العنوان وتحبون المال حبًا جمًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 18-أبريل-1982
مشاهدات 98
نشر في العدد 566
نشر في الصفحة 9
الأحد 18-أبريل-1982
- انصرف الناس عن التعليم عندما تحققت الحوافز في سوق المناخ بصورة خيالية.
- استطاع سوق المناخ أن يستقطب معظم الممتنعين عن أخذ الفوائد الربوية وسهل لهم التعامل بالحرام.
- لم يعد للأستاذ الجامعي حافز للبحث العلمي أمام أرباح المواطن الأمي الخيالية.
- استطاع البنك الدولي أن يوحي بفكرة البورصة ويصرف المواطنين عن قضاياهم العربية والوطنية؟
- سوق المناخ قتل المشاريع الصناعية ووأد الإبداع والتصنيع.
- سوق المناخ حول منطقنا إلى منطق أهل مدين... فأين شعيب منا؟
- في المنطقة التجارية من مدينة الكويت... في منتصفها وفي أحد مباني مواقف السيارات... سوق أطلق عليه سوق المناخ... أي سوق البورصة الموازي... حيث يرتفع سعر المتر إلى آلاف... ويرتفع سعر «الخلو» إلى ملايين... حيث تهوى أفئدة الكويتيين إليه... وتنعدم الفوارق فيه... الصغير مع الكبير... والأكاديمي مع الأمي... والعوام مع الوجهاء... والبادي مع الحاضر...
ناس تغدو... تروح وتجيء... وأخرى شاردة الذهن... جامدة... في غيبوبة الحسابات والنتائج... وأخرى تلفها اللهفة المترقبة... كيانها وحواسها وذهنها... كلها... منصرفة إلى صيحة المنادي يوم ينادي: «الشركة الفلانية...» عالم آخر... عالم المال... حيث تنصهر المشاعر والأحاسيس... ويتحول الحب والعشق للمال المجموع... الداخل بمئات يخرج بآلاف... والداخل بآلاف يخرج بملايين وقد يكون العكس... إنها صورة حية تجسد قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: 20)
- ألوهية المال
- هذا السوق الجديد الذي بدأ يجسد «ألوهية المال» ... لم يعد سوقًا فحسب... بل أصبح محطة تحول جذرية في المجتمع الكويتي... وليس غريبًا أن يطلق على هذا الجيل... «الجيل المناخي» أو «الجيل البورصي»... لم يتوقف أثر هذا السوق على تحطيم الاقتصاد الكويتي فحسب... ولم يتوقف عند خلق الفوضى الاقتصادية... بل تجاوز إلى التأثير على المسلك الفردي... والمسلك البيتي... والمسلك الجماعي... والمسلك الاجتماعي...
- استسهال الحرام
- إذا كان كثير من الكويتيين صمدوا أمام إغراءات الفوائد البنكية الربوية... وإذا كانوا قد آثروا دينهم على دنياهم... والحلال على الحرام... فإن سوق المناخ حطم هذا الصمود... فإن أرباحه السريعة والضخمة لا تدع ناظرًا أو سامعًا يثبت لحظة... إلا من رحم الله...
إن أخطر آثار هذا السوق هو استسهال التعامل بالحرام... وهو أخطر عوامل الجزر في الحركة الإسلامية... إذ أن التعامل بالربا وقبول مال الحرام خطوة من خطوات الشيطان... تجر إلى ما وراءها ومن أصدق من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال «إن لكل أمة فتنة... وإن فتنة أمتي المال» الترمذي.
الانصراف عن القضايا الوطنية
- المعروف أن فكرة البورصة الكويتية هي فكرة غربية جلبها لنا البنك الدولي... والمعروف لدى المطلعين أن البنك الدولي هو أداة استعمارية جديدة مهمته حفظ مصالح الرأسمالية الغربية... وإذا ربطنا هاتين الحقيقتين بواقع الناس وانصرافهم عن القضايا الوطنية تبين لنا نجاح الاستعمار في إتمام مهمته...
لم يعد كثير من الكويتيين يحفلون بالأحداث السياسية... ولا الأحداث المحلية... لا يعنيهم المسار الشورى في الكويت... ولا حركة الحياة النيابية... بل يميل معظمهم إلى الركود السياسي... فهم يعلمون أن الركود السياسي عامل مهم في إنعاش سوق المناخ وإن سوق المناخ يتأثر بالحركة السياسية...
وقد أقر قانون التجمعات ولم يتحرك ساكن... وما زال قانون المطبوعات يدور في أروقة المجلس ولا اكتراث بما يدور... وتقدمت الحكومة بمقترحات لتعديل الدستور والناس منصرفة لإنعاش سوق المناخ... الأحداث تتوالى... ومصائر الأمة العربية تتأرجح... والناس مصوبة أبصارها وأنظارها إلى المال... المال... المال... وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «يقول العبد: «مالي... مالي» ... وإنما له من ماله ثلاث:
- ما أكل فأفنى.
- أو لبس فأبلى.
- أو أعطى فاقتنى.
- وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس»
مسلم.
- الانصراف عن التعليم
إذا كان الكويتيون يمثلون ثلث سكان الكويت... فإن المطلوب من هذا الثلث أن يكون في قمة الجهاز الإداري... وهذا يتطلب إعدادًا تعليميًا وتأهيلًا علميًا للكويتيين... فالتعليم ضرورة ملحة للكويتيين حتى يتمكنوا من إدارة بلدهم...
والحافز الأساسي للتعليم هو المقابل المادي والمكانة الاجتماعية وخدمة الأهداف العامة... فإذا تحصلت بعض هذه الحوافز بطريق سهل قصير فإن الإنسان سيلجأ إليه... وقد أثبت المناخ بأنه أقصر الطرق... فإذا كان ما يحصله الدكتور الجامعي هو عشرة آلاف دينار في السنة الواحدة... فإن الأمي المتعامل في سوق المناخ يحصل هذا المبلغ في ساعة واحدة... تقول واحدة من أساتذة الجامعة الدكتورة موضى الحمود:
«إن إغراءات البورصة لم تقف الى حد الذين انتهت الدولة من تأهيلهم في الداخل والخارج... بل امتدت لتشمل أيضا هؤلاء الموجودين فعلا في قاعات الدرس بالجامعة وذلك ما نلمسه يوميًا في محاضراتنا... فقد أصبح معظم طلبتنا يقارنون بين المكاسب الهائلة والسريعة التي يمكن تحقيقها نتيجة التعامل في الأوراق المالية في سوق المناخ... وبين العائد المادي المتوقع من الوظيفة بعد التخرج مما جرف الكثير منهم في هذا التيار على حساب الاهتمام بالعلم والتحصيل»
وصار من يهتم بالمواظبة والحضور للجامعة منهم مشتتًا... فهو بجسده في قاعة الدرس وبعقله وفكره وحواسه في سوق المناخ وأصبحت الظاهرة تدعو إلى البحث والتأمل خوفًا من أن يهدم التيار كل قاعدة البناء».
- خلخلة الجهاز الإداري
إذا كان الجهاز الإداري الحكومي يعاني من نقص في الكفاءات الكويتية... وإذا كان شعار «التكويت» جاء نتيجة هذا النقص... فإن سوق المناخ امتص ما تبقى من كفاءات... إن مديري الإدارات والشركات ومجموعة كبيرة من المهندسين والفنيين هجروا تخصصاتهم ركضًا وراء مضاربات سوق الأسهم... وإن بعض الذين ما زالوا في مواقعهم انخفض أداؤهم الوظيفي إلى أدنى الدرجات وأصبح قلبهم معلقًا في سوق المناخ...
إن أكبر كارثة تنتظر الكويت أن تصبح دولة يدير أجهزتها الوافدون... وإن سكانها منصرفون إلى مكان واحد اسمه سوق المناخ... وإن مما يحز في النفس أن الدولة صرفت بلايين الدنانير لتؤهل أبناءها... ولا تستفيد من هذا التأهيل...
- الظلم في توزيع الثروة الوطنية
يظن بعض الناس أن من فوائد سوق الأسهم إنه يتولى تدوير وتوزيع الثروة الوطنية على أوسع شريحة من المواطنين... وهذا فهم معكوس... إذ أن سوق الأسهم يتولى توزيع الثروة بأسلوب عشوائي... كمن لديه ثروة هائلة ينثرها بين الناس ويتزاحمون على التقاطها من الأرض...
إن التوزيع للثروة يجب أن يكون مؤسسًا على معيار ثابت وواضح... فما هو المعيار في توزيع الثروة من خلال سوق المناخ؟ ... هل هو الكفاءة العلمية؟ أم هو خدمة الأهداف الوطنية؟ أم هو الأداء المتكامل؟ ما هو المعيار؟.
إن المعيار الأساسي في سوق المناخ هو الحظ وهل يقول عاقل: إن الحظ معيار واضح وثابت لتوزيع الثروة الوطنية؟! وإذا قال قائل بذلك فما هي الوسائل التي تؤهل المرء بالحظة وكيف يصبح محظوظًا؟ أ بالتعليم؟ أم «بالفهلوة»؟ أم بالمكر والخديعة؟.
إن دورة المال في سوق المناخ شبيهة بدورة المال على مائدة القمار... ومن الظلم أن يتساوى في توزيع الدخل من صرف نصف عمره في التأهيل والتعليم مع من رفض التعليم واتجه لسوق المناخ!! بل إن هذا السوق يشكل تهديدًا مستمرًا لتركيبة المجتمع الكويتي... إذ أنه بعد عدة أعوام ستتولد مشكلة الطبقية بين الكويتيين عندما يصبح المليون رقمًا صغيرًا عند الأثرياء في حين أن الواحد من آلاف المواطنين لا يملكون... ألف الدينار؟!
مؤامرة على الاقتصاد الوطني
انصرف معظم الكويتيين عن المشاريع النافعة... واتجهوا إلى المضاربة بالأوراق المالية... وأنشأوا شركات وهمية هدفها الحقيقي إنعاش المضاربات بالسوق... لم تعد الناس تفكر في ربح من مصنع... أو ربح من مؤسسة تجارية... أو ربح من شركة مقاولات... فأرباح المصانع والمؤسسات والشركات لا تضاهي أرباح مضاربات السوق...
وبدلًا من أن يتجه المال نحو تصنيع الثروة الطبيعية... اتجهت الأموال نحو وهم سوق المناخ.
إن النفط الذي نملكه بدلًا من بيعه بخمسة وثلاثين دولارًا للبرميل الواحد بإمكاننا أن نبيعه مكررًا بثلاثمائة وخمسين دولارا للبرميل... وبإمكاننا أن نبيعه مصنعًا بأضعاف هذا الرقم للبرميل الواحد... إن النفط الذي نملكه ذو عمر قصير محدود فإذا لم نستغله اليوم وانصرفنا إلى سوق المناخ نكون قد ارتكبنا جرما في حق أجيالنا المقبلة.
إن أخطر ما في سوق المناخ من هذا الجانب هو صرف العقول عن الإبداع والتصنيع وحصرها في المقامرة والمضاربة... كما أنه يمثل عقبة في طريق التصنيع الذاتي ويرسخ الوضع القائم في أن تكون الكويت سوقًا لمبيعات الدول المستعمرة.
هل نحن قوم مدين؟!
إن سوق المناخ يمثل خطرًا حقيقيًا على مستقبل البلاد... وإن فتنته لا تدع لكثير من الناس فرصة للتفكر والتدبر في مستقبل الأجيال ومصلحة الكويت... وإن الانصراف إلى جمع المال بالصورة التي عليها كثير من الكويتيين اليوم تمثل انحرافًا رهيبًا عن الإسلام... وتكرر نموذج قوم مدين الذين لم يستمعوا لنبي الله شعيب... ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود: 84-85-86-87-88-89-90-91-92-93-94-95)