العنوان هندسة التأثير: عزائم الشيوخ
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2005
مشاهدات 62
نشر في العدد 1662
نشر في الصفحة 56
السبت 30-يوليو-2005
إذا كان صغار السن يمكن أن يكون لهم وزن وتأثير في هذه الحياة، فكذلك العجزة والذين شاخت أعمارهم يمكن أن يكونوا مؤثرين وفاعلين.
إن الشيب جلة ووقار، ونور للعبد ومنار، وفي هذا يقول القائل:
تفاريق شيب في السواد لوامع وما خير ليل ليس فيه نجوم
وعن كعب بن مرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: «من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نورًا يوم القيامة» (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني في صحيح الجامع).
وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نورًا يوم القيامة» (رواه أحمد، والترمذي والنسائي).
وقال رسول الله ﷺ: «إن من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (رواه أبو داود ).
أهلًا وسهلًا بالمشيب فإنه سمة العفيف وحلية المتحرج
وكأن شيبي نظم در زاهر في تاج ذي ملك أغر متوج
وقال رسول الله ﷺ: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله» (رواه أحمد والترمذي).
فلله در أناس طال عمرهم، وعلت هممهم، وحسن عملهم.
قال أبو ظبيان: أغزى أبو أيوب، فمرض، فقال: إذا مت فاحملوني، فإذا صاففتم العدو، فارموني تحت أقدامكم، أما إني سأحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة»، (رواه أحمد والطبراني، وإسناده قوي).
هذه حاجة أبي أيوب وهو يجود بروحه، تُعجز وتُعيي كل تصور وكل تخيل لبني الإنسان!! ولقد أنجز يزيد وصية أبي أيوب، وفي قلب القسطنطينية «إستانبول»، ثوى جثمان رجل عظيم، جد عظيم. لقد أراد أن يكون مثواه الأخير حيث يزحف جيش الإسلام، وتخفق الأعلام، وتصهل الخيول، هناك حيث صلصلة السيوف، وقد كان شيخًا كبيرًا، فرحمه الله رحمة واسعة.
وهذا يوسف بن تاشفين كان يقاتل الفرنجة ويقود الجيوش بنفسه وقد جاوز الثمانين من عمره. ولقد فتح موسى بن نصير الأندلس وعمره (٧٤) سنة، وذلك في عهد الوليد بن عبد الملك، وكان فتحًا عظيمًا حتى إنه لما استدعاه الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه (٩٥هـ) وصل موسى دمشق ومعه (۱۲۰) من الملوك وأولادهم سبايا.
وكان موسى بن نصير يقول (وهو شيخ كبير قد شارف الثمانين): ما هزمت لي راية قط، ولا فض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي نكبة منذ اقتحمت الأربعين إلى أن شارفت الثمانين.
وكان يقول ببلاد الأندلس، بعد أن أوغل في الفتح حتى جاوز سرقسطة، وكان آنذاك شيخًا مسنًا: «أما والله لو انقادوا إليَّ لقدتهم إلى رومية، ثم يفتحها الله على يدي إن شاء الله».. فلله درك من شيخ لا يعرف للمستحيل معنى.
وهذا ثابت البناني فقد بلغ ستًا وثمانين سنة، قال عنه بكر المزني: من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني، فما أدركنا الذي هو أعبد منه، وقال عنه أنس بن مالك رحمه الله: إن للخير مفاتيح، وإن ثابتًا من مفاتيح الخير.
وقد ألف الحاكم النيسابوري كتابه القيم المستدرك على الصحيحين، إملاء من ذاكرته بعد أن جاوز التسعين من عمره. وكذا الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه الذي شهد العقبة وبدرًا، وغزا مع النبي ﷺ كل الغزوات، وكان له دوره المميز في صفوف الجيش مع النبي ﷺ، حتى قال فيه: «صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة» (أخرجه أحمد وإسناده صحيح). وكان كثير الصوم وقلما يفطر، وكان زاهدًا متعبدًا، وقد تقدم السن بأبي طلحة رضي الله عنه، ولم يتخلف عن غزوة قط ولم يتعذر بكبر السن والشيخوخة ويجلس ويستريح بل مضى بعد وفاة النبي ﷺ ليكمل المسيرة باحثًا عن الشهادة التي تمناها طويلًا.
وعن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (التوبة: ٤١)، فقال: أرى ربي يستنفرني شابًا وشيخًا، جهزوني، فقال له بنوه: قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى قبض، وغزوت مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني، فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير.
وانظر كذلك إلى جورج داوسون الذي لم يتعلم القراءة ولا الكتابة إلا بعد بلوغه الثامنة والتسعين من العمر، وبعد أربع سنوات من تعلمه «فك الخط» كتب سيرة حياته في كتاب بعنوان «الحياة رائعة جدًا»، باع منه (١٠٠) ألف نسخة خلال الأسابيع الأولى من صدوره، واحتل قائمة أكثر الكتب مبيعًا لفترة طويلة، كما قام بجولة في كل أرجاء الولايات الأمريكية لترويج الكتاب.
وكم نخسر كثيرًا بسبب ذلك القانون الذي يحيل من بلغ ستين سنة إلى المعاش، وكأننا نقول له: لقد انتهت صلاحيتك وأن لك أن تذهب إلى بيتك وتنتظر الموت، فلا فائدة منك!! إن السن ليس حجة للتقاعس أو التوقف عن صناعة الحياة والتأثير في الواقع، وإنما يستطيع الإنسان لو أراد واجتهد واستعان قبل ذلك بالله تعالى أن يفعل شيئًا كثيرًا مهما كان سنه، فعندما تكون الهمة عالية والنفس طموحة يكون السن صغيرًا كان أو كبيرًا هو المطلوب.
[*] رئيس مركز التفكير الإبداعي والمشرف العام على إسلام تايم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل