العنوان هل يمكن أن تعيش الأمة عيدًا حقيقيًا ؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1237
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 04-فبراير-1997
الافتتاحية
يوشك شهر رمضان المبارك على الانتهاء، ويُقبل علينا عيد الفطر الذي يُفترض أن يكون يوم الإخاء والمحبة والسلام والبِشْر والفرح والتهنئة والوفاء، يوم الضحك والسرور والزينة والتهنئة والحب والصفاء، اليوم الذي ينبغي أن يكون طهارة للنفس بعد صيام، وسمو للروح بعد عبادة، واستقامة للأعمال بعد تقوى ومغفرة، لأن العيد في شعائر هذه الأمة يأتي ليبرهن للمسلم أن فيه قوة الانتصار على النفس والتفوق على الشهوات، والقدرة على تغيير الأيام استعدادًا لتغيير الركام البشري الهابط، وترشيد الانفلات الإنساني العابث، ولأن العيد يأتي في الأمة ليكون مَعْرضًا لجمال نظامها الاجتماعي، فيُظهر الشعور الواحد في نفوس الجميع، والإيمان الواحد، والذكر الواحد على ألسنة الجميع، ويرى الناس في الأمة كيف تتسع روح الجوار، وتمتد حتى تكون الأمة من شرقها إلى غربها للمسلمين دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، ويظهر فيها فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع، ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة، فيكون العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة الكامن في تعاليم الدين الحنيف، فما يكون العيد إلا إظهارًا للذاتية الجميلة للأمة الإسلامية العظيمة.
فما أشد حاجتنا نحن المسلمين إلى أن نفهم أعيادنا فهمًا جيدًا، ونفقه شعائرنا ونتلقاها تلقيًّا سديدًا، حتى يحيي فينا أوصافها القوية، وتجدد في نفوسنا معانيها السامية، لا كما تجيء الآن كالحة عاطلة ممسوخة من المعنى، موصوفة بالنفاق والخبال، كان العيد في الإسلام عيد الفكرة العابدة، فأصبح عيد الفكرة العابثة، وكان عنوانًا لإثبات الأمة لوجودها الروحاني في أجمل معانيه، فأصبح إثباتًا لوجود الأمة الحيواني في أكثر معانيه، وكان يوم استراحة الأمة من جدها فأصبح يوم استراحة الأمة من ذلها وضعفها، وكان يوم المبدأ فأصبح يومًا للتيه والضياع، ولولا أن العيد تفرضه الأديان على الناس لجلس الناس اليوم في بيوتهم يندبون حظهم العاثر، وحالهم الخاسر، وعيدهم الحزين، وشعيرتهم المهدرة، لقد كان العيد يهديه الله للمسلمين ليكون فرحًا بطاعة، وإخاء بحب وعز ونصر، فأصبحنا اليوم تهديه إلينا السلطات ليكون لهوًا بعبث، وخصامًا بعداوة، وفرقة بأوجاع، وخضوعًا للغير بآلام وامتهان، كان العيد يومًا من أيام النصر على النفس والقهر للأعداء، فأصبح اليوم يومًا من أيام الشهوات وزمنًا للعبودية والخضوع للمستعمرين، لا يكاد مسلم يصدق اليوم أن يأتي رمضان ويحل العيد والأمة في مثل تلك الحالة الضنك، فلا الحالة الداخلية في القطر الواحد مستقرة إلا من رحم ربك، فإذا نظرت إلى الجزائر كمثال على تلك الحالة المحزنة وجدتها تموج بالفتن موج البحر، ويُضحِّى بالناس كما يُضحى بالغنم، ويُفتك بهم كما يفتك بالحشرات، وتسيل دماؤهم كما تسيل مياه الأنهار، والسلطات التي يفترض أنها مكلفة بحماية الأعراض والدماء والأموال يُشار إليها بأصابع الاتهام والتجني، والنفوذ الأجنبي، والتحريض الخارجي سيد الموقف، وممسك بالزمام، ويتسلى بما يوقده من نيران تحصد الأخضر واليابس، والسلطة مصممة على عدم التحاور مع شعبها حتى آخر جندي وآخر رجل من الشعب، والأمة الإسلامية تشجع وتتكاتف على سحق الشعب الإرهابي وكبته، وإخماد صوته الأصولي لترضي الشيطان، فهل تصدق هذا يا أخي؟!.
وقُلْ مثل هذا في أقطار كثيرة، وسَلْ السجون والمعتقلات والمحاكم العسكرية لخيار الأمة، والرأي العاقل مُغيّب، بل قل مقهور ومذبوح ومُمتهن، وإذا وجهت وجهك إلى ما بين الأقطار وجدت الكثير من العداوات المدفونة والظاهرة، ويكفيك ما تعلمه من حروب أو مناوشات بين الأمم بعضها مع البعض الآخر، تارة على الحدود، وتارة على الأطماع والاتهامات الملفقة، وقد يفجعك أن تعلم أنه ما زالت هناك دولة عربية تحتجز أسرى من دولة عربية مسلمة مجاورة لها، والسجون في بعض البلاد عامرة برعايا دول الجوار، ولا مفاوضات ولا عزاء للمنكوبين.
وقد يكون من أكبر الفواجع وأكثرها إيلامًا في أيامنا هذه المباركة ما يجري في السودان اليوم، حيث يتعرض للغزو والقتل وسفك الدماء والاعتداء الخارجي، وتشترك في حربه جهات عدة منها:
- الغرب وأطماعه.
- المؤامرات الخارجية.
- المرتزقة الغربيون.
- الفتن ومن يسمون بالخارجين.
- المقاطعة المفروضة عليه التي تريد تجويعه وإسقاطه.
- بعض الدول العربية.
- العدو الصهيوني.
- الانهزام القومي في الأمة.
- الأموال والأسلحة التي تتدفق على أعدائه.
- جيرانه من كل جهاته المتعددة.
والمصيبة التي لا يمكن تبريرها هي في تشجيع بعض الدول العربية لهذا الغزو، وسكوت بعض الدول الأخرى ذاهلين عما يُبيت بليل لهذه الأمة ولمصالحها، أيستطيع أحد بعد حرب السودان هذه إذا تعرّضت بلاده لقهر أو غزو أن يستنجد بغيره؟ أو أن يبرر هذا إسلاميًّا وتاريخيًّا وقوميًّا للأجيال اللاحقة؟ أيستطيع كل من يشجع الحفنة الخارجة على السودان بغير سبب أن يقول إن هذا ليس إرهابًا، خاصة إذا كانت قد تطرقت إلى خيانة الأمة، ووظفتها جهات أجنبية لأغراضها في غزو بلادها؟
كيف تصمت الجامعة العربية اليوم صمت القبور؟ وكيف يساعد الإعلام بفرح وزهو أعداء السودان وسفك الدماء فيه؟ وكيف تصمت السلطات وكأن السودان ليس بلدًا عربيَّا أو إسلاميًّا؟
يا أخي.. كيف بالله عليك أفرح بالعيد في وسط هذا الانهزام القومي والعداوات والمؤامرات وتربصات الأعداء، ووسط أنين المسجونين، ودماء القتلى، وصياح الثكالي؟ وما شُرع العيد ولا كان إلا استراحة إلهية من خطوب الحياة المضطربة، ونفحة من نعيم السماء الندية تترطب لها القلوب اليابسة بالوداد والحب والبر الخالص، وتتعانق في ظلالها الأرواح بين الغني والفقير بالإحسان، وبين القوي والضعيف بالرحمة، وبين القريب والبعيد بالمودة، وبين الله والإنسان بالعبادة، وبين المسلم وأخيه بالتآخي.
فهل آن الأوان للأمة المسلمة أن تعيش العيد الحقيقي، وأن تنعم برحمة الله؟ نسأل الله ذلك.