; والدي السلطان عبد الحميد (الحلقة 11) | مجلة المجتمع

العنوان والدي السلطان عبد الحميد (الحلقة 11)

الكاتب عائشه عثمان أوغلو

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 809

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 17-مارس-1987

والدي السلطان عبد الحميد

١٨٤٢ م- ١٩١٨م

حياته – أعماله – خلعه – سجنه

تأليف: الأميرة عائشة ابنة السلطان عبد الحميد.

ترجمة: الدكتور إبراهيم الداقوقي.

تقديم وتعليق الأستاذ سيف مرزوق الشملان.

الحلقة (11)

بقلم: عائشة عثمان أوغلو.

زيارة إمبراطور ألمانيا إلى تركيا

     لا أستطيع أن أتذكر أول زيارة قام بها إمبراطور (۱) ألمانيا عام ١٨٨٩ إلى تركيا؛ لأنني كنت آنذاك في الثانية من عمري إلا أن أختي السلطانة نائلة التي كانت تكبرني بثلاث سنوات قدمت باقة من الورد للإمبراطورة، وعندما زارت الإمبراطورة قسم الحريم تعرفت على كل من الوالدة الأم، وشقيقتي، والدي، والسلطانة سميحة، والسلطانة مديحة، والزوجة الثانية للسلطان بيدار خانم، وتعرفت كذلك على السلطانة نعيمة إحدى بنات والدي.

     وقد استقبل والدي السلطان ويلهلم WILHELM في ميناء قصر دولما باهجة الذي يقع على ساحل البحر ومازال باقيًا حتى الوقت الحاضر، ولكنه اعتذر من الإمبراطور؛ لأنه لم يذهب بنفسه إلى السفينة التي تقل الإمبراطور، ثم أشار إلى السجاد الطويل الذي سيسير عليه الإمبراطور فشكره الإمبراطور، وأمسك بيد والدي وهكذا بدأت صداقتهم، وفي عام ۱۸۹۹ زار الإمبراطور تركيا مرة أخرى، وفي هذه المرة قدمت أصغر شقيقاتنا باقة من الورد إلى الإمبراطورة، وكان في استقبال الإمبراطورة كلٌ من الوالدة الأم، والسلطانة مديحة، والسلطانة سميحة، وبيدار خانم، وبنات السلطان مراد، وهن كل من السلطانة خديجة، والسلطانة فهيمة، ثم نحن وبقية الأميرات والسلطانات وقد استقبلنا الإمبراطورة في قاعة الاستقبال في قصر «شاله». جاءت الإمبراطورة مع والدي وكان جميع رجال قصر الحريم يقفون بصفين طويلين بملابسهم الزاهية، أما الكتاب فقد كانوا يرتدون الملابس الشرقية الخاصة بهم، أما الأميرات والسلطانات والوالدة الأم فقد وقفن أمام باب القصر، وهكذا تم استقبال الإمبراطورة بحفل رسمي كبير، وبعد مراسيم الاستقبال جلست الإمبراطورة على الأريكة المخصصة لها في صدر البهو، وجلس على يسارها والدي وعلى يمينها الوالدة الأم.

    وجلست بقية السلطانات والأميرات على جانبي الأريكة، وكان الأمراء يرتدون الملابس البيضاء الخاصة بهذه المناسبات، ويعلقون على صدورهم الميداليات والنياشين الخاصة، أما الأمراء الكبار فكانوا يضعون على رؤوسهم تيجانهم، وقد طلبت الإمبراطورة من أحد الكتاب الاقتراب منها لفحص ملابسه بعد أن أبدت إعجابها بطراز اللباس التركي.

    وكانت ملكة رومانيا (2) كارمين سلفا Karmen Silva قد زارت إستنبول مرتين.

وكان والدي يعرف مرح بناته(3) «السلطانة سميحة والسلطانة مديحة»؛ لذا فقد طلب منهما قبل حضور الإمبراطورة أن يلتزما بالهدوء. ولكن الطبيعة غالبة فبعد فترة قصيرة من جلوسهما في حضرة الإمبراطورة بدأن بالضحك والتكلم بصوت عال، فما كان من والدي إلا أن اعتذر قائلًا بأن ابنتيه(4) عصبیتان، وإن هذه الحالة ملازمة لهما.

     وقد استمرت المقابلة حوالي الساعة والنصف، وكان بنات السلطان مراد يسكن في قصر يلدز، ولم يتزوجن، وعندما قدم والدي بناته وشقيقاته إلى الإمبراطورة أخذ ينظر الاعتبار هؤلاء الأميرات، وخاف أن يتأثرن لعدم دعوتهن؛ لذا فقد دعاهن إلى القصر لمقابلة الإمبراطورة.

الاستعراض الرسمي

كان بعض الحكام الأجانب يحضرون لزيارة والدي، وكان والدي يأمر بإجراء الاستعراض الرسمي أمامهم، وكان هذا الاستعراض يجري في منطقة يلدز في ساحة «تعليم خانة»، وكان والدي يجلس في شرفة قصر «تعليم خانة» بمعية هؤلاء الحكام الأجانب لمشاهدة هذه الاستعراضات، وكنا نحن نشاهدها من عرباتنا التي تجرها الخيول التي كانت تقف في مكان معين، وبعد زيارة إمبراطور ألمانيا جاء لزيارتنا ولي العهد الأمير «ويلهلم» وابنه الثاني «ايتل فردريك»، وقد تم استضافتهما في القصر، وبعدهما جاء ابنه الثالث الأميرال البحري الأمير «ألبرت» في سفينة الكلية البحرية المسماة «شارلوت» Charlotte، وبعد حفلة الاستقبال اشترك الأمير ألبرت نفسه في مسيرة الاستعراض الرسمي مع القوة البحرية التركية، ومر أمام القصر.

     وكان أخي برهان الدين أفندي (1885-1949) في نفس عمر الأمير ألبرت، وكان قد تلقى تعليمه في الكلية البحرية، لذا فقد تمكن هذان الاثنان تكوين صداقة سريعة بسبب تقارب الأعمار والدراسة، وكان جميع إخواني الأمراء الضباط يشتركون في هذا الاستعراض، ويمرون من أمام الشرفة التي يجلس فيها والدي السلطان عبدالحميد الثاني.

    وكان الأمير ألبرت يميل إلى الموسيقى، وقد أخبر أخي برهان الدين أفندي بذلك، وكان أخي يجيد العزف على البيانو، ولهذا السبب فقد اجتمعوا ذات مساء في قصر «المابين الصغير» بحضور والدي فعزف أخي على البيانو، بينما عزف الأمير ألبرت على آلة المندولين(5).

     وعندما رجع الأمير ألبرت إلى قصر «شاله» لاحظ بأنه قد أضاع «دبوس الرباط»، فقال لأخي: «أضعت الدبوس الذي يوضع فوق الرباط، إنه مصنوع من الذهب وليس ذا قيمة مالية، ولكنه تذكار من شخص عزيز، فأرجو أن تعثروا عليه، فأخبروا والدي بذلك في الحال الذي أمر الخدم بالعثور عليه فورًا قائلًا: «سأمنح الخادم الذي يعثر على الدبوس (١٠٠) ليرة تركية»، وفعلًا تمكن أحد الخدم من العثور على الدبوس، فسلمه لوالدي، واستلم مبلغ المكافأة، ووضع والدي مع الدبوس حجرًا ثمينًا وأعاده إلى الأمير ألبرت، فسر الأمير بذلك، وشكر والدي على هذه الالتفاتة اللطيفة.

     وأحب الجميع الأمير ألبرت لدماثة أخلاقه وهدوئه، وقد أهدى والدي للإمبراطور الألماني ولأبنائه الأمراء هدايا تذكارية كثيرة وثمينة، كالسجاد، والأقمشة، وأواني مصنوعة من الحجر الصيني وخاصة والغازات- مزهريات- وقد أحب الأمير ألبرت نوعًا من الكمثرى -العرموطي- المسمى آفجا- Alca- فأرسل له والدي عدة صناديق مليئة بهذا النوع من الكمثرى، وقد أحب الإمبراطور أيضًا نوعًا من الطيور التي تسمى ساقساغان- Saksazan-، فأرسل له والدي من هذه الطيور بعد أن وضعها في أقفاص خاصة.

     وعندما كنت في برلين ذهبت إلى المعرض الإمبراطوري الخاص، فرأيت هناك كل هذه الهدايا والأواني التي أهداها والدي إلى الإمبراطور، ورأيت قفاز والدي، ويظهر أنه قد سقط من والدي فأخذه الإمبراطور تذكارًا لهذه المناسبة.

      إن قصر «تعليم خانة» في زمن حكم السلطان وحيد الدين، ولكنني لا زلت أحتفظ ببعض هذه الصور الخاصة بهذه الاستعراضات.

    وكان والدي يذهب في بعض الأحيان إلى قصر «تعليم خانة» للإشراف على أمور الجند، وكيفية توزيع الطعام وأنواعه، وكان في بعض الأحيان يستصحب طبيبًا خاصًا لاختيار وفحص وتحليل الأطعمة، وتذوق بعضها للتأكد من طعمها وسلامتها من الناحية الصحية(6).

_______________

(1) الإمبراطور غليوم ويلهم: هو آخر أباطرة ألمانيا، وبعده أصبحت ألمانيا جمهورية، ولد سنة ۱۸٥٩، وتوفي سنة ١٩٤١ في أول الحرب العالمية الثانية أيام فترة ألمانيا شهد استسلام ألمانيا للحلفاء إثر هزيمتها في الحرب العظمى ۱۹۱۸، وقيام الجمهورية الألمانية، وشهد قوة ألمانيا وسطوتها وانتصاراتها الساحقة في أول الحرب العالمية الثانية.

      تولى الحكم سنة ۱۸۸۸م، تنازل عن الحكم مجبرًا في آخر الحرب العظمى وقبل استسلام ألمانيا للحلفاء ۱۹۱۸ ومدة حكمه نحو ثلاثين سنة.

    كانت للإمبراطور غليوم مطامعه وطموحاته في توسعة رقعة ألمانيا على حساب الغير، وأن يكون شأنها كشأن بريطانيا وفرنسا ذات المستعمرات الكثيرة.

     كان الإمبراطور غليوم من أصدقاء السلطان عبدالحميد، وزار السلطان عبدالحميد مرتين الأولى سنة ۱۸۸۹، والثانية سنة ۱۸۹۹ كما أنه زار القدس الشريف.

     لم يتدخل الإمبراطور غليوم في مساعدة السلطان عبدالحميد أثناء محاصرته في قصر يلدز وقبيل خلعه ۱۹۰۹م، حتى إنه لم يتدخل أثناء سجن السلطان عبدالحميد في سلانيك، وفي إستانبول حتى وفاته ۱۹۱۸. زار الإمبراطور غليوم إستانبول زيارته الثالثة والأخيرة أثناء الحرب العظمى۱۹۱۷م أيام حكم السلطان محمد رشاد، وكان السلطان عبدالحميد على قيد الحياة في سجنه، ولم يزره الإمبراطور إنما أرسل إليه تحياته.

(2) رومانيا جمهورية اشتراكية كبيرة عدد سكانها نحو تسعة عشر مليون نسمة، وعاصمتها مدينة بوخارست استولت عليها الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر للميلاد أثناء فتوحات الدولة العثمانية في أوروبا، وظلت تحت حكم الدولة العثمانية مدة طويلة ثلاثة قرون ونصف القرن تقريبًا وقسمتها الدولة العثمانية إلى ولايتين كبيرتين الأولى اسمها البغدان والثانية اسمها الأفلاق.

     في سنة ١٨٥٦ استقلت رومانيا بأمورها الداخلية عن الدولة العثمانية بمساعدة روسيا والدول الغربية، إنما كانت دوليًا تحت سيادة الدولة العثمانية، وفي عهد السلطان عبدالعزيز خرجت رومانيا عن سيادة الدولة العثمانية، وفي سنة ۱۸۷۷ في أول حكم السلطان عبدالحميد نشبت الحرب بين الدولة العثمانية وعدوتها اللدودة روسيا، أسفرت عن هزيمة الدولة العثمانية سنة ۱۸۷۸، وباستقلال رومانيا عن الدولة العثمانية استقلالًا تامًا، وكانت في الحرب إلى جانب روسيا، وفي الحرب العظمى سنة ١٩١٤ انضمت رومانيا إلى صف الحلفاء ضد ألمانيا، والنمسا، والدولة العثمانية.

(3) (4) تصويب: السلطانة مديحة وسنيحة، أختا السلطان عبدالحميد.

(5) المندولين: آلة صغيرة من الوتريات تشبه العود، إلا أنها أصغر حجمًا، وعدد الأوتار (8) فقط (المترجم).

(6) يظهر لنا -من هذا الحديث الوثيقة- مدى اهتمام السلطان عبدالحميد بالنواحي الصحية في ذلك الوقت منذ آخر القرن التاسع عشر للميلاد وأول القرن العشرين، وكيف أنه يصطحب معه أحد الأطباء للفحص على نوعية الطعام ومطابقته للأسس السليمة؛ حتى لا يكون هناك غش أو تلاعب في عملية تجهيز الطعام، وهذا العمل يسطر للسلطان عبدالحميد على أنه يعمل جهده لخدمة الشعب.

الرابط المختصر :