; نسبة الـ 50% والحرية.. قيادة العميان والخطر المحقق | مجلة المجتمع

العنوان نسبة الـ 50% والحرية.. قيادة العميان والخطر المحقق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973

مشاهدات 6

نشر في العدد 134

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 23-يناير-1973

قضية الحرية في عالمنا العربي إحدى قضايا «المصير الكبرى» ولم يعد ثمة شك بعد كل التجارب المرة التي عانيناها، في أن حرية المواطن هي الأساس الوحيد لحرية الوطن، وليست حرية المواطن مجرد مقدمة لحرية الوطن– كما يقولون– فليس الوطن معنى تجريديا غيبيا، وإنما هو حقيقة مادية أساسها المواطن فوق أرض الوطن.

لقد تحول المواطن والوطن إلى عدوين، لا يمكن خلق مصلحة مشتركة بينهما، أليست هذه أهبط قضية عقلية ظهرت في التاريخ؟ وجدنا أنفسنا نلوك كلمات لا معنى لها، وكأننا نحن ببغاوات نقول ما لا نعي تحت تأثير ما تلقنه إياها الآخرون.

والحرية في الواقع مسؤولية أكثر منها حقا موضوعيا، وهذه هي خطورتها في العملية التاريخية.. ففي المجتمع الحر الذي يملك كل إنسان فيه حق استعمال كلمة «لا» تكون «المسؤولية» واضحة ومكشوفة ولا يمكن «التستر» على أعبائها خضوعا لشعارات نفاقية ملتوية.. ويفاجئنا هنا أخطر سؤال نواجِهه في حديثنا هذا:

مسؤولية من؟

وبوضوح أكثر: من سيتحمل «مسؤولية» الحرية؟ من «المواطن» الحر الذي سيتحمل مسؤولية حرية «الوطن»؟ من ذلك المواطن الذي من حق الوطن أن يحاسبه على مسؤوليته تجاهه، ويسأله– موجها إليه تهمة الخيانة العظمى– إذا هو خان مسؤوليته فأضل القافلة لحساب أنانيته، أو إذا كان أقل من مستوى المسؤولية؟

في ظل الحرية التي تنعدم فيها مشاعر وواجبات المسؤولية يتحول المواطن الحر إلى عبء على حرية الوطن... إن هذا المواطن الحر سينقلب إلى مواطن فوضوي تنعكس على سلوكه كل مظاهر الضياع في الحياة.. إنه سينور ويتظاهر رافعا راية الثورة العالمية لمكافحة الرجعية الأمريكية المتوحشة في فيتنام، لكن لن يتقدم ليدافع عن سيناء والعريش والجولان والضفة الغربية والمسجد الأقصى... وهو سيرفض الانطلاق من تراث بلده وحضارتها وقيمها وخصائصها النفسية والاجتماعية وسينقل إلى شوارعنا كل مظاهر التحرر الفوضوي العالمي الذي يروجه اليهود وتبديد طاقات العالم... وبإيجاز... سوف نتحول الحرية غير المسؤولة في يد هذا المواطن إلى عبء على حاضر ومستقبل أمنه.

وكان «غاندي» يقول شبه منفعل في حالة مثل هذه الحالة -أعني حالة أن تكون الحرية عبئا على الوطن.. حرية غير مسؤولة.. تطالب بالحقوق دون استشعار مسؤولية الانتماء للواجبات.

كان غاندي يقول: «في بلد كل فرد فيه يطالب بحقوقه، من يستطيع أن يمنح هذه الحقوق؟ ولمن؟».

«الحرية إذن مسؤولية تاريخية قبل أي اعتبار شخصي، وهي واجب بقدر ما هي حقوق.. وحرية يد كل مواطن يجب أن تقف عند حدود أنف كل مواطن آخر. أما إذا اختلطت حريات الأنوف والأيادي، فإن الوجه الوطني سيكون عرضة للتورم والدم والطفيليات».

ولا شك في أن حجم الحقوق بديهي يتلخص في أن يتمكن المواطن من التعبير عن ذاته ككيان مستقل دون أن تتحكم فيه ضواغط خارجية تفقد كيانه الذاتي معنى الاستقلال في الإرادة والقول، وتجبره بوسائل مختلفة على أن ينقسم على نفسه، وأن يظهر أمام المجتمع بوجه وقول. بينما يكتب في أعماقه وجها ولونا آخر مختلفا.

وحول هذه الدائرة تتحرك كل حقوق الفرد، مهما قيل وما سيقال من آراء ونظريات.

وتأتي الواجبات متوازية ومتناسقة مع الحقوق، فالمواطن الذي يتعمد الإبطاء شيئا يجب أن يقابله المجتمع بتعمد ممثل في ألا يعطيه شيئا.

وبدون الواجبات يتحول المجتمع إلى جزر متناحرة.. ويؤول بالطبع إلى الاستهلاك الحضاري.. فالتآكل... فالتفكك... فالانهيار...

وهنا يمكن أن تكون «الحرية» مصطلحا خطيرا مضادا لسير الحضارة ما لم تحسن روابط الواجبات بالحقوق.. ووضع المسؤولية كاملة وواضحة على كل مواطن، ما دام يتمتع- في ظل الحرية بالطباع- بحقوق كاملة وواضحة.

... إن الحرية ليست هدفا في ذاته.. وإنما هي وسيلة لتفجير وشحذ طاقات الفرد كي يبدع وتعطي، وهو وسيلة لترك الطاقة بدل تقييدها وجلها– بواسطة الحقوق– على الإبداع، بدل أن تتجمد في ظل مجتمع العبودية كآلة تتحرك تلقائيا، أو كقطعة غير عاقلة من الشطرنج يعبث بها وبكرامتها وعقلها الآخرون.

فإذا لم تنجح الحرية في الوصول إلى تفجير طاقة الخلق والإبداع، فإنها تفقد جدواها، وتتحول إلى عبء على حركة التقدم.. وتسقط من ميزان التاريخ.

لكن السؤال الجدير بالطرح هنا:

  • كيف يمكن للحرية أن تفجر طاقة الإبداع لدى الفرد على النحو الممكن أو المطلوب؟
  • إن الأمر يقتضي ابتداء أن يوضع كل إنسان في المكان الذي يتلاءم مع كفاءاته، بل مع أبرز كفاءاته... يوضع الطبيب في المستشفى، والمهندس في المصنع، والكيماوي في المعمل، والزراعي في الحقل، والشيخ في المسجد أو المدرسة، والعسكري في وحدات الجيش المناسبة مع كفاءته، والصحافي في الجريدة أو المجلة، والاقتصادي في أماكن العمل الاقتصادي...

بل لا بد من وضع كل واحد من هؤلاء في مكانه الأكثر تخصصا.. بحيث ينقسم كل هؤلاء إلى الشرائح الداخلية التي تنقسم إليها تخصصاتهم... وهكذا– كما يقولون كذبا– يوضع الرجل المناسب (حقيقة) في المكان المناسب له جدا جدا.

أما وضع العسكري في قمة كل التخصصات التي لا يفهم في أكثرها أدناها، بل ربما لم يسمع بها قبل أن يوجه إليه كتاب تعيينه فيها، وأن يوضع هذا العسكري في قمة المراكز العلمية أو الاقتصادية والصحافية.. وأن يتقدم برصيده من الجندية الذي لا شك أنه قد نسيه في دوامة الأعمال الأخرى.. يتقدم ليدلي في الدين والطبيعة والاقتصاد.. ويدير مؤسسات بأكملها دون أن يتوفر له أدنى إلمام بأقل معلومات يتمتع بها أصغر موظف في هذه الأجهزة يتلون متخصصا.. أن يحدث كل هذا.. ثم يعطى الإنسان ألف حرية، فإنه لا يمكن أن يبدع ولا أن يعطي.. بل حسبه أن يبقى عشرين سنة إلى أن يفهم طبيعة عمله، ويخضع جهاز الدولة لتجارب الصواب والخطأ.. ثم يخرج بفوائد شخصية ضخمة دون أن يفيد أمته أي شيء.

والعسكريون مجرد نموذج ضربناه، لأنه أبرز نماذج التخبط، لكنه ينسحب على كل النماذج الأخرى.. على الطبيب والمهندس والكيميائي الذين يوضعون في أعمال إدارية ليمنحوا الموظفين الأقل الإجازات العرضية أو المكافآت التشجيعية...إلخ.

ولنبدأ هنا- في محاولة أخرى للحوار- إلى الوصول إلى اتفاق حول نسبة الأمية في بلد كمصر.. وما معنى أن نبرز في كل خطاب أو مقال خطورة هذه النسبة..

إنني أفهم من هذا.. بل أنا أفهم ابتداء أن الإنسان الأمي يمثل إنسانا قابليته أقل للعطاء الحضاري.. مستوى الإبداع عنده محدود.. أفقه يتحرك في دائرة ذاته لأنه لم يطل عبر العلم والثقافة إلى دوائر أخرى.. وبتعبير موجز.. هو إنسان شبه أعمى.. حسبه أن يسير في الطريق لكنه لا يصلح لقيادة جماهير، ولا للإبداع من أجل شعب، ولا للتخطيط من أجل مصير ومستقبل.. وإلا لما كانت شعوب العالم كلها تبحث عن العلم وتجتهد في محو الأمية.

وتصل هنا إلى خطورة «فرض» نسبة 50% من الأميين وأشباه الأميين على مجالسنا الدستورية القائدة.. في العالم العربي..

كيف يمكن أن يقود هؤلاء أمتهم إلى مستقبل يحاربهم حضاريا فيه مجالس دستورية في بلدان أخرى لا يقتحم أبوابها إلا أندر الكفاءات وأغلاها؟

وعلى الرغم من كل ما قيل وما سيقال حول صدق نسبة بروتوكولات حكماء صهيون إلى أصحابها اليهود.. على الرغم من كل هذا فإننا نصدقها حين وصفت هذه الحالة من قيادة الغوغاء والرعاع والمصفقين لأتفه الأسباب.. حين وصفتها.. وجعلتها من بين أهدافها المهمة وعلقت عليها مستبشرة بالنتيجة التي سيجنيها اليهود من نشر هذه الفوضى.. علقت بقولها:

«إذا قاد الأعمى أعمى مثله فسيسقطان معا». فكيف يمكن أن نترك أمرنا للأميين الذين انتقلوا ببهلوانية أو عشائرية أو قبلية أو بشيوخ الخفر.. انتقلوا من حقولهم أو من خلف ماكيناتهم ليجدوا أنفسهم فجأة في الصف الأول من الدولة دون أية مؤهلات علمية أو حياتية أو ثقافية؟

ولماذا الإصرار على هذه النسبة؟ هل هذا تكريم لهذه الطبقات التي تجهل مصالحها الحقيقية؟ هل نحن نكرمها بوضعها في مكان لا تصح له ولا يصلح لها؟ وهل نحن نكرم أمتنا حين نحكم عليها بالسقوط لأن... الأميين... يقودونها؟

أليس من مصلحة الأب الفلاح أن يستفيد من خبرة وثقافة ابنه المهندس الزراعي؟ وهل يعيبه أن يعترف -كوالد- بأن ابنه «المهندس الزراعي» يجب أن يقوده ويقود القرية كلها في العملية الزراعية؟

والأب البناء أو عامل الدهان أو النجار أو الحداد أو عامل البلاط.. هل يعيب واحدا من هؤلاء أن يخضع لقيادة ابنه وتوجيهاته.. حين يكون ابن أي منهم مهندسا معماريا؟

ومن هو أولى بالتمثيل- بهذه النسبة الكبيرة في أعلى سلطة دستورية- هل هو فلاح القرية وعامل البناء أو النجار، أو المهندس الزراعي أو المعماري الذي يعيش مع هؤلاء وينتمي إليهم، ويمارس العمل معهم على نحو أكمل ولم شمل، وبعقل مختلف عن عقولهم المحدودة بمشاكل اليوم ومتاعب الذات.. ومنافع النفس، دون نظر إلى أي خطوات أبعد من هذا الأفق المحدود؟

وإذا كان لا بد من تمثيل هؤلاء– وبهذه النسبة– في السلطة الدستورية الأعلى.. ألا يمكن تشكيل لجان نوعية إقليمية لهم بحيث تعطي مجلس الشعب.. خلاصة آلام وآمال القاعدة الشعبية.. ثم تترك للعقول الأكثر قدرة على التحليل العلمي والفهم المتطور والخبرة الحديثة.. مجال وفرصة الحوار والمناقشة والتقرير.. والوصول إلى أفضل صيغة ممكنة؟

«إن من البدهي القول بأن مئة دماغ أجوف لا تعادل عقلا واحدا» «كما أن مئة جبان لن يصدر عنهم أي قرار بطولي». «كيف يمكن أن توضع الكثرة العددية محل الكفاءة؟ وكيف يمكن أن يستعاض عن هذه بتلك؟

أليس من المضحك أو من المخجل أن يترك لأشباه العميان.. للجهلة.. الحكم في جميع قضايانا السياسية والاقتصادية لتضيع في زحمة جهلها وفوضاها آراء النخبة المتخصصة الممتازة؟

إن هذا النظام.. أو قل: إن هذه الفوضى لا يرضى بها إلا من يخشون العمل في وضح النهار، ولا يمكن أن يثق بهذه الفوضى حر مستقيم يتحمل المسؤولية ويقدرها» (نقلا عن كفاحي.. بتصرف).

لنتصور مجتمعا انقلب فيه التلميذ إلى معلم والمعلم إلى تلميذ والجندي إلى قائد والقائد إلى جندي.. وهلم جرا في كل مواقع العمل..

هل يمكن أن يكون هذا المجتمع أهلا للتقدم.. تقدم على يد التلميذ والجندي... إلى أين؟

وكيف نطلب- إذا كنا محترمين لأنفسنا– من الأستاذ المعلم أو القائد الخبير أن يستجيب لتوجيهات التلميذ والجندي؟ وأي توجيهات يمكن أن يعطيها التلميذ لأستاذه أو الجندي لقائده؟

إن النتيجة المتوقعة والضرورية... هي وقوف دولاب العمل.. بل نكوصه إلى الوراء.. وتولد شحنات الحقد والصراع النفسي في قلوب وعقول كل من القائد والمعلم لإبعادهما عن موقعهما الحقيقي، ولوضع التلميذ والجندي في غير مكانهما الحقيقي.

ووسط هذا... لا يمكن أن ننتظر من المجتمع تقدمًا أو انسجامًا أو إبداعًا.

وبالتأكيد فإن هذه هي صورة فرض نسبة الـ 50% من الأميين على المجلس الدستوري الأعلى الذي يمثل الشعب أي شعب.

إن التركيب الصحيح للمجتمع- أي مجتمع- لا بد أن يكون أبرز أهداف أي عمل صحيح وبالتالي لا بد من إلغاء كل الكليشيهات، والنظر إلى الأمور بعين الموضوعية، وإعطاء كل إنسان حقه… والواجبات التي يستطيع الإبداع في تقديمها.

وهذه هي الحرية الحقيقية.. حرية الحق والواجب..

الرابط المختصر :