العنوان والآن ارتقبوا النور من السنغال!؟
الكاتب عبدالله أبو حميد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
مشاهدات 90
نشر في العدد 505
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
والآن ارتقبوا النور من السنغال!؟
استقلال السنغال شكلي، لأن عملتها لا تزال فرنسية، وجيشها فرنسي وسياستها الخارجية كذلك.
الحزب الإسلامي السنغالي هو البديل المطروح للديمقراطية المصطنعة التي تقبل حكم 5% لمن نسبتهم 95% من السكان.
الشيخ أحمد خليفة نياس، الشخصية النقيضة تمامًا لسنغور يقود حركة المعارضة ضده.
سنغور صاحب نظرية (الزنوجة) في الأدب والثقافة، يستبيح لنفسه الحكم ديمقراطيًّا لعشرين سنة!!.
إنها قادمة من السنغال !! فارتقبوا النور يشرق من هناك !؟.
الاقتصاد السنغالي خاضع لاحتكار ثلاث عائلات صهيونية يقاسمها سنغور الأرباح؟!.
ترى النيويورك تايم في أحد أعدادها الأخيرة أن السنغال نموذج للدولة الديمقراطية الأكثر انتعاشًا في إفريقية! وتستدل على ذلك بأن صحيفة الحكومة تنتقد الممارسات الإدارية الفاسدة، وأن التجمعات الشعبية «كالنقابات والمقاهي والجامعات» تتمتع بمناقشات سياسية شديدة، وأنه لا يوجد معتقل سياسي واحد هناك، وأن القضاء مستقل تمامًا، ولا توجد مشاكل قبلية خطيرة!ونصل إلى السؤال الجوهري:
هل يمكن للديمقراطية أن تستمر رغم الحالة الاقتصادية السيئة التي بدأت تظهر فيها؟! وفي الواقع إن هناك أكثر من سؤال جوهري يطرح نفسه بشدة أمام أعين المراقب : هل في السنغال ديمقراطية أصلا؟ وكيف يفسر وجود رئيس دولة كاثوليكي فرنسي الاتجاه على رأس دولة سكانها من المسلمين، تبلغ نسبتهم ٩٥%؟! بل كيف يرضى المسلمون بهذا الوضع الشاذ ؟! الذي يتناقض مع أبسط القواعد الديمقراطية وهو تمثيل الأكثرية !! ثم ما حقيقة الوضع في السنغال الآن ؟! ... أكثر من سؤال، يلح بطلب الإجابة، وهذا يستدعي جردًا لواقع السنغال.
الوضع الشاذ:
في الحقيقة إن السنغال تمثل وضعا شاذا وغريبا جدا ؟ حيث يتساءل المسلمون هناك خاصة: كيف يحكم ممثل عن 5% من السنغاليين ما يقارب من ٤٫٥ مليون مسلم نسبتهم ٩٥%؟؟ إنه مأزق الديمقراطية الشكلية في بلد متخلف تحكمه «النخبة» التي رباها الاستعمار الفرنسي على عينه، قبل أكثر من عشرين سنة !! وهو مأزق الشاعر الحكيم ليو بولد سيدار سنغور الذي يدعي الديمقراطية ويتجاهل بصورة بشعة مشكلة النسبة في تمثيل المسلمين بالبرلمان، واقعًا تحت ضغوط الارتباط السياسي والعسكري والثقافي والاقتصادي بفرنسة !! فكيف حدث ما حدث ، ولماذا حدث أصلا ؟!
جذور المأساة
لأن الحاضر السياسي لأي بلد هو نتاج الممارسات والتراكمات السياسية، يلزمنا عودة إلى الماضي السياسي للسنغال، بمقدار ما نشعر بارتباط ذلك بهذا. لقد كانت السنغال مع موريتانية جزءا من دولة واحدة، وشغلت قسما مهما من إمبراطوريتي مالي وسونغالي الإسلاميتين، ومن السنغال نفسها خرج المرابطون يتوسعون شمالا حتى إسبانية وفرنسة.
