العنوان هوس أمني.. أم هوس ديني؟
الكاتب عبد العزيز الرنتيسي
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1559
نشر في الصفحة 66
السبت 12-يوليو-2003
لا يختلف اثنان على أن أمريكا قوية، وأنها قوة كبرى إذا ما قورنت بباقي دول العالم، ولكن العديد من الناس اختلط عليه الأمر في غمرة انبهاره بقوة أمريكا فظن أنها قوة لا تقهر وأنها قادرة على التصرف في مصائر الشعوب كيف تشاء ترفع من تشاء وتخفض من تشاء، وأنها المتصرف الوحيد في شؤون الكون ومن هنا بدأ الانحراف الذي كان من ورائه الاعتماد في تقدير الأمور وتقييمها على الواقع الملموس فقط، ولكن التاريخ القديم والحديث يصفع هذه النظرة المادية البحتة بقوة، فلقد ظن «هتلر -سابقًا- أنه يشكل قوة لا تقهر، ولكنه انتهى إلى هزيمة بشعة انهت دولته بعد أن قتل الملايين بسبب الحالة النفسية التي كان يعاني منها؛ وهي جنون العظمة وهي نفس الحالة التي يعاني منها البعض في أمريكا اليوم، ولو أن الذين يملكون القوة الغاشمة لا يقهرون أبدًا لاستقر الكون على صورة واحدة لا تتبدل، الأقوياء أقوياء أبدًا والضعفاء ضعفاء أبدًا، ولكن ذلك لم يحدث، وصدق الله؛ إذ يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤٠).
إن المتدبر للكلمات التي تصدر من واشنطن يرى فيها جنون العظمة من جانب، والهوس الأمني من جانب آخر، وكل حجتهم الواهية التي يروجون لها أنهم كانوا يخشون من أن يطور العراق أسلحته فيصبح قادرًا على تهديد أمريكا في المستقبل، لأجل ذلك أراد العم سام أن يقتل ويدمر ويحرق، إنه لا يبالي بقتل مئات الآلاف ما دام القتلى من المسلمين، ولأجل هذا الوهم المصطنع أعلن حربًا دولية، إنه يذكرني بذلك السجين الجنائي الذي كان في الزنزانة المجاورة لزنزانتي في قسم العزل في سجن «السبع»، وكان يخرج إلى الساحة مع زميله وصديقه ساعة في كل يوم، وكلاهما كان قد حكم عليه بالمؤيد، وفجأة ودون سابق إنذار انقض على صاحبه بسكين كانت بحوزته حتى أفقده الوعي ثم تركه مغشيًا عليه ظنًا منه أنه قد فارق الحياة، ولقد أذهلني هذا التصرف فسألت المعتدي لماذا فعلت بصديقك هكذا؟ فقال: خشية أن يفاجئني هو فيغدر بي فأردت أن أتخلص منه قبل أن يبادرني هو ويضربني!
والآن هيا بنا نقارن بين ما فعله هذا الرجل وهو على أيّ حال كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وما قاله الرئيس الأمريكي قبل الحرب ومع هذه القدرات يمكن لصدام حسين وحلفائه أن يختاروا متى يشنون نزاعًا قاتلًا عندما يكونون في موقع أقوى ونحن نختار أن نواجه هذا التهديد الآن في مكان ظهوره قبل أن يظهر فجأة في سمائنا ومدننا، فهل كان الرئيس الأمريكي فعلًا يخشى أن يأتي يوم يهدد فيه العراق أمن أمريكا في عقر دارها؟ وهل كانت أقوى دولة في العالم تخشى فعلًا أن يغزوها العراق الذي خرج لتوه من حربين طاحنتين وكان يعيش حصارًا دوليًا منهكًا؟! أم أن هناك دوافع أخرى للإقدام بشراهة على سفك دماء المسلمين؟
كل المعطيات تؤكد أن ما ذكره الرئيس الأمريكي في خطابه لم يكن هو الدافع الحقيقي من وراء ارتكاب هذه الجريمة بحق المسلمين في العراق لم يكن الادعاء إلا ستارًا حاول به أن يستر دوافعه الحقيقية من وراء الحرب، ولكنه على أيّ حال لم يكنْ إلا ستارًا شفافًا، فالدوافع الحقيقية لا تأتي في إطار الهوس الأمني الذي عبر عنه بوش، ولكنها تأتي في إطار الهوس الديني، فهو مشبع بالعقيدة المسيحية الصهيونية المتأثرة بالفكر التوراتي الأسطوري، فهو يؤمن أن اليهود هم شعب الله المختار، ويؤمن أن الله قد أعطى ميثاقًا إلهيًا لليهود منحهم فيه فلسطين إلى الأبد، ويؤمن أن عودة المسيح عليه السلام مرتبطة بقيام دولة صهيون، وتجميع يهود العالم في فلسطين، وإعادة بناء الهيكل، وفي اعتقاده أن ذلك يكون قبل نهاية العالم؛ حيث سيملك المسيح عليه السلام في الأرض مدة ألف سنة مع المسيحيين المؤمنين وبعد ذلك تنتهي الدنيا، فهو يؤمن أن أمريكا بعظمتها هي نهاية التاريخ.
هذا هو المسوغ لسفك دماء المسلمين في العراق في حرب أطلق عليها بنفسه حربًا صليبية حتّى وإن قيل إنها مجرد زلة لسان، وهذا هو الدافع القوي الذي يدفع لتوفير الغطاء للإرهاب اليهودي في فلسطين، وتقديم كل أشكال الدعم للقتلة اليهود الذين يذبحون الأطفال والشيوخ والنساء على مرأى ومسمع من العالم، والذين يصرون على اغتصاب فلسطين والمسجد الأقصى وعدم السماح لأصحابها الشرعيين بالعودة إلى ديارهم، والذين يدمرون حياة الشعب الفلسطيني بطريقة لم يعرف لها التاريخ مثيلًا.
إن ما يريده البعض من وراء هذه الحرب هو الهيمنة على المنطقة بأسرها، ومنع كل أشكال التهديد لهذا الكيان الصهيوني، بل يريد تهديد الأنظمة العربية والإسلامية ودفعها لتطبيع علاقاتها مع ما يسمى بـ «إسرائيل»، وجعل هذه الدولة الصهيونية قوة كبرى في المنطقة تهابها دولنا العربية والإسلامية، فهي الدولة الوحيدة المسموح لها بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، بينما العراق لا يجوز له ذلك، ومن هنا فهناك خشية على أن توجه سهام الفتك الأمريكية لباكستان بعد العراق ويظن المسيحيون الصهاينة أن كل ذلك سيعجل بعودة المسيح- عليه السلام – ليمكن لأمريكا ألف عام من الهيمنة على العالم قبل نهاية هذا الكون.
وها هو يقول للعالم بعد ذبح الآلاف: إنه قد حقق إرادة العراقيين ثم يقدم للعراقيين وللعالم أعوانه على أنهم الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي المنكوب، ليمكن هؤلاء السماسرة للأمريكان من رقاب شعبهم، وثروات المسلمين، وكل همهم الحصول على كراسي صنعت من دماء المسلمين، يتاجرون بمعاناة شعوبهم، وبعدالة قضاياهم، لتصبح قضايا الأمة العادلة مشاريع استثمار خاصة.