العنوان مستنقع التكفير (٢من ۲).. أدب العلماء عند الاختلاف
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1826
نشر في الصفحة 45
السبت 08-نوفمبر-2008
يقول الإمام ابن تيمية -يرحمه الله- في الفتاوى (12/466): "ليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة".
فأهل السنة والجماعة عندهم الكفر كفران كفر يوجب لصاحبه الخلود في النار، وهو الكفر الأكبر المخرج عن ملة الإسلام، وكفر لا يستوجب لصاحبه الخلود في النار، وهو الكفر الأصغر الذي يسمى كفر النعمة أو المعصية، وهذا يستحق صاحبه الوعيد دون الخلود.
والوعيد قد يتخلف، إما لحسنات ماحية، أو مصائب يبتلى بها، أو شفاعة، وأعظم من ذلك رحمة الله تعالى. كما أنهم يطلقون التفريق بين القول الذي قد يكون كفرًا، وبين قائله الذي لا يحكمون عليه بالكفر إلا بعد إقامة الحجة وتعليمه وإزالة الشبهة عنه.
يقول الإمام ابن تيمية في كتاب (التوسل أنواعه وأحكامه) ص ٤١: "وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولًا يطلق كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فإن "الإيمان" من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى تثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بلدة بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وفي التحذير من تكفير علماء الأمة بسبب اجتهاد يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى (3/231-229): "إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه، فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر أو يفسق، "وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العلمية".
ولننظر إلى أدب العلماء وأهل الفقه عند اختلافهم مع غيرهم كيف يكون صنيعهم؟ إنهم عفوا ألسنتهم عن الوقوع في الجرح والطعن والتكفير والتضليل، وإليك الرسالة العلمية الرائعة التي بعث بها فقيه مصر وإمامها وعالمها الليث بن سعد إلى الإمام مالك، يعرض عليه فيها وجهة نظره، في أدب جم رفيع، حول كثير مما كان الإمام مالك يذهب إليه، ويخالفه فيه الليث بن سعد.
ونظرًا لطول الرسالة نقتطف منها ما يشير إلى ذلك الأدب الرفيع، الذي اختلف في ظله سلف هذه الأمة، وكرام علمائها، يقول الليث بن سعد:
"سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك بكم، وأتمه بالعون على شكره والزيادة من إحسانه".
ثم يقول: "وإنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وأني يحق عليَّ الخوف على نفسي لاعتماد من قلبي على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، وبها نزل القرآن وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك ـإن شاء الله تعالى- ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له".
ثم يمضي الإمام الليث بن سعد في رسالته، موردًا أوجه الاختلاف بينه وبين الإمام مالك -يرحمهما الله تعالى- حول حجية عمل أهل المدينة، مبينًا أن كثيرًا من السابقين الأولين الذين تخرجوا في مدرسة النبوة حملوا إلى مشارق الأرض ومغاربها، وهم يجاهدون، ما تعلموه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبين أن التابعين قد اختلفوا في أشياء، وكذلك من أتى بعدهم من أمثال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حيث يذكر بعض مآخذه عليه.
ثم يقول: "ومع ذلك -بحمد الله- عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمه الله، وغفر له، وجزاه بأحسن ما عمله".
ثم يذكر من أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة، مثل: الجمع ليلة المطر، والقضاء بشاهد ويمين، ومؤخر الصداق لا يقبض إلا عند الفراق، تقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء، وقضايا خلافية أخرى، ثم قال في نهاية الرسالة:
"وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي، ورأيي فيك، فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إليَّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك، أو لأحد يوصل بك، فإني أسر بذل كتبت إليك ونحن معافون والحمد لله، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا، وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله.
بعد الرسالة سالفة الذكر لا أظن أننا بحاجة إلى شرح أو تفصيل، فاللبيب تكفيه الإشارة:
يكفي اللبيب إشارة مرموزة
وسواه يدعى بالنداء العالي
هؤلاء هم قدواتنا، فلنتخلق بأخلاقهم، ولنفتخر بالانتماء إليهم، ولنسعد بالاهتداء بهديهم الذي نهلوه من أسوتهم وقائدهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.