العنوان في العصر الحديث نساء مجاهدات.. «آل الشاطر» وتضحيات مستمرة.. والدة المهندس خيرت الشاطر
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009
مشاهدات 52
نشر في العدد 1879
نشر في الصفحة 40
السبت 28-نوفمبر-2009
- ولدت عام 1930م بإحدى قرى محافظة الدقهلية المصرية وتزوجت من ابن قريتها سعد عبد اللطيف الشاطر
- كانت نعم الزوجة التي تهيئ جو الهدوء والاستقرار لزوجها وقد انطبع ذلك على تجارته فحقق بفضل الله نجاحًا كبيرًا
- لم تشك يومًا من كثرة الضيوف وإرهاق الخدمة بل كانت تسعد كثيرًا لكثرة القاصدين لمنزلهم ولا تسمح لأحدهم بأن ينصرف قبل تناول الطعام
- عاشت رحلة طويلة مع المحن الشديدة التي ينوء بها أي إنسان... فمنذ أن كبر ابنها الوحيد والتحق بالمرحلة الثانوية وهي على موعد مع هذه الابتلاءات
- اعتصر قلبها مما لحق ابنها من مظالم..
- ففي عام 1981م فصل ابنها من الجامعة واعتقل عام 1991م وأغلقت شركته «سلسبيل» ثم حُكم عليه بالسجن 5 أعوام عام 1995م
- لم تكد تهنأ بعودة ولدها بعد غياب خمسة أعوام في السجن حتى اختبر الله قلبها مرة أخرى بوفاة زوجها ثم بسجن ولدها مرة أخرى
لقد قدم «آل الشاطر» نموذجًا للتضحية العملية سواء بالنفس أو المال، فلم يبخلوا لحظة واحدة بما أعطاهم الله من فضل، فأحسنوا التجارة مع الله فأكرمهم في الدنيا ونسأله أن يرزقهم القبول في الآخرة، وقد قدم الجميع التضحيات لا لشهرة أو جاه، لكن ابتغاء مرضاة الله، فقدم الأب والأم والأبناء كل معاني التضحية حتى زوجات الأبناء وأزواج البنات نالهم نصيب من تقديم هذه التضحية.
وقد تحدثنا عن زوجة المهندس خيرت الشاطر في عدد سابق، وها نحن نقدم نموذجًا آخر لهذا البيت، ألا وهي الأم وربان السفينة الذي صنع هذه النماذج التي يراها الجميع.
من هي؟
في قرية «كفر الترعة القديم» بمحافظة الدقهلية ولدت الحاجة فاطمة إبراهيم علي الصباغ -والدة المهندس خيرت الشاطر- عام ۱۹۳۰م، وهي نفس القرية التي ولد فيها زوجها الحاج سعد عبد اللطيف الشاطر، وقد انتهج العمل التجاري والذي ورثه عن والده وأجداده، وتعرفا على بعضهما، وتم الزفاف أواخر أربعينيات القرن الماضي، وقد رزقهما الله بولد واحد، وهو محمد خيرت وثلاث من البنات، أكبرهم الحاجة فاطمة الشاطر زوجة الدكتور محمود غزلان -عضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين، وقد تم الزواج عام ۱۹۷۷ تقريبًا (1).
يد بيد
ما أن حلت على بيت آل الشاطر حتى كانت نعم الزوجة التي تهيئ جو الهدوء والاستقرار لزوجها، وقد انطبع ذلك على عمله وتجارته، فقد حقق بفضل الله أولًا ثم الاستقرار الذي وفرته له الزوجة نجاحًا كبيرًا في التجارة، فقد مارس التجارة لأكثر من خمسين سنة، وامتلك عددًا من الأراضي الزراعية، وكان من أكبر التجار المشهورين في محافظة الدقهلية، وقد توفاه الله عام ۲۰۰۰م.
يقول د. محمود غزلان: «لم يحصلا على شهادات وإجازات، ولكنهما تعلما من أسرتيهما في ريف مصر الحلال والحرام، والخطأ والصواب، والخير والشر، وما يجب وما لا ينبغي أن يكون تعلما هذا كله في صورة سلوك حي ومعاملة يومية وقدوة دائمة، ثم علماه لأولادهما».
ويضيف: «وكان أول لقاء معه حينما ذهبت إليه لأخطب ابنته الكبرى، وكنت قد كلمت شقيقها «أخي الحبيب خيرت الشاطر» بشأنها، فجمعني بها في بيته حتى يأتي والده من العزبة فأخطبها منه، ومر علينا الحاج في بيت خيرت لدى عودته إلى بيته، ثم انصرف إلى بيته فتبعته، وجلسنا سويًا هو وأنا فقط في غرفة الاستقبال، وساد صمت عميق فلا كلمة ترحيب منه ولا كلمة مجاملة، حتى اضطررت أن آخذ دور المضيف وأرحب أنا به وأتودد إليه، حتى أيقنت أن مطلبي مرفوض مرفوض، وأخيرًا استجمعت شجاعتي وقدحت قريحتي وقلت له: لقد عرفت خيرت وتربيته وأخلاقه وكان من الطبيعي أن أستنتج أن البيت الذي رباه وخرجه كفيل أن يربي مثله إن لم يكن خيرًا منه؛ ولذلك فقد جئت أطلب منك يد ابنتك، فتكلم للمرة الأولى قائلًا: يشرفنا يا بني، وتنفست الصعداء، ولم يسألني عن شيء قط؛ لا وظيفة أبي ولا مرتبي ولا قدراتي المادية ولا الشقة ولا المهر ولا أي شيء مما يهم الناس الآن وبعد فترة سألت عن سر صمته في أول لقاء فقالوا: إنه شديد الحياء، وخصوصًا في مثل هذه المواقف، وبمعاشرتي له وجدته بالفعل رجلًا حييًا شديد الحياء» (۲).
مواقف حية
يقول د. محمود غزلان: «بعد الزواج لاحظت أن أحدًا لم يتحدث معي أو يطلب مني التوقيع على قائمة الأثاث، فظننت أن حياءهم منعهم من ذلك، فقمت بإحضار ورقة بيضاء «فلوسكاب» وكتبت في رأسها بعد البسملة أقر أنا «فلان»: بأنني استلمت المنقولات المبينة في هذه الورقة، وأنها في حيازتي ومسؤوليتي، وتركت الورقة بيضاء ووقعت في ذيلها وأرسلتها إلى الحاج، وأنا أعلم أنه يمكن أن يكتب فيها أي شيء، إلا أن ثقتي في دين هؤلاء الناس وأمانتهم كانت أكبر من كل شيء، وبعد أسبوع وعند زيارة حماتي الفقيدة -يرحمها الله- وجدتها ترد إلى الورقة وتقول لي: «الحاج بيقولك: عيب»، حاولت أن أراجعها بأنه حقهم، ثم هو عُرف عند كل الناس، فقالت: «عيب».
ويضيف: «كان بيته في المنصورة هو نُزل كل أهل القرية عندما يأتون إلى المدينة للتسوق وتجهيز البنات والاستشفاء، وربما أقاموا الليالي ذوات العدد، وهكذا لم يكد البيت يخلو من الضيوف في يوم من الأيام وكانت زوجته -يرحمها الله- وبناته يقمن على خدمة الوافدين؛ الأمر الذي دفع البنات لإتقان كل أعمال المنزل وهن في سن صغيرة.
ويقول: «كانت ترعى البيت والأولاد الصغار حال غيابه في تجارته، رفضت أن تأخذ نصيبها من ميراث أبيها، لم تتبرم يومًا وهي تراه يكسب الكثير وينفق الكثير بدعوى أنه يجب أن يؤمن مستقبلهم ومستقبل الأولاد كما تفعل النساء بل كانت تشاركه في كل ما يفعل، ولم تشك يومًا من كثرة الضيوف وإرهاق الخدمة، بل كانت تسعد كثيرًا لكثرة القاصدين، ولا تسمح لأحدهم أن ينصرف قبل أن يتناول الغداء أو العشاء.
لقد كانت تتعامل مع كل البائعات والبائعين، وكل من يقدم لها خدمة ما بالفضل ولا تكتفي بالعدل والحق، حتى رأينا بائعات الدواجن والخضر والممرضات يبكين عليها بكاءً حارًا عند وفاتها، وكذلك الجارات ونساء القرية، ورأينا الحزن الشديد على كناس الشارع وسائق السيارة وكل من عرفها، ولا غرو فقد ظلت حتى أيامها الأخيرة تصر على أن يأخذوها في السيارة إلى القرية؛ لتذهب إلى دور المحتاجين دارًا دارًا، وأولادها يطرقون الأبواب، ويخرج لها أهل الدار فتعطيهم ما يجود الله به عليهم، لأنها لا تستطيع أن تدخل كل هذه الدور كما كانت تفعل أيام صحتها، وإذا حدثوها أنهم يمكنهم أن ينوبوا عنها في هذا الأمر ترفض رفضًا شديدًا.
وكانت -يرحمها الله- قبل أن يشتد عليها المرض تختم القرآن الكريم كل ثلاثة أيام (3).
رحلة مع المحن
لقد عاشت رحلة طويلة مع المحن الشديدة التي ينوء بها إنسان، فمنذ أن كبر ابنها الوحيد والتحق بالمرحلة الثانوية، وهي كانت على موعد مع هذه الابتلاءات، ففي عام ١٩٦٨م انطلقت مظاهرات في القاهرة والإسكندرية بعد محاكمات قادة الجيش بعد نكبة ١٩٦٧م، وقاد هذه المظاهرات طلبة الجامعات، وكان خيرت قائدًا من قادة مظاهرات جامعة الإسكندرية، وألقي القبض عليه وألقي مع زملائه في سجن الحضرة، وخرج رئيس الجمهورية يُعرض به بالاسم في خطبة عامة، وبعد وساطات وافق الرئيس على الإفراج عنهم غير أنه فصله من الكلية، ومن ثم كانت تنتظر الأم مفاجأة أخرى، وهي أن ابنها دفع به إلى الجيش في البحر الأحمر؛ حيث أماكن المواجهة مع العدو «الإسرائيلي»، حتى أن قائده ذات يوم طلب منه أن يحمل رسالة إلى قائد موقع بعيد، وعندما عاد وجد موقعه لا أثر له فقد دمرته القاذفات الصهيونية، وقضى فترة التجنيد.
وأثناء ذلك تعرضت لابتلاء شديد في زوجها، فعندما اعتقل ابنه خيرت ترك أبوه تجارته وأقام بالإسكندرية لمتابعته وزيارته، وأثناء ذلك كان قطار يحمل بضاعة له قد ضرب واحترق بالبضاعة في سيناء ١٩٦٧م، واستغل بعض العاملين عنده من ذوي النفوس الضعيفة محنته وطلبوا منه تظهير شيكات جاءته من بعض الجهات ثمنًا لبضاعته كي يصرفوها ويحضروا له المبالغ نقدًا، وعندما فعل صرفوا الأموال واختلسوها لأنفسهم، فأصيب في ولده وماله وأصيب على إثر ذلك بذبحة صدرية فكانت صدمة شديدة لها، غير أنها المرأة التي عرفت الله حق المعرفة.
وكانت على موعد آخر من المحن بعد فصل ولدها من العمل الجامعي عام ۱۹۸۱م، وما كادت تمر الأعوام حتى اعتقل ابنها في قضية «سلسبيل» وإغلاق شركته عام ۱۹۹۱م، بل لفقت له قضية اختراق المخابرات العسكرية، وكانت تهمة كما يقول وزير الداخلية آنذاك: إن هذه التهم عقوبتها الإعدام.
وفي سنة ١٩٩٥م تم اعتقاله مع حوالي ٩٠ من قيادات الإخوان المسلمين، وقدموا لمحكمة عسكرية حكمت على خيرت بخمس سنوات، وكانت صدمة على الوالد والوالدة ولم تكن الأم تهنأ بعودة ولدها بعد غياب خمس سنوات حتى اختبر الله قلبها مرة أخرى بأن اختار زوجها لجواره بعد معاناة شديدة من مرض السرطان استمرت حوالي عشرة أعوام، كما اختار ابنها مرة أخرى للاعتقال عام ۲۰۰۱م وليس هو فحسب، بل اختار زوج ابنتها د. محمود غزلان للاعتقال أيضًا، فكانت تسعى لزيارة الاثنين دون أن تكل أو تمل.
لكنها فوجئت وفي ظل مرضها باعتقال ابنها مرة أخرى عام ٢٠٠٦م وتقديمه لمحاكمة عسكرية، والتي حكمت عليه بسبع سنوات، وأغلقت شركاته وعينت عليها حراسة.
يقول د. غزلان: «وكان وقع الحكم على أمه شديدًا خصوصًا وقد وهن العظم منها واشتعل الرأس شيبًا، وبلغ المرض منها مبلغه، فكانت تقول لي وهي تبكي: ماذا فعل حتى يحكم عليه بهذا الحكم؟ هل قتل؟ هل سرق؟ إنهم جميعًا يعلمون أنه لا يقدم للناس إلا الخير، ألا يخافون الله؟ أليس لهم أبناء؟
وزارته هذه المرة مرات قليلة حتى عجزت عن السفر، ومع حزنها العميق وإحساسها بالظلم الكبير؛ إلا أنها ظلت صابرة تتطلع إلى الله، ولا تقدح في أحد.
وتقول زوجة المهندس خيرت: «كانت والدته في الآونة الأخيرة قبل موتها -يرحمها الله- تقول: لا أريد شيئًا من الدنيا إلا أن يصلي على جثماني المهندس خيرت».
ويقول د. محمود عزت: «نشهد لأمنا الفقيدة بالصبر وحسن التربية».
وفاتها
توفيت يوم الإثنين ٢٥ مايو ۲۰۰۹م، وخرجت الجنازة عصرًا من مسجد النصر بمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، ودُفنت بمقابر الأسرة بكفر «الترعة القديم» بمركز شربين، وحضرها فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام وقيادات الإخوان، كما حضرها المهندس خيرت الشاطر الذي أخرجوه من السجن ليشهد جنازة والدته، فحقق الله لها أمنيتها بأن صلى عليها (4)..
الهوامش
(۱) حوار مع زوجة المهندس خيرت الشاطر، أجراه عبده مصطفى دسوقي.
(2، 3) مقال للدكتور محمود غزلان بعنوان «شهادتي لآل الشاطر» بموقع «إخوان أون لاين»، ٢ يونيو ۲۰۰۹م.
(٤) جريدة «البشائر»، وموقع «إخوان أون لاين»، الاثنين ٢٥ مايو ۲۰۰۹م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل