; هندسة التأثير-ليسوا بأفضل منا | مجلة المجتمع

العنوان هندسة التأثير-ليسوا بأفضل منا

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 24-سبتمبر-2005

مشاهدات 52

نشر في العدد 1670

نشر في الصفحة 59

السبت 24-سبتمبر-2005

 رئيس مركز التفكير الإبداعي والمشرف العام على موقع «إسلام تايم». 

ذكر لنا التاريخ أن الإبداع الحضاري للمسلمين بلغ مبلغًا عظيمًا في جميع المجالات، سواء كان ذلك في العلوم الإنسانية أو التجريبية أو التكنولوجية أو غيرها. 

فلقد أبدع عالم العراق علي بن عقيل بن محمد البغدادي «المتوفى عام 513هـ» في التأليف، فصنف العديد من المصنفات أحدها «كتاب الفنون»، والذي يتكون من أربعمائة جزء، قال عنه الذهبي: لم يصنف في الدنيا أكبر منه. 

وأبدع الزهراوي في علم الطب حتى ترجمت بعض كتبه إلى اللاتينية والعبرية، وقد استخرج قبل قرون طويلة الحصى من المثانة، وقام بتفتيتها، بالإضافة إلى إجرائه العديد من العمليات الجراحية المعقدة في العين, 

وأبدع أبوبكر الرازي في الكيمياء والطبيعة والطب، وظلت أبحاثه حجة في هذه الميادين حتى القرن السابع عشر، وقد استخدم المنهج التجريبي - منهج الملاحظة والتجربة - قبل فرانسيس بيكون «1561 – 1626م» بسبعة قرون.

وأبدع الإدريسي في علم الجغرافيا والاستكشافات، فقد جاب العالمالإسلامي والأوروبي وعبر المحيط الأطلسي ليستكشف ما وراءه من أرض،  وكان يوقن بكروية الأرض قبل كريستوفر بثلاثة قرون ونصف. 

وقد طور المسلمون علم الفلك والجغرافيا حتى أنهم في القرن الثامن الميلادي، في عهد المأمون، توصلوا إلى قياس محيط الأرض، كما أنهم أول من جعل البارود مادة متفجرة قابلة لإطلاق القذائف. 

إن لنا حضارة بلغت الآفاق، حضارة لم تكن مشوهة، بل كانت شاملةللقيم والخلق، بالإضافة إلى التكنولوجيا والتقدم العلمي. 

لهذا وجب على العقلاء وأهل الفكر تتبع التراث الإبداعي لدى أمتنا وإذاعته ونشره وتسويقه ليعلم أبناؤنا أنه بإمكاننا أن نصنع الكثير، فلنا تاريخ مشرق في ذلك. 

وما أجمل تلك اللحظات التي كان المسلمون يتنقلون فيها من انتصار إلى آخر ومن فتح إلى فتح أعظم، ولم تكن هناك قوة تقف أمام جيوشهم التي تعلقت بما عند الله تعالى، ولعله ليس من فضول القول التنبيه إلى أنه لا ينبغي التغني بالتراث والاكتفاء بذلك، فهذا شأن العجزة الذين لا تقام بهم حضارة ولا ترتفع لهم راية. 

إن على صانع التأثير ومهندس الحياة أن يدلي بدلوه في هذه الحياة، وأن يقدم شيئًا مؤثرًا نافعًا فيها، وأن يثبت أنه مشرف لأمجاد آبائه لا عالة عليها وعليهم، وأن يبرهن أنه خير خلف لخير سلف لا العكس: 

لا تقل أصلي وفصلي أبدًا 

                         إنما أصل الفتى ما قد حصل 

كما أن الواجب على الحكومات والمؤسسات الواعية أن ترعى الأذكياء والمبدعين، وأن تؤسس معاهد ومراكز خاصة بهم، وأن تستقطب المبدعين والأفذاذ من أبناء أمتنا القابعين في ديار الغرب وهم خلق كثير، وأن تخصص ميزانية مجزية لهم.

خلاصة ما أود لفت الانتباه إليه أنه ينبغي أن نتيقن أننا قادرون بإذن الله تعالى على فعل الكثير، وأن غيرنا ليسوا بأفضل منا، وأن عندنا من القدرات والإمكانات التي أودعها الله فينا ما لا يمكن أن يتصوره عقل بشري، وأننا نحن المسلمين مسؤولون بدرجة كبيرة عن  تقزيم أنفسنا وتهميشها أو عملقتها وإعلائها. 

وبمعنى آخر إننا بحاجة إلى التخلص من عقدة النقص ومنالشعور بالدونية ومن الإحساس بالعجز الذي خلفه لنا الاستعمار ليحطم معنويات هذه الأمة.. نحن بحاجة إلى أن نكسر قيود الضعف ونفك أغلال الانهزام النفسي.. نحن بحاجة إلى الشعور بأننا أقوياء بربنا وبديننا وبقيمنا وبما حبانا الله عز وجل من قدرات عقلية ونفسية وجسدية.

فالرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجرًا، وما هي إلا سنوات ثمان حتى وقف على رأس جيش عرمرم يقف بين يديه سادات مكة يرجون رحمته ويأملون عفوه، وقد كان لسان حاله ينطق بما نطق به المهلهل: 

ولست بخالع درعي وسيفي 

                                            إلى أن يخلع الليل النهار 

ومن قبله يوسف - عليه السلام - المتهم البريء، الذي ذنبه الوحيد أنه أبى أن يكون مجرمًا، فكان جزاؤه السجن، ولكن ما هي إلا بضع سنين حتى أصبح على خزائن الأرض مكينًا أمينًا ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (يوسف: 56). 

وأخيرًا، ما أجمل تلك الكلمات الواعية التي سطرها المربي الفذ والداعية المبدع والمفكر المتميز الأستاذ محمد أحمد الراشد في كتابه القيم «صناعة الحياة»، الذي لا غنى عنه لكل من يريد هندسة الحياة وصناعة التأثير، إذ يقول:

«وفي مثل هذا المنعطف يجفل الراهب فيدعي عجزًا ويقول: تريدون مني أن أكون فقيها وليس جدي مالكًا ولا الشافعي! وتطلبون أن أتغنى بالشعر وما ولدني المتنبي ولا البحتري! وتتمنون أن ألوك الفلسفة وليس جاري سقراط! فمن أين يتأتي لي الإبداع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة»؟!

فنقول: نعم، نريدك ونطلب ونتمنى ونظن ونجزم، ولا وجه لاستضعافك نفسك واستصغارك صحبك، وقد أعطاك الله ذكاءً ونسبًا، فلم لا تتعلم الشعر وتطلب الفصاحة؟ والجزم مستمد من براهين ثلاثة لدينا: 

الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: الدعاة كإبل مائة، وإنما قال «الناس كإبل مائة»، ونحن لسنا الناس، بل نحن الرواحل كلنا، ونحن صفوة الناس ونخبة المجتمع وزبدة البشر وخلاصة المسلمين، فكيف نساوي أنفسنا بالعامة واللاهين؟ 

الثاني: أن الحريات تربي والطاقات تُطلق، والأموال تساعد وتتيحما لا يتاح للفقير، والتيسيرات المدنية والمخترعات تضاعف النتائج، وكثرة من الدعاة يعيشون ظروف الحرية اليوم، ومن لا يزال مظلومًا له أن يهاجر ليتربى ويعود، وأموال الدعوة تخدم الصاعد في مدارج الصناعة، ثم الطائرات تقله والفيديو ينضجه. الثالث: أن نظرية صناعة الحياة لا تريد كل الدعاة فلاسفة أو شعراء، وإنما هي مائة صناعة ومهنة وفن تخصص، وما نظن أحدًا يقف بهذه الأبواب المائة يطرقها ثم لا يفتح له باب يلج منه إلى دار الاجتهاد وركن الإبداع، ونظريتنا بريئة من إرهاق أحد وإعناته وإحراجه، بل دون الذكي الاختيار الحر، يرسم لنفسه الدور الذي شاء إذا شاء الله، وكل الطرق تؤدي إلى القاهرة وصنعاء، ويعقوب مازال يوصي أبناءه: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِن أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ (يوسف: 67). 

هكذا أيها الإخوة كلنا رواحل، في ميدان حر، ومداخلنا شتى، فقط يراد لنا أن نثق بأنفسنا» «انتهى كلام الراشد».

ونحن بدورنا نردد ما ردده الراشد، ونؤكد ما أكده، مستعينينبالله تعالى، فهو نعم المولى ونعم المعين.

 

الرابط المختصر :