العنوان والدي السلطان عبد الحميد ١٨٤٢ م- ١٩١٨ م
الكاتب سيف مرزوق الشعلان
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1987
مشاهدات 65
نشر في العدد 801
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 20-يناير-1987
والدي السلطان عبدالحميد
١٨٤٢ م - ١٩١٨م
(حياته- أعماله- خلعه- سجنه)
تأليف الأميرة عائشة ابنة السلطان عبدالحميد
ترجمة: الدكتور إبراهيم الداقوقي
تقديم وتعليق الأستاذ سيف مرزوق الشملان
الحلقة (٥)
بقلم: عائشة عثمان أوغلو
- لم
تتدخل والدة السلطان عبدالحميد حتى آخر لحظة في حياتها في الشؤون الخاصة بإدارة
الدولة.
مربية والدي (الوالدة المعنوية)
عندما توفيت والدة أبي ترمشکان خانم، تولت برستو خانم تربية والدي، وعندما أصبح
والدي سلطانًا قلدها عنوان «مهد السلطنة العليا السنيةMehdi Ulya yi Saltant 1 Senneye .
كانت هذه المرأة جميلة جدًّا حتى في شيخوختها، كانت من أصل شركسي من قبيلة أبوه
Ubuh، كانت متوسطة القامة
صغيرة البنيان ذات شعر أصفر طويل زرقاء العينين، ومع رقتها كانت تملك كل مظاهر العظمة
واستحقت بذلك لقب الوالدة الأم، وكانت تلقى المحبة والاحترام من الجميع لرقتها وتسامحها،
ولم تكن تتكلم إلا نادرًا وبصوت منخفض.
وقد تدخلت كل من والدة السلطان عزيز والسلطان مراد في أمور الدولة وشؤون إدارتها؛
لذا فإن والدي عندما اعتلى العرش قال لها: «لم أشعر في يوم من الأيام بأنني قد فقدت
والدتي، وأنا أعزك وأحترمك كوالدتي وسوف يكون منصبك في القصر منصب الوالدة إلا أنني
أرجوك ألّا تتدخلي في شؤون الدولة أبدًا».
وقد حافظت الوالدة الأم على طلب السلطان عبدالحميد حتى آخر لحظة في حياتها ولم
تتدخل في الشؤون الخاصة بإدارة الدولة، وقد خطت بناتها نفس خطواتها.
أما في المناسبات والأعياد، فقد كانت ترتدي الملابس الغالية وتضع نيشان آل عثمان
ونيشان الإحسان والشفقة على صدرها، وتضع فوق رأسها شالًا من الدانتيل وفوقه التاج الخاص
بالوالدة الأم الذي يحمل في وسطه حجرًا من الزمرد. وترتدي أقراطًا من نفس النوع. وكانت
تلبس حذاء مصنوعًا من الشامواه الأبيض، وفي خنصر يدها اليمني كانت تضع خاتمًا مصنوعًا
من الياقوت الثمين، وترتدي فوق ملابسها نوعًا من الصدرية كان يسمى في ذلك الوقت سالطا
(Salta).
أما في الأيام الاعتيادية، فقد كانت ترتدي ثوبًا من القماش الثمين من قطعة واحدة
«تنورة» وفوقه صدرية من نفس النوع، وفوق هذا الثوب نوع من العباءة المطرزة، وبالرغم
من صغر سنها فقد كانت توحي بالعظمة والوقار.
أما أمور القصر الداخلية فقد كانت
من اختصاصها ولم تكن تؤذي أحدًا. وتبحث دائمًا عن الحق والحقيقة. كانت مؤمنة جدًّا
وتقضي وقتها بالعبادة والصلاة، ذات أخلاق عالية تساعد المساكين والمحتاجين دائمًا.
وعندما كنا نحن الأطفال نذهب لزيارتها كنا نذهب إليها بهدوء وخشوع وكأننا ذاهبون لزيارة
السلطان نفسه، وكانت تسدي لنا النصائح والإرشادات القيمة التي كنا نسير على هداها.
وتقع دارها في منطقة ماجكا Macka، وهذه الدار هدية من السلطان عزيز، وقد أصبحت هذه الدار الآن مدرسة،
وقد ذهب والدي إلى هذه الدار قبل أن يستلم العرش.. وذهب من هناك إلى قصر «طوب قابي» Top kapi
وهناك تمت البيعة له. وكانت جدتي برستو خانم تحب هذا البيت جدًّا،
وكان يحلو لها أن تذهب إليه بين فترة وأخرى، إلا أن والدي كان يصر على رؤيتها في القصر
دائمًا ولم يكن يسمح لها أن تذهب إلى هناك. وكان والدي يذهب إليها كل يوم جمعة لأداء
تحية الحب والاحترام. وكان يعتبر هذا واجبًا ضروريًّا. وكانت جدتي في بعض الأحيان تذهب
إلى دارها المحببة بعد الانتهاء من صلاة الجمعة. وعندما كان والدي يسمع بذلك يرسل وراءها
بعض مساعديه لإعادتها إلى القصر. وكانت جدتي عندما تمرض تود أن تذهب إلى بيتها في منطقة
ماجكا. وقد مرضت في أواخر عمرها وذهبت إلى هناك بدون معرفة والدي وهناك توفيت، وعندما
علم والدي بذلك تأثر كثيرًا وحزن ولكن.. هل يستطيع البشر أن يفعل شيئًا حيال الموت؟
وبهذه المناسبة فقد أقيم في القصر مأتم استمر لمدة طويلة وقد شعرنا جميعًا بمكانتها
بعد وفاتها. ولم تعزف موسيقى الحرس لمدة أسبوع كامل. وتمت قراءة مولد على روحها الطاهرة
في «تكية» الشاذلي في جامع الحميدية.. وقد دفنت في جامع الأيوبي، وكانت قد بنت هذا
المرقد بنفسها. وعندما توفيت كان عمرها 88 سنة.
وقد أهدى والدي هذه الدار بعد وفاتها وما تحويه من أثاث إلى رئيس مجلس «المبعوثان»
السيد أحمد رضا.
وقد تحولت حادثة زواج برستو خانم الزوجة الرابعة لجدي عبدالمجيد خان إلى قصة،
بالرغم من احتواء هذه القضية على بعض الحوادث التاريخية المهمة، فإني سأذكر ذلك بكل
أمانة وبدون أي تحريف.
إن أسماء خاتون- عمة جدي ووالدة السلطان عبدالمجيد الأول- كانت تعيش حياة ترفل
بالرفاهية والسعادة ولكنها كانت محرومة من متعة الأمومة، وكانت فكرة الإنجاب مسيطرة
عليها؛ لذا فقد كانت في حزن دائم لعدم تحقيق أمانيها في طفل تنجبه وتسعد بسماع صوته،
ولذا فقد قررت أن تتبنى طفلًا لتربيته. وبالفعل ذهبت إلى قبيلة أبوه Ubuh وتبنت إحدى بناتهم. كانت هذه الفتاة ابنة أمير من
أمراء القبيلة المذكورة وقد استطاعت أسماء خاتون إقناع والديها ثم تبنتها.. وكانت هذه
الطفلة التي تبلغ السنة الواحدة من عمرها نحيفة ورقيقة جدًّا، لذا فقد أسموها «برستو»
وهذا يعني في اللغة الفارسية «طائر السنونو»، وقد استطاعت هذه الطفلة اكتساب محبة جميع
من في القصر. وكانت ذات أخلاق عالية وقلب طيب. وقد اعتنت أسماء خاتون بتربية وتعليم
هذه الطفلة.
وكان السلطان عبدالمجيد -والد عبدالحميد- قد اعتاد على زيارة عمته، وقد استمر
على عادته هذه حتى بعد أن أصبح سلطانًا. وفي يوم من الأيام أتى لزيارتها كالمعتاد فرأى
في حديقة الحريم فتاة ممشوقة القوام يتهدل شعرها الأصفر الطويل على كتفيها، ويحيط بوجهها
البريء مكونًا هالة من النور حول وجهها وكانت ذات عيون زرقاء.
فتعجب لجمالها وحاول أن يسألها عن اسمها، ولكنها ولعدم معرفتها بأصل السلطان
هربت منه، فسأل بعض الجواري والخدم ولكنه لم يجد الجواب الشافي، فصعد إلى عمته وهو
مندهش مشغول الفكر، وقد لاحظت عمته ذلك فسألته عن حاله فوصف لها الفتاة التي رآها في
الحديقة فعرفت العمة الذكية عمن يتكلم، ولكنها تجاهلت ذلك وقالت: «قد تكون إحدى الجواري»
وأمرت جميع الجواري بالمثول أمامه لعله يعجب بإحداهن ويتزوجها، ولكنه غض النظر عنهن
جميعًا، وطلب رؤيتها هي بالذات. فقالت لإحداهن: «قولي لبرستو خانم أن تجلب القهوة لضيفي
العزيز» فدخلت برستو مع الحاجب المسؤول عن تقديم القهوة، فصبت القهوة في الفنجان المنقوش
بالذهب وقدمته إلى السلطان عبدالمجيد، ثم ظلت واقفة احترامًا وحسب التقاليد حتى انتهى
السلطان من شرب القهوة ثم أولته ظهرها وخرجت. فقام السلطان عبدالمجيد وقبل يدي عمته
ورجاها أن توافق على زواجه منها. فقالت العمة: «إنني ربيتها وأحسنت تربيتها وأريد أن
أعمل لها عرسًا فخمًا يستمر لعدة أيام». فقال السلطان عبدالمجيد: «وهل هناك شخص آخر
غيري يليق بها؟ أنا مستعد أن أفعل كل ما تريدين وأن أجهز كل ما يسرك ويرضيك».
واستطاع أخيرًا أن ينال رضا عمته وموافقتها، ثم عقد القرآن بعد فترة وجيزة، وحضر
عقد القران وكلاء السلطان، وبعد أسبوع من عقد القران وحسب التقاليد الجارية في تلك
الفترة ذهبت برستو إلى قصر زوجها. وكان السلطان عبدالمجيد في استقبالها وقد ارتدى الملابس
التقليدية، وتناول يدها ومشى معها حتى غرفة الضيوف وأجلسها في المكان المخصص لها. وكان
أولاد عبدالمجيد في ذلك الوقت صغارًا، فجلسوا بجانبها وحضر الحفل كل المقربين للسلطان
وبنات السلطان محمود وجميع الأقرباء الذين كانوا على قيد الحياة في تلك الفترة. وقد
تم نثر النقود الذهبية في الطريق الذي مر فيه العروسان، وعزفت فرقة موسيقى القصر المقطوعات
والأناشيد. وقد وزعت باقي زوجات السلطان عبدالمجيد قطع النقود الذهبية تمشيًا مع التقاليد،
واستمر الرقص والغناء حتى وقت متأخر ثم ذهب العروسان إلى غرفة «الزفاف»، وبعد أن قبلت
أسماء خاتون كلًّا من العروسين عادت إلى بيتها داعية لهما بالصحة والسعادة.
يتبع في العدد القادم