العنوان هندسة التاثير.. التأثير بالإثارة
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008
مشاهدات 69
نشر في العدد 1818
نشر في الصفحة 39
السبت 06-سبتمبر-2008
تأملت حال العديد من الذين أثروا في الناس وصنعوا الحياة فوجدتهم قد حرصوا على استخدام أسلوب الإثارة والاستفزاز، سواء كان ذلك في نوعية الأفكار والآراء المطروحة، أو في طبيعة الكلمات المستعملة، أو طريقة إخراجها، أو في لغة الجسد، أو في الانفعال العاطفي، أو في نوعية القرارات المتخذة، أو في شكل المواقف المتبناة، أو غير ذلك.
كما أنني قبل ذلك وجدت أن التأثير بالإثارة أسلوب قرآني، وكذلك هو أسلوب نبوي، وكذا استعمله العرب في أشعارهم وخطبهم.
ففي كثير من المواضع القرآنية نجد الآيات تستثير القارئ أو السامع للتأمل في جوهر الخطاب الذي يسمعه، بغرض جذب الأفهام والعواطف للتدبر في عظيم ما في هذه الآيات من حكم ومعان وعبر وعظات انظر مثلًا إلى قوله تعالى، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾(البقرة:214).
فالحق تبارك وتعالى يستثير المؤمنين إلى فهم حقيقة الابتلاءات والمحن التي يعيشونها من خلال ذكر حال بعض من سبق من المؤمنين مع رسلهم في محنتهم واستنصارهم بالله تعالى، حتى أتاهم الفرج، بعد جومن الاستثارة المتمثلة في قوله تعالى: ﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.
وانظر كذلك إلى قوله تعالى ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة:245).
في هذه الآية إثارة كبيرة للمؤمنين من أجل الإنفاق في سبيل الله، فالمال مال الله والناس عبيد لله، ومع ذلك جعل الله تعالى المال الذي ينفقه العبد في سبيل الله تعالى قرضًا له عند الله تعالى، فقال تعالى يقرض الله قرضا حسنًا ، كما أنه جعل المضاعفة الكثيرة هي صنيع الله تعالى مع هذا القرض فقال تعالى: ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
وتأمل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف:10-11).
فالله تعالى جعل الجهاد بالمال والنفس تجارة رابحة لا كساد فيها ولا بوار، وصفقة ناجحة يعقدها الخالق العظيم مع مخلوقه الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئًا، فسبحان الله الواهب المنان.
وتأمل كذلك في قوله تعالى: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء:139).
انظر في الآية سالفة الذكر إلى كلمة ﴿بَشِّرِ﴾ كيف أثارت النفوس؛ إذ جاءت في موضع ليس فيه تبشير وإنما هو عذاب وجحيم، وفي هذا إيذاء مادي وكذلك إيذاء معنوي للمنافقين.
أما في السنة فالنبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يستخدم هذا الأسلوب عند اتصاله بالناس والأمثلة في ذلك كثيرة، وإليك بعضًا منها:
صعد النبي -صلي الله عليه وسلم- ذات مرة الصفا ونادي «يا صباحاه».. فاجتمعت إليه قريش، فقال: «يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شدید، (رواه البخاري ومسلم).
وعن أبي هريرة رضي الله عليه وسلم قال كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، إذ سمع وجبة «أي سقطة»، فقال: «هل تدرون ما هذا؟» قلنا الله ورسوله أعلم، قال: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا «عامًا» فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وجبتها، (رواه مسلم).
وأراد النبي صلي الله عليه وسلم ذات مرة أن يبين للناس خطأ بعض المعايير الاجتماعية السائدة، فاستخدم لذلك أسلوب التأثير بالإثارة رغبة في إقناعهم واستمالتهم لما يريد، وإليك القصة التي يرويها الإمام البخاري:
مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «لرجل جالس عنده «ما رأيك في هذا؟»، فقال رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: «ما رأيك في هذا ؟ ، فقال: يا رسول الله صلي الله عليه وسلم هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «هذا - وهو يشير للفقير - خير من ملء الأرض مثل هذا..» (رواه البخاري ومسلم). وفي موقف آخر استخدم النبي صلى الله عليه وسلم التأثير بالإثارةفي حث أصحابه على الصبر في المحن والشدائد.
فعن أبي عبد الله خباب بن الأرت صلي الله عليه وسلم قال، شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا، « ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال: «قد كان من قبلكم يوخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري).
وهكذا كان لهذا الأسلوب الذي استخدمه الله تعالى في كتابه ورسوله صلي الله عليه وسلم في سنته، الأثر البالغ في استثارة الناس نحو الخير، وأداء التكاليف الدعوية والصبرعليها.