; هموم المسلمين الصعبة.. من لها في رمضان؟ | مجلة المجتمع

العنوان هموم المسلمين الصعبة.. من لها في رمضان؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

مشاهدات 92

نشر في العدد 1381

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

يأتي رمضان وهموم المسلمين قد بلغت الحناجر، ونكباتهم قد تفاقمت وتكاثرت حتى حيرت الألباب، وتركت الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن الهول شديد، والمآسي متلاحقة والكرب عظيم، وقد كتب علينا أن نعيش المصائب التي تفتت الأكباد، ونرى الكوارث التي تقتلع القلوب، وننظر إلى النيران التي تشتعل في الأمة من خارجها ومن داخلها، فتدع الحليم حيران، والمتنفذين في الأمة صمًا وعميانًا، أيعقل في أي زمان وأي أرض أن يتجرع المسلمون الذل، ويشربوا الحميم، ويمطروا القنابل والصواريخ، ويأكلوا الجيف والموتى، ويستنشقوا السموم، ويدهسوا بالدبابات، ويرجموا بالطائرات، ويحصدوا بالمدافع، ولا تتحرك دولة مسلمة أو غير مسلمة لنجدتهم أو أمة للدفاع عنهم، أو مسلم لمعاونتهم، وسد جوعتهم، أو تتقدم منظمة لمساعدتهم، أو هيئة لإنقاذهم، أو مؤسسة لرفع الظلم عنهم، ومواساتهم أو تفقد أحوالهم؟

 هل يعقل أن يذبح شعب بأكمله ويُباد قطر مسلم عن بكرة أبيه، ولا يتحرك أحد، أو يعرف أخباره إلا من أعدائه وقاتليه وجزاريه؟ هل رأت الإنسانية خورًا يماثل هذا الخور، وجبنا يوازي هذا الجبن، ومواتًا يضاهي هذا الموات؟ وهل صادفت البشرية مخلوقات غلظت أكبادها، وانحطت نفوسها، وماتت ضمائرها مثلما صادفت هذا في المسلمين، وعايشت ذلك في الأمة هذه الأيام؟

  أظن أن هذه المآسي لو تليت على ميت لانتفض، ولو أسمعتها رمم لقالت يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، لقد قلنا عندما حلت الكوارث بالمسلمين تباعًا إن هذا الوخذ سيوقظهم، وهذه الآلآم ستحركهم، فزادت النكبات، فقلنا يوشك أن يتململ المارد، وجاءت الكوارث فترقبنا نفرة العملاق، وحلت فاجعة البوسنة والهرسك فتوقعنا صحوته، وتبعتها مذابح كوسوفا فانتظرنا إفاقته، ووقعت فاجعة الشيشان فتأكدنا ثورته، والتفتنا إليه فإذا هو عظام نخرة، وأعضاء متفسخة وجسد مهترئ، وكانت الصدمة أقوى وأشد وأعنف فقلنا أين فارس الحلبة، وبطل الكتيبة، وعملاق المعارك؟ لقد أضاعوه وبددوه، وأثخنوه بالجراح، وأجهز عليه بالسيوف بنو جلدته، وقد كان ملء السمع والبصر وطول الدنيا وعرضها، وها هي الأمة اليوم تندب حظها، وتجني نكدها، وتمضغ حنظلها، وتنعي نفسها، ولا عزاء للهلكى والبائسين في زمن الأبالسة والشياطين. 

     لقد كانت الأمة -إلى عهد قريب جدًا وفي هذا القرن- يشعر الناس بعضهم ببعض، ويألم أحدهم للآخر، فإذا حلت مصيبة أو نزلت فاجعة رأيت شعور الناس قد تجمع، وأحاسيسهم قد تلاقت، وأرواحهم قد ارتبطت، ولقد رأيت في مصر حريقًا شب في بعض المدن، فأكل بعض بيوتها، وخلف وراءه بعض المشردين والمنكوبين، فهب الناس يجمعون الأموال والعتاد، ونفرت أقلام الأدباء والشعراء تصف النكبة، وتصور الحدث، وتلمز المتكاسلين والقاعدين، فارتاع الناس، وتسابق الجميع في دفع المصاب، وقد صور ذلك حافظ إبراهيم في حريق «ميت غمر»، فقال: 

سائلوا الليل عنهم والنهارا كيف باتت نساؤهم والعذارى

كيف أمسى رضيعهم فقد الأ               م وكيف اصطلى مع القوم نارا

كيف طاح العجوز تحت جدار           يتداعى وأسقف تتجارى

رب إن القضاء أنحى عليهم              فاكشف الكرب واحجب الاقدارا

ومر النار أن تكف أذاها                   ومر الغيث أن يسيل انهمارا

أشعلت فحمة الدياجي فباتت              تملأ الأرض والسماء شرارا 

مشيتهم والنحس يجري يمينًا              ورمتهم والبؤس يجري يسارا 

فأغارت وأوجه القوم بيض               ثم غارت وقد كستهن قارا

أكلت دورهم فلما استقلت          لم تغادر صغارهم والكبارا

اخرجتهم من الديار عراة                         حذر الموت يطلبون الفرارا

يلبسون الظلام حتى إذا ما         أقبل الصبح يلبسون النهارا 

حلة لا تقيهم البرد والحـ                   ر ولا عنهم ترد الغبارا

أيها الرافلون في حلل الوشـ               ـــي يجرون للذيول افتخارا 

إن فوق العراء قومًا جياعًا                        يتوارون ذلة وانكسارا

مر بألف لهم وإن شئت زدها             وأجرهم كما أجرت النصارى

جل من قسم الحظوظ فهذا                 يتغنى وذاك يبكي الديار

رب ليل في الدهر قد ضم نحسا          وسعودًا وعشرة ويسارا

 فما بال حافظ إبراهيم وأمثاله لو رأوا ما وصلت إليه الأمة اليوم، وما دهاها هذا العصر، ونظروا إلى أهل الشيشان وهم يرجمون بالقنابل والصواريخ، وتهدم عليهم بيوتهم، ويلهثون في العراء طلبًا للنجاة ولا نجاة، ماذا كان سيصف؟ وماذا كان سيقول للقاعدين والمتخاذلين؟ ولكن أين أمثال حافظ إبراهيم اليوم؟ وأين الشعراء؟ أتراهم في كل واد يهيمون، أم تراهم مداحين، أم مسجونين في قعر مظلمة؟

 لقد لاقت الأمة وتلاقي في داخلها مثل ما تلاقي من خارجها، فبينما نجد الأعداء يخرجون الآمنين من منازلهم، وييتمون الأطفال والنساء تجد مثله في ديارنا متمثلين في زوار الليل، وأضيف إليهم عتاة النهار، يُخرجون الآمنين المؤمنين من منازلهم رمضان من بين أطفالهم وأزواجهم ليودعوهم في السجون والمعتقلات بغير ذنب ولا جريرة، إلا أن يقولوا ربنا الله فإذا رأيت ذلك رغم الطهارة والإخلاص.

ولمحت يوسف في السجون مغيبا             ومعاقر الإجرام غير سجين

 ورأيت وجها للحقيقة عابسا                      لكن وجه الإفك في تزيين 

ورأيت من يهفو لشم قمامة                        ويعاف شم الروح واليسمين

 فماذا تقول؟ وما القلوب التي تستطيع أن تتحمل كل هذا؟ أعتقد أنه لن يستطيع أن يصمد أمام كل هذا إلا القلوب المؤمنة الفتية التي تتوكل على الله، وتثق في نصره ووعده جل شأنه:

هم فتية الأنفال سوف نزفهم               للمجد يوم النصر والتمكين

فالله يا رمضان ناصر حزبه              بالكاف يمضي أمره والنون

﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 21).

الرابط المختصر :