; هل يُطلع الفجر إلا بطل؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل يُطلع الفجر إلا بطل؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011

مشاهدات 74

نشر في العدد 1948

نشر في الصفحة 49

السبت 16-أبريل-2011

لا يعرف الإنسان قيمة الصبر إلا عند الظفر والفوز، ولا يحس بطعم الكفاح إلا بعد النجاح والفلاح، كما أنه لا يشعر بمرارة الفشل إلا بعد الخمول والكسل، ولا بحرقة الانكسار والذلة إلا بعد نوبات الجبن والضياع، هكذا اقتضت حكمة الله وسنته في الحياة، ولهذا لما أراد الله سبحانه لأمة الإسلام النجاح والفلاح أمرهم بالصبر فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)

وقال لرسوله الكريم ﷺ: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: 35)

أي حتى تكون منهم وتلحق بهم فلا بد أن تسير على سننهم وتلزم خطوهم، وما أصدق القائل:

لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

فليس الصبر بضاعة رديئة، وإنما هو طريق الرجال ودرب الأئمة الكرام؛ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة)

 فحقيق بمن صارعوا الأهوال، وطوعوا الحوادث أن يكونوا أئمة يتصدرون المواقف ويقودون الشعوب ويحدون الركب إلى العلياء، ويرفعون الأعلام، وحقيق بغيرهم أن يناموا بغيظهم لم ينالوا خيرًا ولا برًا ولا فلاحًا.. هذا، وقد حرص ﷺ أن ينبهنا إلى ذلك فقال: «اعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»، ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا،  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5، 6)

ولله در القائل:

فإن تكن الأيام فينا تبدلت                       ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل

فما لينت منا قناة صليبة                        ذللتنا للذي ليس يَجْمُلُ

ولكن رحلناها نفوسًا كريمة                    ما لا يستطاع فتحمل

وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا               لنا الأعراض والناس هزل

ولهذا، قال قادة الركب منهم: نحن نحب الشباب الذي يقتنص النجوم، ويسعى إلى المجد وإن كان في الثريا، ويأتي بالفريسة من بين أظفار السباع والوحوش، ويقهر الحوادث وإن كانت في أحضان المستحيل فهؤلاء هم الذين يطلبون الأمور العالية والمراتب السنية والدرجات الرفيعة والأقدار الشريفة والرتب الجليلة، وهؤلاء هم الذين يسمون إلى المكارم، ويتسورون إلى الشرف، ويرتقون إلى المجد، وتكون لهم قوة لا تغلب، وقدرة لا ترام، ورفعة لا تطاول، وسلطان لا يداني، تسمو إليهم الهمم، وترنو إليهم الأبصار، وتمتد نحوهم الأعناق، وتعقد عليهم الآمال.

أما الجرذان والديدان والخنافس والأقزام، فهيهات هيهات أن تكون فيهم رفعة من ضعة، أو ذكر من خمول أو قومة من موات.

وهؤلاء هم الذين يستنسر في أرضهم البغاث، وتنعق فيها البوم والغربان، ويقول لهم الطريد اللئيم قولة النملة لأخواتها، توقيًا من سليمان عليه السلام وجنوده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: 18)

 ويصدق عليهم وفي حضورهم قول الشاعر العربي الجاهلي متجنيًا عليهم:

ونشرب إن وردنا الماء صفوًا               ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا

إذا بلغ الرضيع لنا فطامًا                    تخر له الجبابر ساجدينا

ومن منا لم ير اليوم تلك الذلة والمهانة التي يعيشها الناس في غياب رجال الأمة، حتى إن «إسرائيل» التي ضربت عليها الذلة والمسكنة، أصبحت تعز وتذل وتقتل وتهدم في وسط ديار المسلمين وفي مسجدهم الأقصى؟! ومن منا لا ينظر إلى البغاث اليهودي الصهيوني تذل له الأعناق؟! ومن منا لا يرى أو ينظر إلى من يطمع في خيرات الأمة ونفطها وأرضها، وأصحاب الأرض محاصرون ويتضورون جوعًا، ويأكلون ويشربون كدرًا وطينًا؟!

هل يرفع الراية اليوم إلا باسل بطل، ومجاهد صنديد، وشجاع يغشى غمرات الموات، ومؤمن مقدام ثابت الجنان، رابط الجأش صادق العزم، قوي البأس، سريع الإقدام، يتحدر في نخب من أصحابه وأعيانهم وصناديدهم وكماتهم ونجدائهم، يرفعون الظلام ويطلعون الفجر، ويجردون الحسام للباغين:

جرد السيف فالحسام دواء                       لا شفاء دون أن تراق دماء

وإذا اعتلت الحياة بذلة                            فعلى الدنيا والحياة العفاء

إنما الموت في الفراش امتهان                ولدى الحرب عزة وازدهاء

فقد يكون الحسام دواء للطامعين، وثمنًا للمجد العظيم، ومطلبًا للمجاهدين.. فالعزة والحرية مفاتيح تدار في الأقفال التي تحجب المجد، وللشرف والأنفة أبواب بكل يد مضرجة تدق.

إذا غامرت في شرف مروم                  فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير                 كطعم الموت في أمر عظيم

فهل ينفع الحسام إلا في يد بطل؟ وهل يكون هناك مغامر إلا إذا كانت له عقيدة ونخوة وآمال كبار تهون بجانبها النفوس وترخص أمامها الأرواح؟ يا قوم، هذا هو تاريخنا، وهذه هي رسالتنا في الدنيا التي سنقابل الله عليها في الآخرة، فما الذي صيرنا إلى ما نحن فيه؟! وما الذي أوصلنا إلى تلك الغثائية؟

وما هذا إلا لتربية الأجيال على الهزيمة، ولكنه قد طلع الفجر، وأذن المؤذن: حي على الفلاح، وستنادي الأمة إلى المجد من جديد؛ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)

الرابط المختصر :