وجاء الاستعمار الأوروبي عام ١٨٤٠م، فوقعت السنغال تحت الاحتلال الفرنسي حتى عام ،١٩٦٠ حيث نالت استقلالا شكليا، لأن التعامل المالي ما يزال بالفرنك الفرنسي، ولأن الجيش يعتمد على الفرنسيين، كما أن السياسة الفرنسية هي المتبعة، والحاكم لم يزل على رأس الحكم منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، وهو كاثوليكي من مواليد ١٩٠٦ في بلدة جوال، تعلم وتر بي في مدرسة البعثة الكاثوليكية قرب بلدته، وأتم دراسته في كلية ليبرمان في العاصمة داكار فكلية لويس الكبير في فرنسة.
سنغور ۲۰؟
ليست المأساة إذن في وجود سنغور على رأس السلطة، بمقدار ما يمثل هو رمزا لعموم المأساة التي تعم أغلب الدول الإفريقية ذات الأكثرية المسلمة، وتخضع مع ذلك لأحد تلامذة التبشير، والأمثلة كثيرة، وآخرها التدخل المريع لقوات يوليوس نير يري الصليبي المتعصب حاكم تانزانية في شؤون أوغندة الداخلية وإسقاط حاكمها المسلم الحاج عيدي أمين دادا!!!
لقد بدأ سنغور حياته السياسية عام ۱۹۳۰ بانتسابه لحركة الطلاب الاشتراكيين ثم أصبح عضوا في الجمعية الوطنية الفرنسية، وعضوا في الكتلة البرلمانية الاشتراكية،
وشغل منصب وزير للدولة في عهد الجمهورية الرابعة، ووزير مستشار.
في عهد ديغول !! ثم أسس الحزب الاشتراكي وخاض انتخابات عام ١٩٥١، وانتخب رئيسًا للسنغال عام ١٩٦٠ وما يزال إلى الآن أي أنه أمضى عشرين سنة في الرئاسة؟ مع أن نظام الحكم جمهوري ديمقراطي، وينتخب الرئيس لمدة أربعة أعوام. فاحسبوا كم مرة تجدد انتخابه!!
السياسي الشاعر:
اشتهر سنغور بأشعاره الفرنسية، فهو يجيد هذه اللغة كأهلها، وطارت له شهرة أخرى عندما أصبح رئيسا للجنة الحكماء الإفريقية المكلفة بإيجاد حل للنزاع العربي - الإسرائيلي، ولا بأس في التعرف إلى شخصيته المحورية، لأن ذلك ضروري مقابل الشخصية المضادة « حسب التعبير المسرحي الشائع!!» وهي شخصية الشيخ أحمد خليفة نياس.
وكما أن للعرب تخار يفهم القومية المعروفة في بداية عصر النهضة إلى درجة التعصب والعنصرية، كذلك يرى سنغور أن «الزنوجة» - على وزن العروبة - مظهر للعبقرية الإفريقية !! وله كتاب عنوانه «الزنوجة وحضارة المدى الكوني» يدور حول موضوع الأيديولوجية الزنجية الإفريقية. ومن أقواله الزنوجة« هي مرادفة العبارة الشخصية الإفريقية« هذا لا يعني أننا عنصر يون، وتسميتنا تنسج على منوال عبارات أخرى مثل«الحضارة الإغريقية - اللاتينية» تنفتح على مآثر الحضارات البشرية كلها وتتغنى بها .... إلخ.
أما الشعر عند سنغور «فهو ترجمان الروح الزنجية ورسولها إلى العالم».
ليست الزنوجة إذن عنصرية!! وإذا جعلت نفسها عرقية في أول الأمر فإنما ذلك من منطلق مقاومة العرقية ... والزنوجة تنفتح على مآثر عند سنغور«فهو جمان الروح الزنجية ورسولها إلى العالم !! ويذهب أحيانا إلى حدود اعتباره سلاحا بوجه الإقطاع ووسيلة لرفع المستوى المدني للإنسان) من مقابلة مع (الوطن العربي العدد ۱۹۳ - 30/10/ 80 وعن علاقة العروبة بالزنوجة، يقول: إنهما تشكلان رابطة سياسية وحضارية لا عنصرية أو عرقية، فقد حصنتا أعراقا متعددة دون إشكالات غير قابلة للحل!!
بعد هذا الاستعراض الثقافي لشخصية سنغور يبقى علينا معرفة الجانب السياسي عنده وقد أشرنا في البداية إلى أنه اشتراكي مرتبط بالسياسة الفرنسية، ويتبع نظامًا
علمانيا غربيا برلمانيا، يتنافس فيه أربعة أحزاب سياسية.
وكما قلنا في البداية، فقد صار سنغور رئيسا للجنة الحكماء الإفريقية من أجل حل النزاع العربي - الإسرائيلي، وهنا تتكشف لنا اتجاهاته العجيبة في حل هذه القضية. فهو يدعو إلى:
-انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧م.
الفلسطيني في ذلك. -إقامة دولة فلسطينية، وعلى إسرائيل أن تعترف بحق الشعب
-تكوين اتحاد كونفدرالي يجمع دولتي إسرائيل وفلسطين، لتندمجا في مجتمع الشرق «الأوسط اقتراح حكيم بلا شك!!».
وهكذا، ومن استعراض أفكار سنغور إجمالا، نحس إحساسًا داخليا قويا بأنه لا يبعد كثيرًا عن تخريفات الماسونية العالمية في خلطها بين الأديان والعناصر، وهكذا أيضا ما نزال نرتقب انبعاث النور من الغرب فعلى أي الأيدي سيأتي؟ البديل ؟!
كل نظام فاسد، نهايته إلى الإخفاق الحتمي، ولو بعد حين! فكيف إذا كان مع ذلك شائنا وغير منطقي ؟!
إنه من غير المعقول ولا المقبول عرفا وسياسة وأخلاقا أن تستمر هذه المأساة إلى ما لا نهاية، وهكذا برز النقيض الذي يعد نفسه البديل الموضوعي لوضع معكوس، لا منطقي ومقابل الشخصية المحورية برزت الشخصية المضادة، وقد تمثلت في الشيخ أحمد خليفة نياس، زعيم الحزب الإسلامي السنغالي الجديد فماذا عنه ؟!
شخصية نياس
طرح اسم الشيخ أحمد -ذي الأربع والثلاثين سنة- بقوة منذ أواخر العام الماضي حين
وجه تهديدا مباشرا للرئيس السنغالي بوجوب تخليه عن الجنسية الفرنسية التي اكتسبها بعد زواجه من فرنسية !!
ويعتبر الشيخ أحمد الآن من أقوى معارضي النظام، الذين تجمعوا تحت راية جبهة تحرير السنغال، وهو من أسرة عربية إسلامية عريقة في السنغال.
درس في المدارس العربية هناك، ثم في تونس ففرنسة، حيث يحمل شهادات عليا في القانون، ويتمتع الشيخ بوعي سياسي كامل، وثقافته إسلامية عريضة ومن آرائه:
• القرآن الكريم هو دستورنا.
• ندعو إلى نصرة القضايا العربية.
• تطالب بدخول السنغال إلى الجامعة العربية، لأن ٩٥% من السكان المسلمين من أصل عربي !! .
• بعد استلام السلطة سنفرض ضريبة باسم« دينار القدس !! » .
• نراهن على المستقبل، فبعد خمس سنوات سيكون عندنا نقط ويورانيوم.
• لا نفرق بين الدين والسياسة.
الحزب الإسلامي:
يتحرك نياس عبر الحزب الإسلامي السنغالي الذي أنشئ منذ خمس سنوات فقط، وقد صدر في العام الماضي قرار حكومي بمنعه من النشاط السياسي، بادعاء أن الأحزاب الأربعة تكفي . ولكن هذا المنع دفع الحزب إلى إعلان جبهة تحرير السنغال، وهكذا تصح مبادئ الميكانيك في السياسة، كل فعل له رد فعل مساو له في القيمة ومعاكس له في الاتجاه ... سبحان الله.
وبالمناسبة فقد وصل الإسلام إلى السنغال عن طريقين:
١ - بوساطة القبائل العربية التي قطنت المغرب ونزلت جنوبا حتى
موريتانية قاطعة نهر السنغال.
٢ - والطريق الثانية من الشرق، وانطلقت من مصر فالسودان وتشاد والنيجر ومالي، وذلك قبل (۹۰۰) سنة.
ويأتي الحزب الإسلامي بعد كل هذا ليعبر عن طموحات المسلمين، وآمالهم في استعادة حقوقهم، وكشف زيف اللعبة الديمقراطية الغربية، ويعتمد الحزب على قاعدة شعبية منظمة تضم أكثر من ٣٠٠ ألف عضو، وقد أعلن عن ولادة الحزب رسميا في رمضان عام ١٣٩٩هـ وهو يستند إلى الشريعة الإسلامية، والقرآن دستوره
ومن مآخذه على نظام سنغور ما يلي:
. عدم شرعيته تمثيل المسلمين وهو الكاثوليكي الفرنسي الجنسية !! . الثروة الموجودة مستغلة من قبل ثلاث عائلات صهيونية يقاسمها سنغور الربح.
اعتماد النظام على الجيش الفرنسي والشركات المحتكرة !! .
مواقف سنغور المناهضة للعرب والمسلمين، حيث منع كتابة اللغة السنغالية بالأحرف العربية، ومنع إصدار صحف ناطقة بالعربية وحظر التطوع في منظمة التحرير!!.
ديمقراطية النظام مصطنعة ورؤساء الأحزاب المسموح بها كلهم متزوجون من فرنسيات !! ومعهم الجنسية الفرنسية؟ ووزير الداخلية جان كولين فرنسي!!.
نواب المسلمين ٥٣ من أصل مائة نائب مع أنهم ٩٥%
الارتباط كامل بفرنسة: العملة هي الفرنك الفرنسي، والجيش فرنسي والسياسة فرنسية !.
محاولة خلق العداء ضد العرب عن طريق الزنوجية التي طرحها سنغور في الأدب والثقافة، والتي ترى أن العرب هم المستعبدون للسود Kولكنها أخفقت !!
التأثير الاستعماري وصل إلى إلغاء اسم العاصمة السابقة (دار الإسلام)إلى سانت لويس !!
وماذا بعد ؟؟
لقد تحددت - كما نعتقد - الصورة الواضحة للوضع السياسي الحالي في السنغال المسلمة، ورغم وقوع هذه الدولة في غربي العالم الإسلامي فإنها قريبة على مراكز التأثير الحضاري والإعلامي الموجودة في الشرق الإسلامي. وهكذا هبت عليها كغيرها، روح الانتعاشة الإسلامية الجديدة.
وعليه فإننا نتوقع تغييرا أكيدا في السنغال، ومن بوادره القريبة أن سنغور قد أعلن من مدة عن عزمه على الاستقالة قبل انتهاء فترة رئاسته، وسيخلفه في الحكم إن تم ذلك. رئيس وزرائه عبده ديوف حسب الدستور السنغالي، والدبلوماسيون الغربيون يرون فيه حلا وسطا، حيث إنه مسلم ولكنه يميل إلى سياسة خارجية قريبة من السياسة الفرنسية. لكن الطرح الثوري الذي قدمه نياس يلاقي قبولا في السنغال، حيث الوعي الإسلامي يزداد انتشارا، وحيث تخلى علماء المسلمين عن هدنة سابقة بينهم وبين سنغور، ورفعوا شعار ال‘طاحة به بسبب مواقفه، ثم إن الضائقة الاقتصادية والنهب الاحتكاري للشركات الاستعمارية مع وجود البديل الإسلامي الجاهز، كل ذلك يرشح السنغال للتغيير.
ومن أقوال نياس: «إن الحكم بالسنغال يجب أن يكون إسلاميا، لأن القبائل السنغالية لا تفرق بين الدين والسياسة، ولأن سنغور يتجاهل بصورة بشعة مشكلة تمثيل المسلمين في البرلمان».
إنها قادمة من السنغال، والآن ... ارتقبوا النور يشرق من هناك !!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل