العنوان هنيئًا لإسرائيل هذه الهدنة وكل هدنة!
الكاتب جمال النهري
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1970
مشاهدات 101
نشر في العدد 19
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 21-يوليو-1970
المكان: فندق شبرد. شارع فؤاد. القاهرة.
الزمان: الساعة التاسعة مساء 9 يونيو 1948م.
الأشخاص: الكونت نولـك برنادوت وسيط هيئة الأمم المتحدة. عدد كبير من مندوبي الصحف ووكالات الأنباء العالمية.
دخل الكونت إلى القاعة وعلى وجهه ابتسامة مقتضبة واعتذر لتأخره عن موعده مع الصحافيين مدة دقيقتين. ثم قال: «سيكون هذا الاجتماع قصيرًا، لقد تعودت الارتجال عندما أتحدث إلى مندوبي الصحف، أما اليوم فأری لزامًا عليّ أن أتلو عليكم كلمة كان لا معدى لها عن تدوينها رغبةً مني في تحري الدقة في التعبير حتى لا يسيء أحد منكم فهم ما أريد أن أقول».
وردد الكونت برنادوت النظر عبر الشرفة إلى ميدان الأوبرا، حيث يمتطي إبراهيم باشا صهوة جواده بتمثاله المشهور هناك. والجماهير تزحم الميدان لاهيةً كعادتها، ثم قام بتوزيع النص الكامل للمذكرة التي سلمها حينذاك لجميع السلطات صاحبة الشأن، ثم أردف قائلًا: «وإني إذ أوزع هذه المذكرة، أود أن أؤكد أن هذا هو الاقتراح الوحيد فيما يتعلق بالهدنة الذي عرضته على السلطات صاحبة الشأن».
◘ كان قد مضى على إعلان القتال في حرب فلسطين يوم انعقاد هذا المؤتمر أربعة وعشرون يومًا، وكان اليهود قد بلغوا الموقف الذي يناسبهم فيه تمامًا أن تنعقد الهدنة، كانوا يحتاجون أن يثبتوا أقدامهم ويأخذوا أنفاسهم.
◘ أساس عادل .. لمدة أربعة أسابيع
يقول الكونت: «وأعتقد مخلصًا أن الاقتراحات والبيانات التي بسطتها في مذكرتي المؤرخة في 7 يونيو 1948م تعد «أساسًا عادلًا» للهدنة.. عادلًا للفريقين جميعًا».
وكل ما أرجوه أن تصادف هذه الاقتراحات قبولًا، وأن يقف القتال في فلسطين في الساعة السادسة من صباح يوم الجمعة 11 يونيو».
وتقول «المادة ٢»: بعد النص الكامل لمذكرة الكونت «أنه ستتوقف عند حلول هذا الموعد وتلك الساعة جميع الأعمال التي تقوم بها القوات المسلحة في فلسطين مدة أربعة أسابيع، وسيبلغ جميع القوات ذلك حتى يسير على مقتضاه».
◘ مركز اليهود والعرب
وحاول النص أن يثبت أن الهدنة إنما جاءت دون إضرار بمركز المتحاربين وحقوقهم ومطالبهم، فهل هذا ما حدث حقًا خاصة على الجانب العربي؟.
يقول النص: «إن الغرض الواضح من الهدنة كما جاء في قرار مجلس الأمن يوم 29 مايو، هو وقف القتال دون إضرارٍ بمركز العرب أو اليهود وحقوقهم ومطالبهم، وضمان ألا يترتب على تنفيذ الهدنة أي امتياز عسكري لأحد الفريقين».
«أبلغني رئيس مجلس الأمن أن جميع من يعنيهم الأمر قبلوا قرار 29 مايو بدون قيد ولا شرط، وأنه ينبغي للوسيط أن يحدد موعد وقف القتال بعد التشاور مع الطرفين ولجنة الهدنة، بحيث يستغرق ذلك أقصر فترة ممكنة».
◘ الأفراد المحاربون
«جـ» إني أعلم بطبيعة الحال أن كلا من الطرفين حين أعرب للمجلس عن قبوله القرار، أبلغ المجلس طائفة من «الدعاوى» و«التفسيرات» فيما يختص ببعض النصوص الواردة في القرار، مما ترتب عليه تضارب الآراء حول مرمى تلك النصوص، ولا سيما ما يتعلق منهـا -بالأفراد المحاربين-، والذين بلغوا سن الخدمة العسكرية».
وحدث أن برنادوت لم يوفق خلال أيام (3، 4، 5، 6) يونيو في مشاوراته الودية أن يوفق بين التفسيرات المتعارضة بين العرب واليهود حول النقاط السابقة للمذكرة، ومن ثم أرى «أن ما بقي من أوجه الخلاف لا يبرر إرجاء موعد البدء في الهدنة أجلا آخر». وكانت هذه ثغرة هائلة دخل منها ركام المهاجرين الجدد لإسرائيل.
1- لا يجوز لأحد من المحاربين سواء الأفراد المنتمون إلى وحدات عسكرية نظامية، أو الأشخاص الذين يحملون السلاح أن يدخل أية دولة من الدول العربية، أو أي جزء من أجزاء فلسطين.
2- فيما يتعلق بالرجال اللائقين للخدمة العسكرية يكون الوسيط خلال فترة الهدنة حر التصرف في أن يقرر ما إذا كان بين المهاجرين عدد من الرجال اللائقين للخدمة العسكرية يكفل تفوقًا عسكريًا لأحد الجانبين إذا سمح بدخوله، وفي هذه الحالة سأرفض السماح لهؤلاء الرجال بالدخول. «وإذا دخل عدد محدود» من الرجال اللائقين للخــدمة العسكرية طبقًا للمبدأ السالف الذكر، استبقوا في معسكرات خلال فترة الهدنة، وذلك تحت إشراف المراقبين المتعاونين مع الوسيط، ولن يعبأوا في القوات العسكرية، أو يدربوا تدريبًا عسكرياً أو شبه عسكري في تلك الفترة.
◘ نصوص سرية في اتفاقيات الهدنة
لقد فسرت النصوص بالشرف طريقتنا حينذاك، فسرعان ما قام وزير داخلية لبنان «كميل شمعون» حينذاك بتهجير 35 ألف فلسطيني من قرية بنت جبيل على الحدود، وقامت مصر بتطويق المتطوعين الفدائيين من أصحاب الاتجاه الإسلامي، وقذفت بهم في المعتقلات وقامت بحل جماعة الإخوان، التي ربما تضمنت نصـوص الجانب السري من الاتفاقية قرار حلهم لإبعادهم عن المعركة.
◘ أما على الجانب اليهودي فقد هيأت الهدنة الفرصة الكاملة، وعمل اليهود في طريقين:
◘ الإرهاب.
◘ الإغراء.
أما الإرهاب فبزعم محاولات الكونت السطحية للمحافظة على مظهريات بنود الهدنة، إلا أن ذلك لم يرض اليهود فقاموا باغتياله؛ فالنص كان يترك لبرنادوت حرية تقدير ما إذا كان من بين المهاجرين رجالا لائقين للخدمة، فيرفض السماح لهم بالدخول ويفترض النص حالة أُخرى يسمح فيهـا «لعدد محدود» من هؤلاء بالدخول دون أن يُدربوا تدريبًا عسكريا... إلخ.
من الواضح أن النص يعالج حالة اليهود المهاجرين.. إذ كانت الهجرة العربية تأخذ خطًا معاكسًا.. فهي تترك فلسطين إلى الدول العربية.. بينما الهجـرة اليهودية تأتي من الخارج إلى فلسطين، ولا تواجه أصلا مشكلة التدريب العسكري؛ لأنها سبق أن دربت في معسكرات أوربا الشرقية.
◘ أما الإغراء فيقول الجنرال كارل فون هورن قائد مراقبي الهدنة الدولية السويدي الجنسية في كتابه: «جندي في سبيل السلام» «وإجمالا فقد هوت المبادئ إلى درك منخفض جدا، وهوى معها العديد من الأشخاص الذين كانوا لا يزالون في خدمة الأمم المتحدة، وكانت بعض وسائل الإغراء واضحة، وحتى مسلية، وبعضها يُقال بأي لغة كانت.
ومثلا على ذلك كان هناك موظف صغير كنا نعرفه جيدًا، ويعمل في إحدى الوزارات، وكان «بيته الفخم» الذي لا يتناسب مطلقًا مع معاشه مفتوحًا أبدا أمـام موظفي هيئة الأمم.. ولذا قررنا أن نعرف المزيد عنه وعن «الفتيات الإسرائيليات الجميلات» اللواتي يزرن بيته ويساهمن بالترفيه عن زائريه من موظفي الأمم المتحدة، وبدون أي جهد يذكر اكتشفنا أن بعض تلك المخلوقات المغريات كن قد سرحن من خدمة «العلم» و«ذلك للقيام بخدمات خاصة، وللحصول على «كلام الوسائد» في سبيل القضية الإسرائيلية».
ويستطرد الجنرال فيتحدث عما فعله داج همر شولد لوضع مبادئ تحـدد تصرفات الموظفين المدنيـين التابعين للمنظمة، فيقول: «ولكنها على أي حال تحطمت على صخرة الضعف البشري في القدس»..
وقد تقرر في بنود الهدنة:
◘ حظر نقل العتاد الحربي
« يحظر خلال فترة الهدنة حركات القوات، أو نقل العتاد الحربي من بلد صاحب شأن إلى بلد آخر، أو بالقرب من حدود فلسطين أو ميادين القتال في فلسطين».
◘ جبهات القتال وخطوطه
وقد تقرر أن تكون «جميع جبهات وخطوط القتال تظل على ما هي عليه في أثناء فتره الهدنة، ولن تحدث زيادة في عدد القوات المتقاتلة في الجبهات وخطوط القتال، ولن تحدث أيضًا زيادة في العتاد الحربي الموجود الآن، ويسمح بالروتين العادي لاستبدال الرجال العسكريين».
هذه هي النصوص حال جمودها كما ذكرها الكونت المقتول في 9 يونيو 1948م وخلال عشرين سنة كيف فسرها اليهود واستغلوها؟ وكيف طبقها العرب؟ وكيف نصبت الكمائن ضد فكرة تسليح الشعوب العربية؟ وحتى لا تتحول قضية فلسطين إلى حرب شعبية إسلاميـة يستحيل على السلطة السيطرة عليها.
◘ الحدود الآمنة خدعة
يقول موسى دايان في وصف «موقف إسرائيل الأمني»:
· ليس هناك وجود تقريبًا لمفهوم الهدنة الآمنة بالنسبة لإسرائيل.. فالدولة كلها عبارة عن حدود..
وإن نمط الحياة القومية فيها مهددة بأي عدائي من أراضي الدول المجاورة؛ فمساحة إسرائيل 8100 میل مربع «وقت هذا التصريح»، منها 400 ميل من الحدود.
· ويتركز ثلاثة أرباع سكانها في الشريط الساحلي الذي لا يزيد عمقه عن 12 ميلا.
· وحدود القدس العـربية لا تبعد أكثر من مئات الأمتار عن «مبنى الكنيست».
· ومركز القيادة للجيش في الشريط الساحلي، ويمكن رؤيته من الحدود الأردنية.
· وجميع الطرق والسكك الحديدية في الدولة تقع تحت مرمى النيران العربية.
· وجميع مباني الدولة باستثناء تلك التي تقع في صحراء النقب تعتبر في مدى مدافع العرب من هذه الرؤية الاستراتيجية لموقع إسرائيل وحدودها وعمقها.
نشأت نظرية إسرائيل في الهجوم، وتقررت السياسة المرسومة للدول العربية التي تتلخص في كلمتين:
· الهدنة.
· الدفاع.
أمران حكما السياسة العربية منذ عام 1948م حتى 1970م، ولذا فإن أي حركة شعبيـة إسلامية لا بد وأن تستهدف تحطيم هاتين الركيزتين اللتين تحميان الكيان الإسرائيلي في الأرض العربية. تحطم الأيدي التي تمنع مدافع العرب أن تأخذ فرصتها في الهجوم ولو لمرة واحدة.
· لا بد أن يتأكد في الأذهان أن:
· الهدنة = خيانة.
· الدفاع = الخيانة. الهروب البديل هو الحرب الشعبية الإسلامية، وأن يصبح السلاح هو لعبتنا لا نتركه أبدًا.
فنقرأ..
ونتكلم..
ونأكل..
والبنادق في أيدينا وعلى أكتافنا لا «لاجئين».. «بل مقاتلين»، وليكن شعار الحركة الشعبية الإسلامية المسلحة.
بالعقيدة والدم والنار ستسقط اليهودية «ثانيةً».
.. وإذا لم نفعل «فهنيئًا لإسرائيل هذه الهدنة وكل هدنة».
جمال النهري
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل