العنوان واحة الإيمان .. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 768
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 20-مايو-1986
في ذلك اليوم العصيب، الذي تذهل فيه ﴿كُلُّ
مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى
النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
في ذلك اليوم الذي يشيب فيه الوليد، ويصيح فيه أطهر الناس، وهم الرسل والأنبياء:
«يا رب سلم، يا رب سلم». في ذلك اليوم الذي تتصدع فيه الأرض، وتتشقق السماء،
وتتناثر النجوم وتنكدر، وتتصادم ويختل نظامها. في ذلك اليوم الذي تنطق فيه الأرض ﴿تُحَدِّثُ
أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾. في ذلك اليوم الذي يحشر الناس فيه
عراة غرلًا على صعيد واحد، في ذلك اليوم الذي تنزل فيه الشمس على ميل من الرؤوس
حتى يعرق الناس فيبلغ عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم، في
ذلك اليوم يحاسب الناس على ما قدموا في الدنيا، وما طبقوا من الهدف الذي خلقوا من
أجله، يحاسبون حسابًا دقيقًا لا يخطر على بال الإنسان فيقول عندما يرى كتابه قد
ملئ بما لم يتوقع: ﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا
كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، حتى الذرة يسأل عنها ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
• المحاسبة
يوم القيامة
وإن مما يحاسب به الإنسان يوم القيامة سؤاله عن
أربع، كما روى الترمذي في قوله- صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم
القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من
أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه»[1]. وإن أول ما يحاسب به العبد يوم
القيامة عن الصلاة كما روى أبو داود في الحديث الصحيح قوله- صلى الله عليه وسلم:
«إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا- عز وجل-
لملائكته: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كانت
انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع، قال: أتموا
لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك»[2].
• شهادة
الجوارح
ولئن أنكر شيئًا مما يعرض عليه، أشهد الله عليه
جوارحه لتنطلق بما فعل بها، حتى إن أحدهم يقول «أي رب آمنت بك، وبكتابك وبرسلك
وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذن، ثم يقول: الآن نبعث
شاهدًا عليك، فيتفكر في نفسه، من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه:
انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعلمه، وذلك ليعذر من نفسه»[3]. ويقول تعالى في
شهادة الجوارح ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النور:24). ويقول تعالى محدثًا عن
لومهم لجلودهم ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓاْ
أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (فصلت:21).
• حاسبوا
أنفسكم قبل أن تحاسبوا
فمن أراد أن ينجو من هذا الخزي والسؤال يوم
القيامة، فليحاسب نفسه في الدنيا قبل حسابها بالآخرة، ذلك ما ذكرنا به الله تعالى
عندما قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ
نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر:18)، وها هو الفاروق يفهم هذه الآية فهمًا
دقيقًا ويقول لرعيته: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا،
وتزينوا للعرض الأكبر»[4]. هكذا كان دأب الصحابة جميعًا- رضي الله عنهم- لشدة
خوفهم من السؤال يوم القيامة. يقول عامر بن عبد الله: «رأيت نفرًا من أصحاب رسول
الله- صلى الله عليه وسلم- وصحبتهم فحدثونا أن أحسن الناس إيمانًا يوم القيامة
أكثرهم محاسبة لنفسه»[5]. وجاء جيل التابعين ليكرر ما فعله الرعيل الأول، فهذا
الحسن البصري يبكي في الليل حتى يبكي جيرانه، فيأتي أحدهم إليه في الغداة ويقول
له: لقد أبكيت الليلة أهلنا، فيقول له: إني قلت «يا حسن لعل الله نظر إليك على بعض
هناتك فقال: اعمل ما شئت فلست أقبل منك شيئًا»[6]. بهذه الحساسية كانوا يعيشون،
وبهذا العمق الإيماني كانوا يهنأون، عرفوا ما يريد منهم ربهم، فكانوا مصاحف
متحركة، وكان الواحد منهم بألف أو يزيد منا، فإذا أردنا أن يعاد لنا المجد
والسؤدد، فلا مناص من اقتفاء آثارهم، فهل نحن فاعلون؟
(5) - الزهد لأحمد ص 226.
(6) - الزهد لأحمد ص 280.