العنوان هندسة التأثير.. هكذا تصنع القدوات
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006
مشاهدات 70
نشر في العدد 1720
نشر في الصفحة 62
السبت 23-سبتمبر-2006
كم من الفرص الثمينة تضيع على الإنسان نتيجة عدم اتقائه فنون الاتصال بالآخرين أو بسبب سوء تعامله معهم، وإليك هذه القصة التي توضح المعنى الذي نريد.
سيدة كانت تعيش في أرقى أحياء نيويورك وكان لديها كل ما يتمناه الفؤاد، ولكن طفلتها التي كانت تبلغ من العمر خمس سنوات هاجمها مرض خطير.
ووقف أطباء نيويورك وأبرعهم عاجزين عن المساعدة أو التصرف في هذا الأمر، مع أن الأم لم تدخر سنتًا واحدًا لتنقذ طفلتها.
ولكن عندما بدا أنه ليس هناك أمل قرأت الأم في جريدة (New York Times) عن طبيب سويسري بارز كان على وشك زيارة نيويورك ليلقي بعض المحاضرات في كلية الطب بجامعة نيويورك.
أحست الأم بغريزتها أن هذا الطبيب هو الوحيد الذي يمكنه أن ينقذ طفلتها، ولهذا أخذت تسعى وراءه بشكل حثيث، فداومت على الاتصال به، وعلى الكتابة له راجية منه أن يساعدها، ولكن لم يصلها أي رد.
وبعد ذلك، وفي ظهر يوم مطير، وبينما كانت هذه السيدة منغمسة في البؤس والشقاء إذا برجل ملتح قصير القامة مهيب الهيئة، يدق بابها وقد ابتلت جميع ملابسه من المطر.
ماذا تريد؟ سألت السيدة هذا الرجل. «معذرة يا سيدتي» بدأ الرجل في الحديث: «ولكنني ضللت الطريق على ما يبدو، واستأذنك في استخدام هاتفك كي أتصل بالسائق، فهل تأذنين لي؟»
«إني آسفة على ما حدث لك». أجابت المرأة بلهجة صارمة، «ولكن طفلتي مريضة وأنت بالطبع لا ترضى أن تسبب لها إزعاجًا»، ثم أغلقت الباب في وجه الرجل.
وفي صباح اليوم التالي، أخذت السيدة تفتش عن مقال آخر عن هذا الطبيب الذي كانت تسعى وراءه بكل لهفة ليساعد طفلتها، وكان في هذه المرة فقط أن اشتمل المقال على صورة للطبيب.
وبشكل لا يصدقه عقل، كان هذا الطبيب هو الرجل الذي أغلقت بابها في وجهه بالأمس، يا له من فرق ذلك الذي كانت ستحدثه لو أنها استجابت له بشكل أكثر ودًا وقبلت أن تجري له المكالمة!
إن هذه القصة تتكرر في حياتنا آلاف المرات، في كل يوم حيث يغلق الناس أبوابهم في وجه الفرص التي تأتي إليهم.
ولكي يكون اتصالك بالآخرين مؤثرًا لا بد أن تكون قدوة لهم، كما كان رسول الله ﷺ قدوة لأصحابه، وصدق الله إذ يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
ويقول ﷺ: «إنما أنا عبد، أكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.» وكان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويُردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجلس بين أصحابه مختلطًا بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس.
وحج رسول الله ﷺ على رحل رث عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة». ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين، طأطأ رأسه على راحلته حتى كان يمس قادمته، تواضعًا لله تعالى.
وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة ويعرض عمن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسمًا وكلامه فصلًا، لا فضول فيه ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيرًا له واقتداء به، مجلسه مجلس حلم وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تخدش فيه الحرم، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير.
وهذه حكاية لطيفة ذكرها القصاص عن الإسكندر الأكبر، حيث أدت المطاردة الطويلة والمؤلمة لدارا على يد الإسكندر الأكبر «إذ أنه قطع ٣٣٠٠ فرلنج، أي أكثر من أربعمائة ميل» في أحد عشر يومًا فتضايق جنوده، إلى درجة أن معظمهم كان على استعداد للتخلي عن تلك المطاردة لسبب رئيس وهو نقص الماء.
وبينما كانوا في هذا الكرب، تصادف أن مر في المكان الذي كان فيه الإسكندر بعض المقدونيين الذين جاءوا بالماء في قرب محملة على بغالهم من نهر قد عثروا عليه.
وعندما رأى المقدونيون الإسكندر يكاد يختنق من العطش، ملأوا بالماء خوذة وقدموها إليه، فأخذ الخوذة بيديه، ونظر فيما حوله، فرأى أن جميع القريبين منه قد تطاولت أعناقهم وهم ينظرون إلى الماء على نحو جدي، فأعاده مع الشكر، دون أن يتذوق قطرة منه، قائلًا: «إنني لو شربت وحدي لانهارت معنويات الآخرين».
ولم يكد الجنود يلاحظون ضبطه لنفسا وشهامته في هذه المناسبة حتى هتفوا له جميع بصوت واحد أن يقودهم إلى الأمام بجرأة، وبدأوا يجلدون خيولهم، قائلين إنه ما دام لديهم ملك كهذا فإنهم يتحدون التعب والظمأ معًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل