناصر في مصر عام ١٩٥٢م، وعمّ عصر الانقلابات، وبدأت حقب غريبة في تاريخ الأمة، جاءت بعكس المقصود تماماً تميزت بما يلي:
أولاً: تصفيات بين رجال الثورة أنفسهم، أو قيام ثورات على الثورات، فلا يخفى ما حصل في سوريا من انقلابات متوالية كذلك في العراق، وما كان من تصفيات في ثورة مصر، من إزاحة محمد نجيب وصلاح سالم، وأخيه، وكمال حسين، وعبد الحكيم عامر، وخلافه، وأكلت الثورات نفسها وتناست الإصلاح المنشود أو التعاون على البر والخير.
ثانياً: تصفيات للقوى الوطنية الإسلامية التي كانت الأمة تعول عليها في الإصلاح والتقدم، وخلق نظام مباحثي وسلطوي أحرق الأخضر واليابس، فعانت سوريا القمع والإرهاب، على يد عبد الحميد السراج، وأغلقت كل صحف المعارضة وألغيت كل الأحزاب لتذوق سوريا نكهة الإعلام والحكم الشمولي، ومن كان وطنيًا وخدم قضية بلده أصبح خائنًا ومطاردًا أو سجينًا أو مقتولًا، وعانت العراق على يد عبد الكريم قاسم ثم حزب البعث، وعانت مصر من مخابرات عبد الناصر ومباحثه وزبانيته التي قامت بتصفيات لكل القوى الوطنية وخاصة الإسلامية، وفاقت بذلك العهد الملكي الذي قتل حسن البناء فملأت السجون والمعتقلات، وقامت بتصفيات فاقت الخيال في داخل السجون وخارجها، وعلى أعواد المشائق، لصفوة من رجالات الأمة التي كانت تعقد عليهم الأمال من أمثال الشهداء: عبد القادر عودة، والشيخ محمد فرغلي وسيد قطب وأضرابهم، وكم لاقت مصر من ضحايا للرأي، ومن قهر حتى للإتجاهات الشخصية حتى أصبح إطلاق اللحية يعرض صاحبه للسجن سنوات في أقبية مظلمة، وعذاب أليم.
ثالثًا: تسببت هذه الثورات الهوجاء في تقطيع أوصال الأمة، بدلًا من اتحادها فاتحدت سورية ومصر، وما لبث أن انفصلنا وحل بينهما من العداوة ما صعب تلافيه، وتقاربت قوة مصر مع عبد الكريم قاسم في العراق، ثم ما لبثوا أن تدابروا وتلاعنوا، وكانت حرب اليمن وكان الصراع بين الملك حسين وثورة مصر.
رابعًا: تغيير التوجهات والمناهج الإسلامية والوطنية على ما كان فيها من عوار واستبدلوا بها مناهج بعيدة كل البعد عن هويتنا وطبيعتنا، مناهج اشتراكية وشيوعية وبعثية وعلمانية، فتمزق فكر الأمة وعمقها الثقافي وضاع المقدس الذي يجمع شتات الأمة فأصيبت بالحيرة والتشرذم.
وكان حصيلة ذلك كله أن اختزلت الأمة في شخصية الطغاة والسفاحين وجلادي الشعوب، واختزل عمقها الثقافي في شطحات سودت بها صحائف سميت بالميثاق أو الكتاب الأخضر، أو تعاليم بعثية، وخلافه، ونسي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:153) فكان ما نرى من هدم لا سابق له في العصر الحديث، فتهاوت العروش وتساقطت الدول، وذلت الهامات، وأصبحنا ولا إرادة لنا أو اختيار في حاضرنا أو مستقبلنا، فهل ممكن أن تستخلص الأمة الدروس والعبر وتوقف ذلك الهدم قبل أن يأتي الطوفان نسأل الله العون والتوفيق. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل