; هل يعيد التاريخ نفسه مبتدئًا من الشرق؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يعيد التاريخ نفسه مبتدئًا من الشرق؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

المحاولات اليائسة لكبح جماح الصحوة الإسلامية في بلاد عدة هنا وهناك كأنها تحارب القدر- ومن يغالب الله يغلب- أو تحاول إطفاء نور الشمس بأفواه مريضة ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8)، والسنن الكونية دائمًا أبدًا لا تحالف المفسدين طويلًا إذا ظهرت مصابيح الحقيقة، أو بزغت شموس الهداية أو طلع إصباح الرشاد، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21)، والحق الأبلج، ورجال الدعوات الصدق، وأضواء الهداية الزاهبة البراقة، كالسيل العفن ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد:17)، وكلما أدلهمت الخطوب، واشتعلت المحن، واحمرت الحدق، انفلق إصباح النصر ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (يوسف:110) هذا هو دستور الكفاح الأزلي ضد الباطل، وتلك هي معالم طريق الصراع اللازب مع الضلال «ولكن العاقبة للمتقين»، حلف على تلك العاقبة رسولنا عليه الصلاة والسلام، فقال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»، وصدق الله ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ: 49)، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:81) ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (الأنفال:7) هذه سنن الدعوات يا صديقي التي لا نتخلف، فلن يستخفنا باطل أو يرهبنا وعيد ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم:60) أو يشككنا في النصر قاعد، أو يلفتنا عن وعد الله يائس ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (الذاريات:23)، فالإسلام قادر على بعث الموات، وإحياء الهمم، وبنا ء الأمم، إذا حمله رجال، وسارت به فتية، ورفعه شباب صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقد سدنا به الدنيا، وملكنا به المشارق والمغارب!! واليوم:

عادت تذكرنا أيام ماضينا
فهللي يا قوى الإسلام ثانية
وبددي مارنا فوق القلوب بما
إنا دخلنا إلى التاريخ يدفعنا
 
 وتوقظ العزم وثابا وتحيينا
وجلجلي صيحة الهادي بوادينا
يحيى النفوس وبالإيمان قوينا
هدي الكتاب ونور الله يهدينا
 

عاد شباب الإسلام والعود أحد، وعاد رجاله ليذللوا سبل المعالي، عادوا كماة، أطهارًا يرفعون المشاعل ليسطروا صحائف المجد، ويرفعون عمد الحضارة، فعانقهم الزمان وما نسيهم، وهلل لهم وما أنكرهم، وأشرف ضياؤهم، فاستبشر دعاة الحق، وارتكس أهل الباطل، وسيعيد التاريخ نفسه لأن القدر قد جاء، والوعد الحق قد لاح فجره الوضاء، وإن كانت لا تراه الأعين العمي، والبصائر الكفيفة، يقول الباحث الألماني «باول شمتز»: «سيعيد التاريخ نفسه مبتدئًا من الشرق الإسلامي عودًا على بدء من المنطقة التي قامت فيها القوة الإسلامية العالمية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة التي تكمن في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية وستثبت هذه القوة وجودها، إذا ما أدرك المسلمون: كيفية استخراجها والعمل على الإفادة منها، وستنقلب موازين القوى لأنها «أي قوة الإسلام» قائمة على أسس لا تتوفر في غيرها من تيارات القوى العالمية».

وليس هذا هو رأي باول شمتز وحده، بل يشاركه فيه كثير من الباحثين في العالم، وقد أدرك هذا الكاتب والباحث الإنجليزي المعاصر «هلير بيلوك» حتى تكلم عن فاعلية القوة الإسلامية وإمكانية ظهورها من جديد، وضاحة فاعلة، فقال: «لا يساورني أدنى شك في أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين وتتماسك أطرافها تماسكًا قويًّا، وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام.. لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب، بل ستكون أيضًا خطرًا على أعدائه، ومن الممكن أن يعارض المرأ هذا الرأي بأن الإسلام فقد سيطرته على بعض الأشياء المادية، وخاصة ما يتصل منها بالحرب، فهو لم يلحق بالتقدم التكنولوجي الحديث، ولا أستطيع أن أدرك: لماذا لم يعوض الشرق الإسلامي ما فاته في هذا الميدان؟!! إذ لا تحتاج علوم الهندسة الحديثة إلى طبيعة عقلية خاصة، بل يتطلب الإلمام بها والتفوق فيها إلى الخبرة وتوجيه الخبراء، ومن المؤكد: أنه غالبًا ما يحدث: أن تكون حضارة ذات منزلة عالية من التقدم التكنولوجي.. هي أقل درجة من حضارة أخرى لم تبلغ تطورها بعد في هذا المجال ما بلغته الأولى، إذن فهناك احتمال كبير في أن يصبح شعب ظهر حتى الآن أن مواهبه في الناحية التكنولوجية على حواسه ومشاعره، لماذا لا يتعلم العالم الإسلامي ما تعلمناه في مجال التكنولوجيا؟! وفي مقابل هذا: سوف يكون من الصعب علينا استعادة التعاليم الروحية، وهي من العوام الأساسية المفتقدة في أوروبا، والتي فقدتها المسيحية، بينما لم يزل الإسلام يحافظ عليها».

ثم يقول شمتز: «إن الإسلام لبس عبادة جوفاء لا أمل فيها، وأنه لم يعد تلك المبادئ التي تعادي التطور، أو أنه الشكل البدائي للحياة الإنسانية البعيدة عن التأثير في مجرى الأمور، كما شاع ذلك في فترة انحطاط الفكر الإسلامي، بل إنه أصبح اليوم عنصرًا حيًّا يؤثر في الأحداث عندما قاد الحركات الوطنية والإصلاحية في الأمة»، نعم.. أثبت شباب الإسلام أنهم البعث الجديد والروح الجديد في البلاد الإسلامية وعلى رُبا فلسطين، حيث قدم من الأعاجيب بحفنة من المتطوعين الأبطال ما عجزت عنه الجيوش الجرارة، وأضرب المثل بحادثة واحدة من آلاف الحوادث في حرب فلسطين: يقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه «الإخوان المسلمين في حرب فلسطين» ص 114: «كانت مستعمرة «تل بيوت» اليهودية توقع الخسائر الكثيرة في صفوف الجيش المصري، حيث دأبت على إطلاق النيران الكثيفة من برجها الضخم، مما كان يتسبب كل يوم في خسائر بالغة، ولم يستطع الجيش المصري أن يفعل شيئًا، مما اضطر أحمد عبد العزيز- القائد المصري- إلى إصدار أوامره إلى الأخ المجاهد حسين حجازي ليتولى تدمير هذا البرج الخطر، وفي ليلة 4 يونيو انطلقت جماعة من «الإخوان المسلمين» بقيادة حسين حجازي من بيت لحم، وأحيط انطلاقهم بتكتم كبير، وكتم الكل أنفاسه، وما هي إلا ساعة من زمان حتى لمعت في الجو برقة خاطفة أضاءت صفحة السماء، وأعقبها انفجار هائل ارتجت له أركان المدينة وشاهد الناس أحجار البرج الضخم تتناثر في الهواء، ثم تتهاوى لتصنع من تراكمها قبرًا كبيرًا يضم تحته رجل الهاجاناة اليهود، وفي الصباح عاد حسين ومعه فرقته الأربعة بعد أن زحفوا 4 كيلو مترات تحت وابل الرصاص والأشواك، هؤلاء هم الذين قال فيهم القائد الإنجليزي، «أعطوني ثلاثمائة من هؤلاء أفتح بهم العالم».

أرأيت يا أخي همم الرجال الذين كانوا وقتها بالمئات فصاروا اليوم بالملايين في بقاع العالم فإذا تنادوا وأذن المؤذن فإن التاريخ لابد وأن يعيد نفسه مبتدئًا من الشرق، حتى يصير الراكب من المحيط إلى المحيط لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون..

الرابط المختصر :