; وتبقى معطيات هذا الدين هي الحكم | مجلة المجتمع

العنوان وتبقى معطيات هذا الدين هي الحكم

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2013

مشاهدات 67

نشر في العدد 2050

نشر في الصفحة 66

السبت 27-أبريل-2013

ورد في إحدى الصحف خبر عن دعوة أحد كبار القضاة الإنجليز إلى ضرورة العودة إلى حكم الإعدام لمجابهة موجة الجرائم المتزايدة في بريطانيا، والتي يذهب ضحيتها أناس أبرياء لا لشيء إلا لأن المجرم يمارس جرمه، وهو مطمئن إلى أن حبل المشنقة لن يلتف حول عنقه.

وقال الرجل: إن تنفيذ حكم الإعدام بقلة من هؤلاء سوف يحد من الجريمة إلى مدى كبير، ولن تضطر الأجهزة القضائية إلى تنفيذ المزيد من أحكام الإعدام.

تلك هي القضية التي غفل عنها المشرع الوضعي، وأكدتها الأديان.. أليست هذه المؤشرات التي تصدر عن الرجل تمثل تعبيرًا واضحًا عن مضمون الآية القرآنية الكريمة، ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩).

وتلك هي مأساة الفكر الوضعي في نظمه وممارساته وتشريعاته ومذاهبه.. إنه يدور دائمًا في الحلقة المفرغة، ويعود لكي يبدأ من جديد.

ويمارس الكثير الكثير من تجارب الخطأ والصواب.. يضيع فيها الوقت، وتبدد الجهود والطاقات، وتهدر الحقوق والواجبات، وتزهق أرواح بريئة، ويداس على زهرات بيضاء.. لكي ما يلبث أن يرجع ثانية إلى هذا المنطلق أو ذاك ممارسا مأساة الخطأ والصواب.

إن هندسة العبيد ذات المنطلقات النسبية والرؤية المحدودة والعلم القلق لا يمكن إلا أن تتضمن الكثير من الأخطاء والفجوات التي قد تهز معطياتها، وتصيبها بالشروخ والكسور، وقد تسقطها في يوم قريب أو بعيد.

ولكن هندسة الله سبحانه -إذا صح التعبير- شيء آخر تماماً لأنها تصدر عن علم مطلق ورؤية شمولية ومنطلقات ثابتة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

إنه سبحانه خالق الإنسان، وهو أعلم بمن خلق.. وصانع الكون فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

إن معطيات الوحي هي صيغ نهائية تنطبق بانسجام وتوافق هندسي باهر مع فطرة الإنسان وتكوينه وعلاقاته الاجتماعية المتشابكة؛ لأنها من صنع الله الذي اتقن كل شيء.

فلماذا نتجاوز هذه المنحة الكبيرة؟ ونسعى كالأطفال الذين يرفضون نصائح الكبار في ألا يسيروا من هنا، ويركضوا إلى هناك لكي ما نلبث أن نقع في الحفر العميقة، فنتهشم ونغد و حطامًا!

ومع ذلك فنحن لا نتعلم، ونعود ثانية لكي نجري على غير هدى، ونسقط مرات ومرات، فنتحطم ونغدو مزقًا وأشتاتًا.. ولكننا لا نتعلم.

نحن هنا بصدد هذا المبدأ القرآني نجد كيف أن القصاص يمثل ضرورة محتومة لاستمرار الحياة وضمان صيرورتها وحماية حق الإنسان من العدوان والتبديد.

أن تحكم على قاتل بالإعدام فكأنك عصمت دماء عشرات من الناس، وأن تلف حبل المشنقة على هذا العنق أو ذاك، فكأنك حررت أعناق آلاف الناس وعصمتها من الخوف والقتل والعدوان.

إن قتل إنسان واحد عمدًا هو قتل للناس جميعًا، وحمايته من القتل هو حماية لهم جميعًا.

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (المائدة: 32).

وهكذا، فإن عدم أخذ القاتل بجرمه.. يعد إسهامًا في قتل البشرية.. والقصاص منه حياة للبشرية.

إنها المعادلة الإلهية التي لن يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، والتي تمنحنا الرقم المطلق في صوابه إزاء أية تجربة من ممارسات الإنسان.

ومن قبل كان الغربيون قد أخذوا على الإسلام مبدأ إباحة الطلاق.. ووجهوا إليه أشد النقد، وعنفوه أشد التعنيف، واتهموه بكونه موقفًا لا إنسانيًا.. ومن وراء الغربيين أتباعهم هنا في الشرق اندفعوا في طريق النقد والتعنيف على غير هدى.. ففاقوا في هجماتهم أساتذتهم هناك.

ثم تبين للغربيين أخيرًا بعد ضغوط التجربة البشرية نفسها، وبعدما جرعهم إياه تشبثهم بالرباط الأبدي في الحياة الزوجية من محن وويلات وفضائح ومصائب وآلام.. تبين لهم كم أن الطلاق ضروري في معادلات هذه التجربة.. فها هو البرلمان الإيطالي يصوت في أواخر الستينيات من هذا القرن على إباحة الطلاق بعد كفاح طويل، فترتفع أيدي الأكثرية مؤيدة المشروع، وتعتبره الأحزاب التقدمية كسبًا كبيرًا لصالح الإنسان!

ويعود الضالون إلى مقولات الإسلام من حيث لا يشعرون.

وتبقى معطيات هذا الدين هي الحكم الفصل في كل تجربة بشرية، أمس، واليوم، وغدًا.

الرابط المختصر :