العنوان والدي السلطان عبد الحميد (1842م-1918م).. (حياته- أعماله- خلعه- سجنه)
الكاتب عائشه عثمان أوغلو
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1987
مشاهدات 55
نشر في العدد 816
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 05-مايو-1987
▪ تأليف: الأميرة عائشة ابنة السلطان عبد الحميد
▪ ترجمة: الدكتور إبراهيم الداقوقي
▪ تقديم وتعليق: الأستاذ سيف مرزوق الشملان
▪ في عيد الأضحى كانت الضحايا تصبغ بالألوان المختلفة قبل أن تمر من أمام باب القصر
▪ الأعياد في القصر السلطاني:
كان الإعداد للاحتفال بالعيد يبدأ قبل أسبوع عن موعد العيد، كانت غرف القصر تنظف وتخاط الملابس الجديدة، ويعاد ترتيب بهو الاستقبال بحيث يلائم استقبال الضيوف، وفي صباح العيد نغادر السرير مع أول إطلاقة المدفع، ونرتدي الملابس الجديدة، كانت هذه الملابس طويلة، ونتقلد النياشين الخاصة، ونلبس فوق الملابس نوعًا من البالطو الخفيف «المانتو»، ونضع البرقع المصنوع من القماش الخفيف جدًا «تول»، وكان بعض من وصيفات القصر يمسكن بأطراف الثوب، ثم تهيئ العربات الخاصة للذهاب إلى الجامع، وكنا عادة نذهب إلى جامع سنان باشا في منطقة «بشك طاش»، وكان والدي كالمعتاد يذهب مع «السراسكار»- وزير الدفاع- ومع «رضا باشا» وأخي برهان الدين أفندي، ويجر العربة أربع جياد مطهمة، وكان الجيش وفرقة موسيقى الجيش والباشوات والوزراء يقفون في المسافة الموجودة في القصر والجامع لأداء مراسيم التحية للسلطان، وتعزف الفرقة مختلف الأناشيد، ولم تكن صلاة العيد طويلة، ثم يذهب والدي بعد ذلك إلى القصر (دولما باهجه)، ويدخل القصر من الباب المخصص له، ثم يذهب إلى جناح «المابين»، ثم تصل عربات الحريم إلى الجناح المخصص لهن.
وكانت السلطانة الوالدة الأم تسير في المقدمة دائمًا، وكانت وصيفات القصر يقفن على شكل صفين طويلين على جانبي سلم القصر، وكانت مديرة شؤون القصر تستقبلنا ومعها جميع الوصيفات وهن يرتدين الملابس الخاصة، فكانت الوصيفات تمسيك بأطراف ثيابنا، ثم ندخل القصر فتقوم الوصيفات بمساعدتنا في خلع البراقع والمانتوات (البالطو الطويل)، ثم نذهب إلى السلطانة الوالدة الأم فنقبل يديها ونهنئها داعين لها بالعمر الطويل، ثم نقوم بزيارة بقية نساء القصر حسب ترتيب العمر.
وكانت زوجات الوكلاء يحضرن إلى القصر (حسب ترتيب العمر) فيهنئون أولًا السلطانة الأم، ثم يحضرن لزيارتنا، وإني لا أزال أتساءل كيف كنا نتحمل ذلك البرد الشديد بتلك الملابس الخفيفة بالرغم من وجود المناقل الكبيرة في جميع غرف القصر، وفي بعض الأحيان منقلتين إذا كانت الغرفة كبيرة، وأظن أننا كنا نواجه البرد بشبابنا.
وكان الكتاب بملابسهم المزركشة يتجولون في أنحاء القصر للمحافظة على النظام ونظافة القصر.
وعندما يحين موعد المعايدة (معايدة السلطان) كان المصاحب الكبير يرسل خبرًا إلى رئيس الكتاب، ويذهب هذا بدوره ليخبر الوالدة الأم فتخرج في المقدمة ومن وراءها بقية نساء القصر، فنمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبيرة، ونجلس في أماكننا المخصصة لنا، ونبدأ بمشاهدة مراسيم معايدة السلطان، وكان في بعض الأحيان يحضر السفراء الأجانب لمشاهدة هذه المراسيم، ثم يدخل السلطان ويجلس على العرش، بينما تعزف فرقة موسيقى الجيش مختلف الأناشيد الوطنية، وكانت العادة أن يمسك المشير فؤاد باشا أذيال العرش، ثم يمسكه عمر رشدي باشا.
وكان على الأمراء والنسبان والباشوات ورئيس الكتاب تقبيل ذيول العرش، وهكذا كانت تتم المراسيم الأولية، ثم يذهب السلطان بعد ذلك إلى البهو الكبير للاستراحة لمدة ربع ساعة، ثم تبدأ فترة المراسيم الثانية، فيقف السلطان هذه المرة أمام العرش فيأتي شيخ الإسلام برفقة بقية العلماء ورجال الدين، فكان شيخ الإسلام يرتدي ملابس بيضاء، أما البقية فيرتدون الملابس الخضراء والحمراء والبنفسجي، يقف شيخ الإسلام أمام السلطان ويبدأ بالدعاء فيفتح والدي يديه وهو يستمع إليه، وبعد انتهاء الدعاء يمسح كل الموجودين وجوههم بأيديهم، ثم يأتي القساوسة بملابسهم الخاصة فكان «لوكو قت» بيك يأتي في المقدمة، ويدعو للسلطان بالصحة ودوام البقاء وأخيرًا يأتي «الحاخام»- رئيس الطائفة اليهودية- وهو يرتدي الملابس الخاصة ليهنئ السلطان، وبعد انتهاء كل هذه الإجراءات تعزف الموسيقى مرة أخرى فيعود والدي إلى بهو الاستراحة ليستريح، ثم يعود إلى بهو الاستقبال لاستقبال الباشوات وذوي المناصب الصغيرة والضباط ثم الكتاب، وهكذا تنتهي مراسيم اليوم الأول للعيد، ثم توزع الحلويات والمرطبات، وكان والدي يرسل قسم منها إلى منازل الوكلاء والوزراء.
وكنا نتناول طعام الغداء في قصر «دولما باهجه»، ومن عادة القصر أن يقف الخازندار في وسط البهو بملابسه الجميلة مع اثنين من وكلائه (مساعديه)، وهما يمسكان قطعة قماش مليئة بالقطع النقدية فيمد الخازندار يديه داخل قطعة القماش ويبدأ بإلقاء القطع النقدية هذه، فكان الأطفال ونساء الخدم والضيوف يتسابقون بالتقاط هذه النقود.
بعد الانتهاء من مراسيم التهنئة كانت العادة أن يذهب السلطان إلى قسم الحريم ويتناول طعام الغداء في قصر «دولما باهجه» ولكنه ترك العادة فيما بعد.
وكان رئيس الكتاب يذهب إلى السلطانة الوالدة الأم ويخبرها ببدء مراسيم التشريفات المبجلة، فكانت الوالدة الأم تأمر بتجهيز العربات فنركب العربات، ونذهب إلى قصر «يلدز» تتقدمنا الوالدة السلطانة الأم، وفي هذه الأثناء كان السلطان عبد الحميد يعود من صلاة الجمعة فيستقبل أفراد عائلته، ويتقبل تهاني العيد.
وكانت فرقة موسيقى «الفرقة الثانية» تأتي إلى حديقة القصر الصغير فتعزف النشيد الوطني، ثم تعزف مقطوعات أخرى وتخرج، وفي اليوم الثاني تأتي نفس الفرقة فتعزف النشيد الوطني، ثم تعزف خمس مقطوعات موسيقية، وتؤدي التحية وهكذا تأتي الفرق الموسيقية الأخرى التابعة للجيش فتعزف كل فرقة خمس مقطوعات خاصة بها، ثم تعزف جميع هذه الفرق موسيقى التحية للسلطان، ثم يستلمون الجوائز المالية، وهذه الفرق هي: فرقة أرتو نحرول، فرقة الخيالة، وفرقة المدافع، فرقة البحرية، ثكنة السليمية، ثكنة الطاش، فرقة موسيقى الصبيان.
وكان هؤلاء يؤدون التحية في الساعة الخامسة مساء، ثم يقوم ناظر الخزينة الخاصة بتوزيع هذه العوائد المالية لهم، وكنا نحن نشاهد كل هذا من نوافذ وشرفات القصر، والعيدان عيد الفطر والعيد الأضحى، يمران هكذا.
في اليوم الثاني للعيد كان يحضر إلى القصر الأمراء وزوجاتهم فيتم استضافتهم على أحسن وجه.
وكانت هذه الأعياد بقدر ما تسعدنا تتعبنا، كان لعيد الأضحى خاصية جميلة فقبل العيد بيومين تجمع في حديقة القصر الضحايا التي سترسل من قبل السلطان إلى الوزراء والأمراء فكان ناظر (مسؤول) الخزينة الخاصة يقود قطيع الضحايا، ويمر بهم من أمام باب القصر، وكانت هذه الضحايا تصبغ بالألوان المختلفة، وتوضع حول أعناقها الشرائط الملونة، ويقود كل خادم واحدة منها، وكان هؤلاء الخدم يرتدون الشلوار الأخضر والصديري «يلك»، ويمرون من أمام باب القصر.
أما الخاصية الثانية لعيد الأضحى فهي: عندما يخرج السلطان من باب الجامع وقبل أن يركب العربة السلطانية الخاصة، كان يوضع أمام باب الجامع خروفًا كبيرًا وبجانبه سكين، فيتناول والدي السكين ويمسحها على رأس الخروف، ثم يركب العربة عندئذ ينحر الخروف ليوزع لحمه صدقة في نفس الجامع، وكانت هذه هي إحدى العادات المتبعة في ذلك الوقت، وكان السلطان يرسل إلينا الضحايا لنذبحها ونوزعها على الجوامع والمساجد والفقراء.
▪ الزلزال الذي حدث في عيد الأضحى 31 آذار 1901:
صادف عيد الأضحى المبارك في أحد السنين يوم 31 آذار 1901، وكنا نحن كالمعتاد في قصر «دولما باهجه»، وكنا نشاهد مراسيم التهنئة من الألواج الخاصة بنا، وفجأة بدأ زلزال شديد، وقد صادف وأن شاهدت مثل هذا الزلزال في طفولتي فتذكرت ما حدث في ذلك الوقت، فبدأت أرتجف لأنني ظننت بأن القصر على وشك أن يتهدم وقد تسمر الجميع في مكانه، وبدأ بالصراخ «الله، الله» وبدأ البعض بالبكاء، وأصيب البعض الآخر بالإغماء، وفي هذه الأثناء بالذات انفصل القسم الوسطي من الثريا المعلقة في السقف وسقطت في وسط البهو، وتحطم زجاج النافذة التي في الجهة اليسرى وراء والدي محدثًا أصواتًا مخيفة، فكنا نحتضن الواحدة الأخرى من الرعب، وفجأة ارتفع صوت المؤذن عبد الله العربي فاستطاع هذا الصوت الجهوري المؤمن أن يهدئ من روعنا، ويملأ قلوبنا بالإيمان، فبدأنا نحن أيضًا بالدعاء والابتهال، ثم تذكرنا والدي فتراكضنا نحو النوافذ لنرى ماذا يجري في البهو، وكانت الضوضاء تسود المكان ولم يكن أي شخص في مكانه إلا والدي، فقد رأيناه واقفًا أمام العرش وهو يستمع إلى الأذان المحمدي.
ثم عاد كل شيء إلى وضعه الطبيعي وساد الهدوء فجلس والدي على العرش، وبدأت مراسيم التهنئة مرة أخرى.
ثم سمعنا بعد ذلك أن عددًا كبيرًا من الموجودين قد ألقوا بأنفسهم إلى الخارج من هذه النافذة المكسورة، وكان وزن القسم الذي وقع من الثريا يبلغ (700) كيلو غرام ولم تكن هناك أية إصابة نتيجة لسقوطها.
▪ الاحتفال بمرور (25) عامًا على الجلوس السلطاني: (عيد الجلوس)
في يوم الجلوس كان والدي يستيقظ مبكرًا، ويذهب إلى المجلس السلطاني الكبير ويبقى هناك حتى وقت العصر، ليستقبل الوكلاء والوزراء والمشاوريين والسفراء الأجانب، ويتقبل تهنئتهم، ثم يعود مساء إلى قصر الحريم ليتقبل تهاني أفراد عائلته، وكنا نحن نرتدي أجمل ثيابنا، ونتقلد الميداليات والنياشين، ونذهب إلى البهو الكبير لنقدم له تبريكاتنا.
وكانت حدائق القصر تزين بالأعلام والنواقيس الملونة ولافتات تحمل كلمة «فليعيش السلطان»، وكنا في ذلك اليوم نحتفل فيما بيننا بترتيب الزيارات، ونقضي الوقت بالمسامرة والضحك، وكان خدم القصر يرتدون أجمل ثيابهم التقليدية، وتعزف الموسيقى أجمل الألحان.
وعندما تعلمت القراءة لأول مرة بواسطة أستاذي «كامل أفندي»، كتب لي هذا الأستاذ دعاء جميلًا فكتبته بخط يدي، فوضعه الأستاذ داخل مظروف، وطلب مني أن أقدمه إلى والدي في يوم عيد الجلوس.
وفعلًا عندما عاد والدي بعد انتهاء التبريكات فدخلت عليه، وقبلت يده، ثم أعطيته الظرف فابتسم وفتحه، ثم قرأه وبان عليه السرور والرضا، فقبل خدي، ومسح على شعري قائلًا: «إنه خط جميل جدًا، وأنا أشكرك كثيرًا، وإن شاء الله تتفوقين أكثر فأكثر» ففرحت جدًا لهذا الإطراء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل