العنوان هموم إسلامية
الكاتب د. سعيد حارب
تاريخ النشر الأحد 09-فبراير-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 988
نشر في الصفحة 50
الأحد 09-فبراير-1992
لقد تشرفت بالمشاركة في ندوة مستجدات
الفكر الإسلامي والمستقبل، والتي نظمت في دولة الكويت بناء على دعوة كريمة من
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وقد ضمت الندوة مجموعة من مفكري الأمة وعلمائها،
إذ جسدوا على مدار الأيام الثلاثة للندوة هموم الأمة ومشكلاتها التي تعصف بها،
والتي كان من أبرزها الآثار المدمرة للغزو العراقي للكويت، إذ لم تقتصر هذه الآثار
على ما أصاب الكويت وحدها، بل تجاوزها إلى جسد الأمة الإسلامية التي مازالت تعاني
جراحًا خطيرة من التمزق والفرقة واختلاف المواقف، فالعدوان قد اندحر، والباغي قد
خرج مدحورًا، إلا أن آثاره مازالت باقية شاهدة على عظم الجريمة التي ارتكبها، ولئن
شهدت الأمة الإسلامية في عصورها المتأخرة أزمات وكوارث، إلا أن ما حدث في الكويت
فاق كل ما سبقه، فالمسلمون اليوم يشعرون أن هذا العدوان قد أحيا في بناء الأمة روح
التسلط والهيمنة وغلبة القوي للضعيف، وتسلط الفرد، وسيادة روح الغابة، وشيوع
الأفكار العلمانية والإلحادية، وما كان ذلك ليتحقق إلا في غيبة الإسلام الذي يقف
أمام هذه الجرائم، فعندما يسود العدل فلا شك أن الظلم يزول، وعندما تطبق الشريعة
تندحر قوانين الغابة، وعندما يشترك الجميع في تقرير مصير حياتهم من خلال الشورى
العادلة، يغيب تسلط الفرد وهيمنته، وعندما يلتزم المسلمون بدينهم لا تجد الأفكار
العلمانية والإلحادية مكانًا لها في ديار الإسلام.
لقد أبرز الغزو هذه الآثار في أمتنا، إلا
أن ما نلحظه الآن أن معظم العلاج يتجه بعيدًا عن هذه الآثار، ولا يتناولها إلا
بحلول جزئية، أو معالجات موقتة، فمازالت سيادة الفرد وهيمنته غالبة على كثير من
بلاد الإسلام، ومازالت رقعة
الفكر الإلحادي والعلماني تتسع، ومازالت الشريعة معطلة في معظم بلاد المسلمين، فهل
استوعبنا الدرس حقًا؟ لو كان الأمر كذلك لما بقي حالنا على ما هو عليه إلى يومنا
هذا.
أما الهم الثاني الذي تناولته الندوة فهو
واقع المسلمين وتخلفهم، لا في المجال الصناعي والتقني فقط، بل في كل جوانب الحياة،
إذ إن تغييب الإسلام لم يتوقف عند السيادة والسلطة فقط، بل تجاوز ذلك إلى تغييبه
عن مجالات الحياة المختلفة.. بدأ بالفرد الذي لم يعد في كثير من صور
حياته يتعامل بالإسلام، بل حصر الإسلام في ممارسة العبادات والشعائر الذاتية دون
أن يأخذ حيزًا أكبر من ذلك، فقد امتد العزل للإسلام إلى جوانبه التطبيقية، فشاعت
في ديار الإسلام روح الاتكالية والاعتماد على الغير، وعدم الإتقان في أداء
الأعمال، والخلود إلى الدعة والسكينة دون التحرك بعمل يسعى لاستقلال الأمة عن
التبعية للآخرين في شؤونها الحياتية، فأصبح المسلم يعتمد اعتمادًا يكاد يكون
كليًّا على ما ينتجه الآخرون، فعطل بذلك إمكانياته وقدراته المادية والمعنوية،
فبينما هو يملك من هذه الإمكانيات الشيء الكثير، إلا أنه مازال يستورد أبسط
احتياجاته من الآخرين، فكيف نتصور نهضة لأمة تعتمد على ما بيد غيرها، لقد قال
الشيخ محمد عبده قديما: «وإن الأمة التي لا تأكل مما تزرع لحري بها أن تموت جوعًا»،
والأمة الإسلامية اليوم تأكل وتلبس وتركب لا مما تنتجه، بل مما ينتجه غيرها، فهل
تنتظر لها بذلك نهوضًا؟
أما الهم الآخر الذي تناوله المنتدون فهو
موقع الأمة من المتغيرات العالمية، وإعادة صياغة مناهج تفكيرها من خلال رؤية واضحة
لما يدور حولها، إذ لا يتصور أن العالم من حولنا يتغير، ونحن مازلنا نراوح مكاننا،
ففي الوقت الذي يتجه فيه العالم لنظام واحد له مكونات محددة، نجد أن الأمة المسلمة
مازالت في نظر الآخرين «كمًا» مهملًا من الأرقام البشرية والاقتصادية، فعلى الرغم
من إمكانياتها تلك إلا أن قرارها في هذا النظام لم يتبلور بعد؛ لأنها تعيش غيبة
شبه كاملة عن هذه الأحداث، علمًا بأن مثل هذا النظام يصاغ على قواعد من بينها
القاعدة الاقتصادية التي تعتمد في كثير من احتياجاتها على ما بيد المسلمين من
مصادر للطاقة، فهل فكر المسلمون في استثمار هذه القاعدة لتحقيق مصالحهم، ولإيجاد
مكان بارز لهم في تشكيل هذا النظام الجديد؟!
إن انشغال المسلمين بخلافاتهم وهمومهم قد
أقعدهم عن هذا الدور الذي يمكن أن يكون رياديًّا، ولكن في ظل الظروف الحالية من
تمزق واختلاف وفرقة لا يمكن أن نتصور لنا مكانًا في هذا النظام الذي لا يحترم إلا
الأقوياء.
لقد أثارت ندوة الكويت همومًا كثيرة، إلا
أن هموم الأمة لا تنتهي، ولعل مثل هذه الندوات تحرك المكنون الساكن لدى المسلمين؛
حتى يستطيعوا أن يكتشفوا مواقع الخلل في حياتهم، ويعيدوا صياغة واقعهم على أسس من
الإسلام أولًا، وروح العصر ثانيا، فهل هم فاعلون؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل