العنوان واقع الحركة الإسلامية.. أزمة أم صعود؟ (٢ من ٢)
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999
مشاهدات 79
نشر في العدد 1365
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 31-أغسطس-1999
في العدد الماضي ذكرنا أن المد الإسلامي في تصاعد كما ونوعًا، وان العالم الإسلامي يشهد عملية تجديدية كبرى، غير أن هذه العملية لم تستكمل المرجو منها بسبب عوائق من الداخل وأخرى من الخارج جعلت الشطر الأعظم من الجهد يتجه إلى معالجة تلك العوائق بدل الانصباب على جهد البناء.
فمن بين العوائق الخارجية - وهي الأهم ميزان القوة الدولي المائل بشكل هائل لصالح أعداء أمتنا بسبب تفوقهم العلمي والتقني والاقتصادي والعسكري بشكل خاص، والحقيقة أنه لولا ما يقدمونه من دعم مهول لما تعثرت حركات التغيير في الأمة واحتاجت إلى حجم هائل من التضحيات، بينما لم تكن لحركات التغيير في البلاد التي كانت خاضعة للاتحاد السوفييتي حاجة مماثلة، بسبب ما كانت تلقاه من دعم غربي مقابل تعويقه للتغيير في بلاد الإسلام، ودعمه المطلق للدكتاتوريات وفرضه الحصار والغزو العسكري على كل محاولة للتغيير بدءًا بتجربة النهوض في مصر في النصف الأول من القرن الماضي وصولاً إلى التجربتين الإيرانية والسودانية.
أما العوائق الداخلية، فليست بأقل فداحة، ولا سيما على صعيد الفكر حيث تواصل - في بعض الحالات التأثير المدمر لفكر الجمود والتشدد وما أثمر من تعصب ورفض للآخر ولتعدد الرأي والاجتهاد ومسارعة إلى تكفير المخالف واستحلال دمه في خلط شنيع بين مواطن التقيد والالتزام وبين مواطن الاجتهاد والحرية، وهكذا استحال الحوار الإسلامي، وانتفت إمكانية تنظيم الاختلاف في الإطار الإسلامي.
والحقيقة أن عملية تجديد التفكير في الإسلام لا تزال في بدايتها بما يجعل قدرته وهو على هذه الحال محدودة في استيعاب التراث البشري ومشكلات البشرية، كما فعل في عصوره الأولى الزاهرة، حيث كانت مجتمعاته نماذج متفوقة للعدل والتقدم والرحمة، ما جعلها تستهوي أشد خصومها وغزاتها.
وليس يعزي المرء غير كون تيارات التشدد في الأمة والحمد لله شذوذاً في السياق العام وهامشاً للمجرى الرئيس للحركة الإسلامية الحامل للواء الوسطية حسب تعبير شيخنا القرضاوي - بارك الله له في عمره - ولكن للأسف فإن هذا الهامش يتغذى من التطرف العلماني ومن الغطرسة الدولية على أمتنا.
ويكفي اليوم فخرًا لهذا التيار الوسطي أنه الحامل لأنبل قضايا الأمة كالجهاد في فلسطين بعد أن خار وتخاذل الصف العلماني، كما أنه الحامل لراية التجديد الإسلامي وتأصيل قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومع ذلك فالموجود دون المطلوب لاستيعاب الواقع في تعقيداته واستنباط حلول له في الإسلام، ومن مظاهر هذا القصور في استيعاب الواقع المحلي والدولي ضعف تخصصات الإسلاميين في المجالات العلمية المتعلقة بتشخيص الظواهر الإنسانية كالاقتصاد والسياسة والاجتماع والصحافة والفلسفة والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس والتربية والانتروبولوجيا، والسينما، والآداب والفنون مقابل إقبالهم على العلوم التطبيقية التي على أهميتها تغوص في الجزئيات، ولا تسعف كثيرًا في رسم الاستراتيجيات الكبرى، فكأني بالمسلم رغم أن العالم الحديث لم يعد في نظره ذلك المجهول كما كان لدى أسلافنا المصلحين في القرن الماضي، لا يزال متوجسًا منه خيفة بما يصيبه بحالة جفول أو ذهول.
ومعنى ذلك أن إنتاجنا الأدبي الإسلامي لم يملك بعد القدرة على ترويض العالم وتأنيسه حتى ينطلق فيه المسلم بحرية وأمان، ولكن الثابت أن الإسلام وسط ركام الماضي وفي ظل موازين معادلة دولية معادية للإسلام، وتحت القصف يتقدم ويتسع على كل المستويات عدديًا وجغرافيًا مخترقًا كل الحواجز والحضارات، مغالبًا الصعوبات، محدثًا في أمته حركية هائلة وعزمًا على النهوض ومواجهة التحديات بما يناسب من الوسائل، واضعًا دعاته على سلم صاعد، فمن هم في أعلاه هم اليوم يحكمون، ومن هم دون ذلك يشاركون، وآخرون هم المعارضة الرئيسة من داخل النظام أو من خارجه أو منهما معاً، أما عملهم الأساسي فينصب على المـجتمع المدني خدمة للناس وهو مجال لا يكاد يشق لهم فيه غبار، كلما تنفست الحرية ولا سيما على صعيد الشباب، بما يصح معه تعريف الإسلاميين أنهم حركة أو ثورة شباب وتجدد للمجتمع من جذوره تمامًا كما بدأ الإسلام مع كل أنبياء الله وخصوصًا مع خاتمهم عليهم السلام جميعًا.
ومقابل هذا الوضع الإسلامي، تعيش مذاهب العلمنة على اختلافها حالة من الشيخوخة في مراكزها، ناهيك بالذيول بما ألجأ جماعاتها الحاكمة إلى الاعتماد أكثر فأكثر على العنف في مواجهة مطالب الشعوب بقيادة المعارضة الإسلامية الحاملة لأمال الجماهير في العدل والتحرر والنهوض والوحدة وتخليص فلسطين من قبضة اليهود والإدارة الأمريكية، تحقيقًا لموعودات الله جل جلاله في ظهور هذا الدين كله ولو كره الكافرون، ومؤشرات ذلك تلوح في الآفاق، وذلك هو ما يؤجج نار الحرب على الإسلام من طرف حضارة متفرعنة بقوتها المادية بعد أن تم إفلاسها في عالم الخلق والروح، ولأن الحضارات لا تمتد ولا تعمر إلا بقدر ما تحمل من معاني الروح وقوة العدل، فلم يبق أمام الحضارة المعاصرة سبيل للبقاء غير استهداف بدائلها ومنافسيها بالتدمير وعلى رأسهم الإسلام.
وعلى ذلك، فإن النظر إلى الأمة يختلف حسب زاوية النظر فإن أنت نظرت إليها من جهة فعل السياسة فيها بقيادة المتغربين أو أذيال الغرب أو حتى بما يفعله بعض مسيني الفهم اعتراك قدر غير قليل من الرثاء لحالها، وإن أنت نظرت إليها من زاوية عمل الصحوة المباركة فيها وعودة الناس أفواجاً إلى الإسلام أيقنت أن الأمة بخير، وأن ما أصابها لا يعدو كونه غفوة هي بصدد الاستفاقة منها: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل