العنوان واجب أبناء الأمة في إغاثة شعب فلسطين.. عند عجز الأنظمة
الكاتب صلاح سلطان
تاريخ النشر السبت 10-يونيو-2006
مشاهدات 60
نشر في العدد 1705
نشر في الصفحة 28
السبت 10-يونيو-2006
من خلال فهم النصوص الشرعية ومتابعة الأحداث اليومية على أرض الواقع الفلسطيني والعربي والإسلامي والعالمي أستطيع أن أقول إن من الواجب الشرعي على المسلمين جميعًا أفرادًا ومنظمات وجماعات وحكومات أن يغيثوا الشعب الفلسطيني.
(۱) ورد الأمر بالإنفاق والحث عليه وذم الشح والبخل في القرآن الكريم (۱۳۳) موضعًا، منها (۳۳) موضعًا من الزكاة في القرآن المكي والمدني، ومائة مرة عن الإنفاق بشكل عام بما يوجب بذل المال من الزكاة أو غيرها لكفاية الحاجات العامة الخاصة، وهو وزن ثقيل في الحث على الإنفاق.
(۲) أن أكبر مجال للإنفاق في القرآن الكريم هو كفاية المحتاجين، حيث ورد الحث على ذلك في (۲۱) موضعًا في مصارف الإنفاق، بينما ورد الحث على الإنفاق للجهاد في سبيل الله في ١٤ موضعًا، وأهل فلسطين ينطبق عليهم الأمران معًا .
٣٠ دليلًا
(۳) في دراستي عن سلطة ولي الأمر في فرض الوظائف المالية (الضرائب)، (ص (۲۲۱-۱۸۰) قدمت أكثر من ثلاثين دليلًا من القرآن والسنة على أن الواجب في المال يتجاوز الزكاة إلى حقوق أخرى تكفي لكفاية جميع الحاجات للمسلمين ولغيرهم ممن يعيشون في ظل دولة الإسلام.
(٤) القواعد الشرعية توجب إغاثة إخواننا الفلسطينيين على كل مسلم، ومن هذه القواعد «الضرر يزال» و«يُتحمل الضرر الخاص لأجل الضرر العام و«الضرر الأشد يزال بالأخف»، و«الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة» «وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
و«الحاجي والتحسيني خادم للضروري و«اختلال الضروري يخل بالحاجي والتحسيني»، و«الشريكان في عين مال منفعة إذا كانا محتاجين إلى دفع مضرة إبقاء منفعة أُجبر أحدهما على موافقة الآخر»، هذه القواعد الشرعية التي ذكرها السيوطي أو ابن نجيم في الأشباه والنظائر أو الشاطبي في الموافقات أو ابن رجب في القواعد الفقهية، توجب سرعة الإغاثة لإخواننا ؛ لأن هناك ضررًا محققًا في إخفاق المشروع الإسلامي مما يشيع اليأس في الأمة، إضافة إلى وجوب تتو.. جهاد إخواننا في فلسطين بوقفة مالية ومعنوية قوية تُعذر الأمة أمام ربها عز وجـل.
إجماع على وجوب البذل
(٥) يتفق علماء الأمة في جمـيع المذاهب الفقهية قاطبة قديمًا وحديثًا على وجوب بذل الفضل لكل مضطر ومحتل وقد حكى القرطبي في تفسيره ( ٢٥/١) اتفاق علماء الأمة على ذلك، ويستطيع مسلم مراجعة ذلك في المذهب الحنفي لا السرخسي في المبسوط (٢٤-٢٩) أو لا الكاساني في بدائع الصنائع (١٨٨/٦)، أو المذهب المالكي في الموطأ لمالك ص (۷۱) ولدى الباجي في المنتقي (٣٩/٦)، وه.. القواعد لابن مكي (٣٤/٢)، ولدى الشاط.. في الموافقات (۹۷/۱)، وفي المذهب الشافعي لدي الجويني في الغياثي فص المشرفين على الضياع فقرات (٣٣٧-٤٢) والماوردي في الأحكام السلطانية (۱۸۳)، والنووي في المجموع (۲/۹) والشربيني في مغني المحتاج (٣٠٨/٤)، والمذهب الحنبلي في الأحكام السلطاني للفراء (۲۲۰)، والمغني لابن قدامة (۲/۸) (٢٤٣/١١)، ولدى مذهب الزيدية في ش... الأزهار لابن المرتضى (٥٥٤/٢)، والعجيب أن هناك عبارات صريحة لكثير من هؤلاء الفقهاء أن من حق الجوعى والمرضى وذوي الحاجات أن يقاتلوا من حرمهم من حق في بذل الفضل وإقامة العدل في البذل وقد أشار إلى هذا شيخنا القرضاوي: في برنامج «الشريعة والحياة الذي تبثه قناة الجزيرة في حلقة خاصة أول أبريل ٢٠٠٦ عن حقوق الجياع».
(٦) وردت عبارات صريحة لكثير فقهاء الأمة توجب على آحاد الأمة أن يقوموا بواجبهم نحو ذوي الحاجات من إخوانهم ولو زاد ذلك علمًا الزكاة ومن ذلك:
أ- ذكر ابن حزم تعليقًا على الحديث الذي رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن سمر أن النبي ﷺ قال: «من لا يرحم لا يُرحم» ، قال: ومن كان على فضلة ورأى المسلم أخاه جائعًا عريانًا، فلم يغثه فما رحمه بلا شك. ( المحلى ٦ / ١٥٧).
ب - ذكر ابن سعد في الطبقات الكبري( ٢ / ٣١٦) عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيًا فعلت؛ لأن الناس لن يهلكوا على أنصاف بطونهم.
ج - ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية (۱۸۳) أن عمر بن الخطاب أغرم قومًا دية رجل مات عطشًا؛ لأنه طلب منهم فضل الماء لم يعطوه حتى هلك.
د - أورد الهندي في كنز العمال رقم . (١٥٨٢٢)، وابن حزم في المحلي (6/١٥٨) عن علي بن أبي طالب قوله: إن الله عز وجل عرض للفقراء في مال الأغنياء قدر ما معهم، فإن منعوهم حتى يجوعوا أو يجهدوا حاسبهم الله حسابًا شديدًا وعذبهم عذابًا .
هـ - يقول الجويني في كتابه الغيّائي (ف : ۳۳۹): إذا هلك فقير واحد والأغنياء يعلمون به أثموا جميعًا، ويقول في موضع آخر: إذا هلك فقير واحد بين ظهراني أغنياء علموا بحاجته أثموا جميعًا من عند آخرهم، وكان الله طليبهم وحسيبهم يوم القيامة.
وجوب قتال المحتل
و-أورد ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (7/۷۲)، وابن كثير في البداية النهاية (13/٢١٥) ما أعلنه العز بن عبد السلام أنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز أخذ كل ما يعين على جهادهم، وأشار إلى وجوب بيع الحوائص الذهبية والآلات الفاخرة لدى الأمراء حتى يقوموا بحاجة المسلمين في جهاد.
ز- هناك اتفاق أيضًا بين العلماء المعاصرين على وجوب بذل المال للمحتاجين سواء من الزكاة أو ما فوق الزكاة، منهم الشيخ بهي الخولي في كتاب الثروة في ظل الإسلام في (۹۱۳)، ود. عبد السلام العبادي في كتاب ملكية في الشريعة الإسلامية (2/۲۷۸) أستاذي الدكتور محمد البلتاجي رحمه الله الى في كتابه الملكية الفردية في النظام الاقتصادي الإسلامي ص (٢٥٩)، ود. يوسف إبراهيم يوسف في كتاب النفقات العامة في الإسلام ص (۱۱۲)، وأستاذنا الشيخ القرضاوي في فقه الزكاة (2/٩٦١) - (٩٩٢). من هذه الأدلة الكثيرة تتقرر الأحكام التالية:
١- يجب على كل مسلم قادر على بذل الزكاة أن يدفع جزءًا منها أو من أصل ماله لإخوانه في فلسطين لما يوجد من أبعاد سياسية وإنسانية في إذلال شعب احتلت أرضه وأرضنا المقدسة وديست كرامة الأمة من خلال هذا العدوان والحصار والتشريد الشعب بأكمله.
٢- لو قام أغنياء الأمة بأداء الزكاة أو بعضها لإنقاذ الوضع الموجود حتى من زكوات السنوات القادمة لكان ذلك إسعافًا جيدًا ومستحبًا، وقد أجاز تقديم الزكاة الحسن وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وذلك لما رواه مسلم أن النبي ﷺ كان قد قبل من العباس صدقة عامين، وقد ناقش هذه القضية باستفاضة أستاذنا الشيخ القرضاوي في كتاب فقه الزكاة (۸۲۱/۲ - ۸۳۷)
فقه زكاة الفطر
۳- لو استصحبنا فقه زكاة الفطر التي تجب على كل مسلم غنيًا أو فقيرًا،كبيرًا أو صغيرًا، رجلًا أو امرأةً، فقلنا في هذه الظروف يجب أن يبذل كل مسلم على وجه الأرض شيئًا يقيم به حاجة إخوانه الذين حاصرهم أعداء الإسلام بكل سبيل لما كان ذلك بعيدًا.
٤- إذا كان خمسة من مشركي قريش قد سعوا في نقض صحيفة مقاطعة النبي ﷺ وأصحابه كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد (2/٤٦)، وابن هشام في السيرة (1/٣٥)، ألا يوجد في الأمة المسلمة مثل هؤلاء الخمسة هشام بن عمرو، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وزهير بن أمية)! ألا يوجد مثلهم من ذوي المروءات من كبار الأغنياء والوجهاء السياسيين ممن يسعى لتقطيع وتمزيق هذا الحصار على الشعب الفلسطيني ؟!.
ه- إذا كانت مروءة العروبة قد دفعت مشركي بني هاشم وبني المطلب أن يقفوا في خندق واحد مع النبي ﷺ وأصحابه في مساندتهم والدخول معهم في هذه المقاطعة كما أورد البخاري - راجع فتح الباري (٥٢٩/٢) - حتى كانت تسمع أصوات النساء والأطفال والصبيان يتضاغون من الجوع. ألا يجتمع الصف الفلسطيني المسلم والمسيحي في منظمة فتح وغيرها من المنظمات والجماعات ليكونوا جميعًا صفًّا واحدًا أمام تركيع شعب بأسره؟ ويظهر الشارع الفلسطيني بأسره صفًا واحدًا تحت شعار واحد «الجوع ولا الركوع»، وسيأتي الله بالفرج إن شاء الله كما حدث في إنهاء المقاطعة الاقتصادية للرسول ﷺ وصحبه وجاء بعده مباشرة الفرج والتمكين.
إستراتيجية الاعتماد على النفس
إن الحصار الذي يفرضه النظام العالمي الجديد في وجهه الكالح يوجب على حكومة فلسطين خاصة وحكومات الدول العربية والإسلامية عامة أن يكون هناك خطان متوازیان:
١- خط إسعافي للواقع الآن في حل مشكلة اليوم في دفع رواتب العاملين والكادحين في الدولة، وكفاية هذا الشعب وأن يكون أعضاء الحكومة هم آخر الناس -كما يفعلون اليوم - أخذًا لرواتبهم اقتداءً بسيدنا عمر بن الخطاب في عام الرمادة وعملًا بقاعدة الزعيم غارم، وليكون هناك مثال حي على أن السلطة ليست غصبًا للمال، ونهبًا للقمة العيش من يد كل محتاج بل هي تضحية لراحة الناس وكفالتهم.
٢-خط وقائي وهو الاستغناء والاعتماد على النفس في اقتصاد طويل المدى إنتاجي لا استهلاكي فقط، في ضوء النصوص الكثيرة أن ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده (البخاري ۱۹۳۰)، وأن سيادة أي حكومة في العالم تتوقف على الحكمة التي ذكرها الشيخ محمد الشعراوي رحمه الله: من لم يكن طعامه من فأسه، فلن يكون قراره من رأسه، وأن نرفع الشعار الحر: نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع.
والحق أن هذا التحدي صعب لكنه ليس مستحيلًا، يحتاج إلى همم الرجال وصبر الأبطال، وكرامة الأبرار. ولنا أن ندرس التجربة الماليزية في النقلة النوعية في الاقتصاد والإنتاج وأن نسعى إلى سوق إسلامية مشتركة، وأن ندرس المشروع الذي كان يطمح إليه نجم الدين أركان عندما كان رئيسًا لوزراء تركيا في تجميع الطاقات الإنتاجية الإسلامية لصناعة اقتصاد إسلامي حر.