العنوان في كتاب « الولايات المتحدة وبترول القارة الإفريقية»: واشنطن ومحاولات البحث عن بئر لا ينضب!
الكاتب بدر حسن الشافعي
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005
مشاهدات 58
نشر في العدد 1656
نشر في الصفحة 30
السبت 18-يونيو-2005
سياسة واشنطن النفطية لا تتوقف على تأمين النفط الإفريقي بأسعار مناسبة وانما محاصرة ومنافسة الصين
الاستراتيجية الأمريكية ستحتم زيادة وارداتها البترولية بمقدار ٢٠% في غضون ٣-٤ سنوات
عام ۲۰۲۰ سترتفع فاتورة البترول من ۱۳۰ مليار دولار سنويًا حاليًا الى ما يقرب من ٥٠٠ مليار دولار
قبل أحداث 11 سبتمبر صدر تقرير عن مجموعة تنمية السياسة الوطنية للطاقة، حذر فيه واشنطن من مواجهة أكبر نقص من البترول تتعرض له منذ الحظر البترولي الذي فرض عليها أثناء حرب ۱۹۷۳، وأنه إذا ما استمرت معدلات الإنتاج الأمريكي من البترول على ما هي عليه الآن فسوف تكون هناك فجوة دائمة بين العرض والطلب مما يؤدي إلى تعميق الفجوة بمرور الزمن.
وفي يناير ٢٠٠٥ صدر في القاهرة كتاب للسفير جلال عبد المعز عبد الرحمن تحت عنوان الولايات المتحدة الأمريكية، وبترول القارة الإفريقية استعرض فيه الاستراتيجية الأمريكية للبترول بعد أحداث سبتمبر من خلال هذا التقرير.
توصيات خطيرة
يقول المؤلف إن التقرير أوضح أنه من بين؟ براميل سيتم استيراد برميلين أي (٦٦%) موصيًا بمجموعة من التوصيات الخطيرة لعل من أهمها ضرورة الحصول على البترول من عدة دول ومناطق هي كازاخستان- جورجيا، أذربيجان، تركيا- اليونان - باقي دول بحر قزوين- خليج المكسيك، إفريقيا.
وقد حددت إدارة بوش مجموعة من الدول البترولية للتعاون معها وهي السودان- تشاد، أنجولا، موريتانيا، نيجيريا، غينيا الاستوائية، الجزائر، بسبب جودة البترول بها وقربه من موانئ التصدير، والمثير للدهشة أن بوش يرفض ضم الدول الإفريقية النفطية الجديدة لعضوية أوبك حتى تحصل منها واشنطن على أحتياجاتها بسعر زهيد، وليس وفق السعر الذي تحدده أوبك، وقد بين التقرير أن الاعتبارات النفطية، وليست الديمقراطية وحقوق الإنسان هي المعيار الأمريكي في التعامل مع دول القارة، لأن إدارة بوش تأمل في الوصول إلى آبار البترول الإفريقية وذلك بمشاركة كبريات شركات البترول الأمريكية من أجل توفير ٥٥% من مجمل استهلاكها المحلي، مما سيخفف من ضغط وحجم تبعيتها لمصادر أخرى في طليعتها دول الشرق الأوسط.
ويتناول الكتاب قضية مهمة تتعلق بالأسباب الأقتصادية للاهتمام الأمريكي بالقارة السمراء وكيف أن النفط يدفع واشنطن لمحاولة استنزاف إفريقيا، كما فعلت القوى الاستعمارية من قبل وكيف صار معيار المصلحة الاقتصادية عامة، والنفطية خاصة، هو معيار تحسن أو تدهور العلاقة الأمريكية مع الدول الإفريقية، ويبدأ الكاتب وهو سفير مصري سابق عمل بالعديد من الدول الإفريقية ببيان أبعاد الأزمة البترولية العالمية، وانعكاساتها على سياسة واشنطن تجاه إفريقيا، فقد أشارت توقعات وكالة الطاقة الدولية، التي أنشأتها الدول الصناعية الغربية- إلى احتمال وجود عجز في الإمدادات البترولية العالمية قد يصل إلى ٢٠ مليون برميل يوميًا بحلول عام ٢٠٢٠، وهو ما يهدد احتياجات الدول الصناعية، وخاصة أمريكا، التي يتوقع أن ترتفع وارداتها البترولية من ۱۲ مليون برميل يوميًا إلى ١٧ مليونا عام ٢٠٢٠، وبذلك ترتفع فاتورة وارداتها البترولية من نحو ١٣٠ مليار دولار سنويًا في الوقت الحاضر إلى ما يقرب من ٥٠٠ مليار دولار إذا تركت السوق البترولية الحرة تحكمها المنافسة.
ولذلك لم تكتف واشنطن بدعم قواها التفاوضية مع الدول المنتجة، كما تفعل أوروبا - أو ممارسة الضغط السياسي مع هؤلاء لزيادة الإنتاج وخفض الأسعار وإنما تجاوزت ذلك لاحتلال منابع البترول والسيطرة عليها بقوة السلاح، بدلًا من الاكتفاء بالتهديد، كما فعل الرئيس فورد في السبعينيات، ولعل هذا يفسر أسباب احتلال العراق.
وكان تقرير مجموعة تنمية السياسة الوطنية للطاقة- والتي تتكون من ١٤ عضوًا من أعضاء إدارة بوش بمن فيهم ديك تشيني والذي صدر في ۱۷ مايو ۲۰۰۱، أي قبل أحداث سبتمبر بأربعة أشهر، قد أشار إلى أن البلاد تواجه أكبر نقص تتعرض له منذ الحظر البترولي الذي فرض على واشنطن أثناء حرب أكتوبر ۱۹۷۳، وذهبت آراء الخبراء إلى أن غزو أمريكا للعراق من شأنه فتح أبواب الثروة أمام العديد من شركات البترول الأمريكية التي طال أمد ابتعادها عن العراق، كما أنه يعيد توزيع الأنصبة في سوق البترول العالمية. وبالنسبة لإفريقيا أعلن نائب وزير الخارجية الأمريكي لشؤون إفريقيا نوفمبر (۲۰۰۲) أن الاستراتيجية الأمريكية ستحتم زيادة وارداتها البترولية منها بمقدار ١٥ - ٢٠% في غضون ٣-٤ سنوات.
الأهداف الأمريكية
وهنا ينتقل الكتاب إلى بيان أهداف السياسية الأمريكية في القارة وموقع البترول مهمة، ويشير إلى نقطة مهمة وهي أن سياسات الولايات المتحدة تجاه القارة الإفريقية لم تكن تسير على وتيرة واحدة. خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين وذلك لاعتبارات داخلية تتعلق بمصالح واشنطن الاقتصادية والسياسية والثقافية كما تراها الإدارة الأمريكية ودور جماعات الضغط في هذا الشأن وأخرى خارجية «تتعلق بطبيعة النظام الدولي ومواقف الدولة الصديقة والمنافسة» ومن هنا فقد مرت السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا بمراحل متنوعة من الفتور والاهتمام خاصة في عهدي كلينتون وبوش، فقد اتسمت الفترة الأولى من حكم كلينتون بحالة من الإهمال لكن بدأ الاهتمام يتزايد خلال ولاية كلينتون الثانية.
ولعل السبب في ذلك يرجع إلى رغبة الإدارة الأمريكية في إيجاد حل لمشكلات البطالة بها وتوسيع حجم السوق الخارجية، وكذلك الأستثمارات، ولاشك أن إفريقيا تشكل نقطة مفصلية في هذا الشأن حيث يقطن بها ۸۰۰ مليون نسمة، وابتدعت إدارة كلينتون قانونًا يطلق عليه الفرصة والنمو الإفريقي أواخر عام ۱۹۹۷ وذلك قبيل زيارته الأولى للقارة مارس (۱۹۹۸) ويقوم القانون على تحرير التجارة الإفريقية أو فتح أبواب الاستثمارات الأمريكية في القارة، وتشجيع دخول المنتجات الإفريقية إلى الأسواق الأمريكية، ولكن هناك شروطا ينبغي الالتزام بها في هذا الشأن من أبرزها تحرير اقتصادات هذه الدول، وتطبيق قواعد صندوق النقد الدولي، ويعتمد القانون في جوهره على فكرة الشراكة وليس مجرد تلقي المساعدات واستهدفت إدارة واشنطن من صياغة هذا القانون تحقيق هدفين، الأول اقتصادي يهدف إلى الإسراع في عملية الدمج الكامل لإفريقيا في الاقتصاد العالمي الذي تهيمن عليه واشنطن والثاني أمني، ويتمثل في حماية الولايات المتحدة من الأخطار الخارجية الوافدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة مثل الإرهاب وتهريب المخدرات وصولًا إلى انتشار الأوبئة.
ولقد كان من بين أهم أهداف كلينتون خلال جولته في القارة التي ضمت ست دول «اثنتان في الغرب هما السنغال وغانا واثنتان في الوسط حيث منطقة البحيرات العظمى وهما أوغندا ورواندا واثنتان في الجنوب هما جنوب إفريقيا وبتسوانا» هو استغلال القارة مستقبلًا كمنفى للعنصر الزنجي الأمريكي عندما تصل الزيادة العددية لهذا العنصر إلى درجة يخشى منها على رفاهية الجنس الأمريكي الأبيض ومن بين المناطق المرشحة لذلك منطقة البحيرات العظمي وذلك لتصبح «فلسطين» إفريقية. ولعل ما يرشحها لذلك أنها منطقة مناسبة للاستعمار والاستيطان، وجربها الإنجليز من قبل، كما أنها تتميز بموقعها الاستراتيجي المتوسط بين الجنوب الإفريقي والقرن الإفريقي، وهي منطقة يمكنها في كل من مصر والسودان، فضلًا عن غناها بالمعادن خاصة البترول أما في عهد بوش فقد أهمل إفريقيا في أول الأمر أيضًا واستبعدها في انتخابات ٢٠٠٠ من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن، خاصة في ظل تورط واشنطن في أفغانستان ثم العراق، وما تعانيه من أزمة اقتصادية قد لا تؤهلها لتقديم مساعدة كبيرة تحتاج إليها القارة بل بدأ بوش ولايته بإعلان الحرب على إفريقيا من خلال مجموعة من القرارات لعل أبرزها سحب التمويل الأمريكي عن مختلف خدمات الصحة العامة وتنظيم الأسرة التي يتم القيام بها خارج الولايات المتحدة.
ويرى الكاتب أن أحد أهم الفروق بين إدارتي كلينتون وبوش بالنسبة لإفريقيا أن إدارة كلينتون كانت على استعداد لاستثمار الوقت والجهد والمال في إفريقيا مقابل عائد أقل، في حين أن إدارة بوش الحالية ترغب في استثمار أقل والحصول على عائد أكبر، ومن ثم تكمن المشكلة في أن معظم مسؤولي الإدارة الحالية جاءوا من شركات بترولية مثل ديك تشيني «شركة هالبورن» وكوندوليزا رايس «شركة شيفرون» وكل من هاتين الشركتين كانتا تؤيد الحكم العسكري في نيجيريا.. لذا فمن الطبيعي أن تتحسن علاقات واشنطن مع الدول البترولية الإفريقية المهمة مثل نيجيريا وأنجولا يصرف النظر عن قضايا الديمقراطية، أما الدول الإفريقية المتواضعة في مواردها، خاصة البترولية، فليس لها مكان على خريطة الأهتمامات الاستراتيجية الأمريكية.
إمكانات بترولية
وفي هذا الإطار فإن إدارة بوش حددت مجموعة من الدول البترولية للتعاون معها هي السودان، تشاد، أنجولا، موريتانيا، نيجيريا، غينيا الاستوائية، والجزائر، وذلك لوجود إمكانات بترولية كبيرة لديها، علاوة على موقعها المتميز من الناحية الجغرافية بالنسبة لاستخراج وخروج النفط الخام بسهولة إلى الأسواق الدولية. أضف إلى ذلك جودة النفط المستخرج وارتفاع نسبة نقاء الخام، وقد قامت وزارة الخارجية الأمريكية في فبراير ٢٠٠٢ بتنظيم مؤتمر ضخم عن الطاقة والثروة النفطية تحت عنوان: النمو والإمكانات الأقتصادية في إفريقيا، أكد فيه كولين بأول وزير الخارجية في حينها أن بلاده اختارت الالتزام بإفريقيا وأنها سترصد من الإمكانات ما تحتاج إليه القارة، والتي أهملها الأوروبيون طويلًا، إلا أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ونائبه آنذاك وولفوتيز، وهما من صقور الإدارة الأمريكية كانا أكثر وضوحًا في كلامهما حينما قالا إن نفط إفريقيا يشكل جزءًا من النظرية القائلة إن أمريكا يجب أن تتوقع وتحسب حساب المفاجآت التي يمكن أن تأتي من أي مكان، ويبدو أن واشنطن تخشى من حدوث مفاجآت قد لا تكون في صالحها في الشرق الأوسط، كما حدث من قبل أثناء حرب ۱۹۷۳، لذا فإن إدارة بوش تأمل في الوصول إلى آبار البترول الإفريقية، وذلك بمشاركة كبريات شركات البترول من أجل توفير ٥٥% من مجمل استهلاكها المحلي مما سيخفف من ضغط وحجم تبعيتها لمصادر أخرى في طليعتها الشرق الأوسط. ولعل هذا يفسر أسباب توجه الشركات الأمريكية العملاقة في مجال النفط مثل أكسون، موبيل، شيفرون، شل، وهاليبرتون، إلى مناطق البترول في خليج غينيا الجابون، تشاد، الجزائر، وغيرها. ولعل هذا يفسر أسباب عدم رغبة واشنطن في ضم القوى النفطية الجديدة لمنظمة أوبك حتى لا تتقيد بسقف إنتاج محدد كما هو الحال بالنسبة لنيجيريا والجزائر، الآن، الأمر الذي يصب في النهاية في صالح المستورد الأمريكي.
يبدو أن سياسة واشنطن النفطية لا تتوقف فقط على تأمين الحصول على النفط الإفريقي بأسعار مناسبة، وإنما محاصرة ومنافسة الصين كذلك ومحاولة خنقها نفطيًا في القارة الإفريقية، ولعل هذا يفسر أحد أسباب الاهتمام الأمريكي بالتدخل في السودان مؤخرًا !!..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل