; وثائق من تاريخنا المعاصر - النشاط الصهيوني في إفريقيا 1956- 1968 | مجلة المجتمع

العنوان وثائق من تاريخنا المعاصر - النشاط الصهيوني في إفريقيا 1956- 1968

الكاتب عبد الله المدرس

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1976

مشاهدات 46

نشر في العدد 290

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 09-مارس-1976

تمكنت الصهيونية في فلسطين المحتلة من إنشاء علاقات سياسية وثقافية واقتصادية وثيقة مع عدد كبير من الدول الإفريقية في سنين معدودات، مستغلة امتدادها إلى البحر الأحمر ووجود ميناء إيلات كمركز رئيسي للاتصال بإفريقيا عبر خليج العقبة الذي ضمنت قرارات مجلس الأمن حمايته طيلة الأعوام بين حربي ١٩٥٦-١٩٦٧!! ومنذ ذلك الوقت راحت إسرائيل تبذل نشاطًا مضاعفًا للنفاذ إلى قلب إفريقيا عن طريق زعماء الـدول الإفريقية، والمؤسسات التبشيرية والاستعمارية، وأصحاب رؤوس الأموال ومدراء المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية.

والصهيونية تسعى دائمًا- نظـرًا لانغلاقها التاريخي على الأمم والشعوب- إلى أن تبدأ طريقها من فوق.. من الزعماء وأرباب المال وكبار المثقفين. وهكذا نجد إسرائيل تنشئ علاقاتها مع عدد من الدول الإفريقية دون أن يكون لشعوب تلك الدول رأى حول الموضوع، ربما كانت لبعضها مواقف عدائية ضد الصهيونية. ولكن تلك الشعوب سرعان ما تؤخذ بهذه المصالح المتبادلة بين دولها والصهيونية وبهذا العطف الذي تمنحه الحركة الصهيونية لهذه الدول الناشئة، وبذلك الترحيب الذي تلقاه البعثات الإفريقية إلى إسرائيل وبتلك الجهود التي يبذلها الخبـراء الإسرائيليون في شتى الحقول الإفريقية. 

وهكذا يزداد الخطر الصهيوني ويتسع نطاقه، ذلك أنه لا يكتفي بالبقاء معلقًا على نطاق القادة وأرباب الفكر والمال، بل ينساب، کالأفعى، هادئًا ناعمًا، إلى القواعد.. ثم أن القضية ليست قضية إسرائيل فحسب بل هي قضية حركة عالية، تدعمها الماسونية التي تشكل- في ظاهرها- أكبر وأعظم انفتاح على الاتجاهات الوطنية والتحررية والإنسانية و هكذا تمد الصهيونية- عن هذا الطريق الذي ينسجم ومشاعر الإفريقي الذي لوعته العرقية والعنصرية- نشاطها في إفريقيا، وتصافح الإفريقيين واحدًا بعد واحد، وتسهم مع الاستعمار الجديد والتبشير في محاصرة الحركات الإسلامية وتضييق الخناق على المسلمين:- بالتجويع والإرهاب والقتل والإفناء.. وهكذا نجد- مثلًا- أن مجزرة زنجبار تسهم فيها عناصر صهيونية، والانقلابات العسكرية تدفعها عناصر صهيونية، وحركات الانفصال عن الدول الإسلامية «كحركتي جنوب السودان وبیافرا» تسندها الصهيونية سياسيًا وماليًا وعسكريًا وإعلاميًا.. كما نجد الحكومات الانقلابية في إفريقيا تعد أيديها مصافحة إسرائيل ومعترفة بها.. والزعماء المسلمون الأفارقة، الذين يقفون بإخلاص ضد المطامع الصهيونية سرعان ما يطاح برؤوسهم لكي ينصب في مراكزهم قادة لهم مع الصهاينة تاريخ طويل!.

كتب الكاتب الصهيوني «داروين فرينكيل» في صحيفة «جيروزاليم بوست» مقالًا تحليليًا عن عوامل انتصــار الصهيونية جاء فيه «وثمة عامل- آخر- في نجاح سياسة إسرائيل هو توصلها إلى تعزيز علاقاتها بالدول الآخذة بأسباب النمو والتطور وخاصة إفريقيا. وقد تحقق هذا النجاح بفضل الإنجازات الفريدة من نوعها التي حققتها إسرائيل في الداخل والخارج، مما يسر لها تجاوز وتحطيم الحصار السياسي والاقتصادي العربي الذي ضرب حولها. والواقع أن علاقات إسرائيل بالدول النامية قد تجاوزت مراحلها الأولية واستقرت إلى حد كبير. 

وقد ساعد استقرار هذه العلاقات على تعزيز مركز إسرائيل وبالتالي على إضعاف مكانة العرب.. ويعتقد قادة إسرائيل أن السياسة الإسرائيلية ذات الشقين المتمثلين في القوة الرادعة العسكرية والجهود السياسية يجب أن تعزز بحيث تصبح أقوى وأقدر على القضاء على المقاومة العربية» «1». 

وقد جاء في خطاب لبن غوريون عام ١٩٦٠ «إننا لا نستطيع أن نكره جيراننا على عقد السلام معنا، ولكن ما من شيء يمكن أن يؤدي إلى تخفيف حدة البغضاء لدى العرب نحونا، وبالتالي يؤدي إلى السلام بيننا وبينهم أفضل من أن نكسب مزيدًا من الأصدقاء من دول إفريقيا وآسيا».

ويقول موسى بن مزيد عن التعاون الإسرائيلي الإفريقي: «بأن هذه الروابط إنما هي المرتكز الرئيسي لإسرائيل مع العالم الخارجي- ما وراء وفوق السور- العدائي الذي أقامه العرب حولها، هذه الروابط هي الطريق غير المباشر إلى السلام مع إسرائيل». 

وجاء في خطاب وجهه الطلاب المسلمون«!!»- الإفريقيون والآسيويون- الذين يدرسون في معهد العمل بإسرائيل، إلى كافة شعوب العالم «.. لقد جئنا إلى هنا لندرس ونتزود بالخبرة الضرورية لتنمية بلادنا.. إلا أن دوراتنا لم تتفق مع مطالبنا. لقد شغل معظم وقتنا بتغذيتنا بالدعايات حول نجاحات وإنجازات إسرائيل «الاشتراكية الصهيونية». وقد جرت محاولات لجعلنا أصدقاء أوفياء لهذا البلد وللاعتماد عليه في كفاحه ضد العرب. لهذا بذلت عناية كبيرة لتحويل تفكيرنا إلى تفكير مناوىء للعرب، والوقوف ضد إخواتنا المسلمين من البلدان العربية، ولبث كافة أنواع الافتراءات ضد هذه البلدان. وفي بعض الحالات يسعى عملاء المخابرات الإسرائيلية لجعلنا آلات طيعة لهم. لقد خصص حوالي النصف في أوقات دروسنا للشغل العلمي المزعوم في المستعمرات حيث نقوم بأتفه الأعمال. 

وغالبًا ما تدعى هذه المستعمرات هنا «بالأديرة الإسرائيلية» وقد جرت مؤخرًا عملية غش حقيرة تعرض لها أحد إخواننا من الصومال، إذ حاول ستيفن، أحد الدبلوماسيين الأمريكيين مع ضابط المخابرات الإسرائيلية تجنيده، فأغدق عليه الدولارات لكي يتعاون مع الولايات المتحدة ودوائر المخابرات الإسرائيلية. ولقد أصبح لدينا واضحًا فيما بعد أن الإسرائيليين والأمريكيين يقومون بتنفيذ برنامج خاص لتحوير تفكير الطلاب المسلمين، وهذا أمر طبيعي تمامًا لأن الأموال المعطاة من أجل دراستنا تأتي خاصة من الولايات المتحدة» «٢».

وقد استعرضت الدكتورة زهيرة حافظ عابدين، في تقريرها عن الزيارة التي قامت بها بعض الأقطار الإفريقية الشرقية عام ١٩٦٤ بدعوة من هيئة الصحة العالمية، استعرضت الأساليب الرئيسية التي مكنت الصهيونية من التغلغل في بلدان القارة وهي: 

أولًا: الإكثار من دعوة الوزراء والقادة السياسيين وأصحاب النفوذ والسلطان الإفريقي، غالبًا في طريق عودتهم من الخارج حتى لا تتحمل نفقات السفر إلى إسرائيل حيث تعمل جاهدة على إقناعهم بفكرة عبقريتها وقدرتها الإنتاجية وتقدمها ونشاطها في مختلف الميادين، ممـا يشجعهم على فتح الباب لها للمساعدة في شتى الميادين.

ثانيًا: المبادرة بعض خدمات لكل فروع تشم رغبة الحكومة فيه أو حاجة البلاد إليه ... والواقع أن الإنكليز والغرب عمومًا ما زالوا قابضين على السلطة الحقيقية حتى في البلاد التي نالت استقلالها. فمثلًا وزير الصحة هو وزير سياسي أسمي في حين أن مديـر الصحة إنكليزي يسيطر على معظم شؤون الصحة وهكذا.. وهؤلاء المستعمرون يمهدون لتغلغل إسرائيل ويسهلون لها الأمر بكافة الطرق.

ثالثًا: الإكثار من دعوة المبعوثين من أهل البلاد الإفريقية إلى برامج ثقافية «قصيرة في الغالب» ليرجعوا ويقبضوا على السلطات المختلفة ويكونوا أداة لتنفيذ رغبات إسرائيل وسياستها» «3».

وتتبع إسرائيل، من أجل تحقيق أهدافها في إفريقيا منهجًا إعلاميًا مدروسًا يعد بمثابة الجسر الذي يجتازه النفوذ الصهيوني إلى هناك. ولا بد لنا من استعراض الخطوط الرئيسية لذلك المنهج إذا ما أردنا أن ندرك أبعاد الدور الذي يلعبه اليهود في إفريقيا، نقلًا عـن الدراسة القيمة التي نشرتها مجلة «حضارة الإسلام» تحت عنوان «أضواء على الإعلام الإسرائيلي» عدد ٩- ١٠ السنة العاشرة والتي بدأتها بعدد من الملاحظات التمهيدية التي لا بد من تسجيلها لدى الحديث عن النشاط الإعلامي الإسرائيلي في إفريقيا، منها أن الدول الإفريقية حديثة الـولادة بالتعامل مع إسرائيل، ومنها غياب الوجود العربي في القارة السوداء. ويهـدف الإعلام الإسرائيلي في القارة إلى فك طوق العزلة الإقليمية الذي تفرضه عليها الدول العربية وأن تجعل منها مجالًا حيويًا لها في جميع المجالات. كما يهدف إلى حصـــول إسرائيل على تأييد الدول الإفريقية في مواقفها، وإلى أن ترسخ لدى قادة إفريقيا بأنها تكون، تاريخيًا وجغرافيًا واقتصاديًا جزءًا لا يتجزأ من العالم الأفرو- آسيوي، النامي.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف يتبـع الإعلام الإسرائيلي المداخل الرئيسية التالية: 

  1. التأكيد على «وحدة التجربة التاريخية النفسية للشعبين اليهودي والإفريقي». ولقد ردد هذه النغمة العديد من الكتاب العاملين في الإعلام. ونكتفي في هذا المجال بقول أشكول في برلمان ساحل العاج عام ٩٦٦ يقول: «إن الدول الإفريقية وإسرائيل كافحت سوية ضد التمييز العنصري والتعصب الديني بكافة أشكالهما وحيثما ظهرا». وإن إسرائيل ولدت «نتيجة شوق للحرية وذكريات الاضطهاد» ولهذا فإنها تتابع بعطف بناء المجتمعات الجديدة في كافة أنحاء إفريقية. 
  2. التأكيد على أهمية التجربة الإسرائيلية «الفريدة والرائدة»- على حد زعمهم- في أنحاء الدول الإفريقية ولا يكاد المسؤولون الإسرائيليون يتركون فرصة دون تبشير الدول النامية بصفة عامة والدول الإفريقية بصفة خاصة بأهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه تجربة إسرائيل «الفريدة والرائدة» في نمائها وتقدمها. وهم يعتبرون تلك التجربة نتيجة للظروف التي عاشها الشعب اليهودي في المنفى. لقد تحدث بن غوريون في مقدمة الكتاب السنوي للكيان الصهيوني لعام ١٩٦٠- ١٩٦١ فقال: إن سبب اجتذاب إسرائيل للإفريقيين لا يرجع لكونهـا «قوية وعظيمة، غنية وكريمة، ولكن لأن الدول الحديثة ترى فيها مثالًا مناسبًا ومفيدًا جدًا تحاول بنجاح غير قليل حل المشاكل التي تهم البلدان القديمة والحديثة في إفريقيا وآسيا».
  3. التأكيد على علاقات إسرائيل بإفريقيا من الأطماع السياسية. وفي هذا المجال يقول أشكول: «إنه ليس لإسرائيل رغبة في أن يكون لها موطئ قدم في هذه الأقطار ضد إرادتها ومصالحها. إن اهتمامنا الأكبر منصب على نقل المعرفة والخبرة إلى الموظفين المحليين بحيث يصبحون قادرين بأقرب وقت على استلام المسؤولية بأنفسهم» ويقول: «إن عمل إسرائيل في إفريقيا ليس مساعدة ولكنه تعاون. فنحن نعلم ولكن نتعلم أيضًا ونكسب مقابل عملنا مكانًا في ملحمة الحرية الإفريقية» ولكن الواقع يرد هذا الادعاء ويدحضه، وفي ذلك يقول موشيه ليشيم رئيس الدائرة الإفريقية بوزارة خارجيـة العدو: «إن رغبة إسرائيل المشروعة في إيجاد أسواق لمنتجاتها إنما يقابلها رغبـة كبرى لدى الحكومات الإفريقية في تنويع وارداتها».

هـ- التأكيد على الدور الهام الذي تلعبه إفريقيا في تحقيق السلام في الشرق الأوسط وينطلق هذا المدخل الإعلامي من افتراض وحدة النظرة الإسرائيلية الإفريقية إزاء العلاقات الدولية مثل ضرورة حل المنازعات بالطرق السلمية ونزع السلاح ومعارضة التدخل واستعمال العنف.. ولقد أوضح بن غوريون في مقدمة لكتابه السنوي لعام ١٩٦٠- ١٩٦١ من أن الطريق الأكثر ضمانة للوصول إلى السلام والتعاون مع جيراننا، لا يكون بدعوة شعب إسرائيل ووعظه بالسلام كما يفعل بعض محبي السلام من البسطاء. ولكن عن طريق الحصول على أكبر عدد ممكن من تقدم الشعوب النامية والذين سينقلون ذلك المفهوم إلى جيراننا. ولقد عبر عن هذه الفكرة رئيس الدائرة الإفريقية فقال: «إن صداقة إفريقية هي عامل توازن قوي لصالح إسرائيل في العالم الإفريقي الآسيوي. وقد تكون ذات دور في إقناع العرب بالتفكير بالتعايش السلمي.. وكان من نتيجة هذا الإعلام المدروس تجاه إفريقية أن تمكنت الصهيونية من إنشاء علاقات دبلوماسية بإحدى وثلاثين دولة إفريقية من مجموع ثمان وثلاثين «حتى عام ١٩٦٨». ومن بين هذه الإحـدي والثلاثين هناك تسع وعشرون دولـة غدت علاقاتها بإسرائيل على درجة سفارة أما تعداد الجالية اليهودية في إفريقيا، فقد بلغ حتى عام ١٩٦٥ 501.680 يهوديًا. 

فإذا ما انتقلنا لاستعراض وتحليل النشاط اليهودي الفعلي في إفريقيا فإننا سنرى الكثير الكثير. 

في نيجيريا كان للصهيونية- كما يؤكد أحد أعضاء الوفد النيجيري الذي زار عدد من العواصم العربية سنة ١٩٦٦- نشاط ملموس قبل استقلال البلاد، وذلك بنشر دعايتها الاقتصادية والزراعية. أما بعد الاستقلال فقد ظهر فشلها وخيبتها، وذلك لأن موقف الشباب النيجيري المسلم من قضية فلسطين يهدد الصهيونية لأنه يعاديها عداء لا هوادة فيه بدافع من أخوة الاسلام وعقيدته «٤». 

وقد ألقى الزعيم الراحل أحمدو بللو مزيدًا من الأضواء على هذه الحقيقة، وحذر من مخاطر السياسة اليهودية في إفريقيا، عندما كتب يقول: «إن التغلغل الصهيوني في بعض الدول الإفريقية سيكون له الأثر الخطير بين أفراد الشعوب الإفريقية.. فإننا نعلم أن سياسة مص الدماء للشعوب الإفريقية المتحررة والتي تريد أن تبني اقتصادًا ذاتيًا وتحاول التقدم سريعًا متخطية ظلام استعمار عاش سنوات طويلة في القارة الإفريقية، هي سياسة صهيونية. وقد استطاعت الدول الاستعمارية أن تثبت أقدام الصهيونية في البلدان الإفريقية. وبعد فترة غير قصيرة ستجد أن الدول التي أغلقت الأبواب أمام سياسة مص الدماء قد تقدمت.. أما الدول التي تركت اقتصادها في يد بعثات النصب الصهيونية فهي دون شك متأخرة كثيرًا.. وهناك كثير من البلاد الإفريقية، وخاصة التي نالت استقلالها حديثًا، تشعر تمامًا بالخطر الصهيوني فلا تفكر في الارتباط أو الوقوع في الفخ. فعندنا، في الإقليم الشمالي في نيجيريا حاولت بريطانيا أن تثبت بعض النفوذ الصهيوني، ولكننا منعنا تثبيت العصابة في بلادنا، وأعلنا أننا غير ملزمين بأي ارتباط، سواء كان على شكل اتفاق أو على أي شكل آخر مع الصهيونية تعقده الحكومة الفدرالية أو بقية الحكومات الإقليمية. كان هذا قبل الاستقلال عندما كانت الأمور بيد بريطانيا. ثم حاولت الصهيونية بعد الاستقلال أن ترسل إحدى بعثات النصب، ولكننا منعنا هذه البعثات من دخول أراضينا. وحاولت مرة أخرى أن تعقد اتفاقات فردية مع التجار، ولكننا أغلقنا كل متجر فيه بضاعة إسرائيلية. إن الشعب عندنا يكره إسرائيل لأنه شعب مسلم، ولأنه يعلم تمامًا عدم شرعية قيام إسرائيل كدولة، وعدم تكامل شروط الدولة في مجموعة الناس الذين يعيشون في رقعة أرض سرقوها أصلًا من أصحابها العرب. والشعب يعرف الدور الخطير الذي قامت به إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر.. ويعلم موقفها من التمييز العنصري في اتحاد جنوب إفريقيا، ومن رغبة الشعب الجزائري في الحرية، ومن قضايا الاستقلال في الكونغو وانغولا. لقد طلب مني يومًا أن أسمح لكولدا مايير وزیرة خارجية العدو الصهيوني بأن تقابلني فكان ردي: نعم أسمح لها بشـرط أن تسمحوا لى بإطلاق الرصاص عليها بمجرد رؤية وجهها الحاقد الكالح. إن مشاكلنا نحن المسلمين واحدة، وعدونا مشترك. وإنني أهيب بإخواني المسلمين حيث ما كانوا في العالم كله أن يقاربوا بين صفوفهم في خدمة الله- سبحانه- وفي توثيق الوحدة بين الإخوة، فإن الإسلام لم يحفظ مكانه الجدير به في العالم إلا إذا كان أبنـاؤه متحدين» «5»!! ولقد حدث قبيل مقتله أن سئل في مطار لاغوس عن تصريح إسرائيلي بعد اتفاق اقتصادي بين نيجيريا وإسرائيل فأجاب بعنف: «إن إسرائيل بالنسبة لنا غير موجودة، ولن تكون موجودة أبدًا» «٦» 

لكن انقلاب أيرونسي الدموي سرعان ما حصل كالإعصار- وفي مطلع عام ١٩٦٦- لكي يطيح بالرؤوس التي تصدت للامتداد الصهيوني هناك، وحرصت على الدفاع عن قضية المسلمين في فلسطين، ولكي يفتح الطريق ثانية أمام النشـاط اليهودي في البلاد، ذلك النشاط الذي كان من بين الأسباب التي أشعلت حرب الانفصال في بيافرا- بعد الإطاحة بأيرونسي واعتدال الأوضاع النسبي في نيجيريا- ولقد استمرت تلك الحرب سنين طوالًا ودمرت طاقات البلاد وإمكاناتها الاقتصادية والبشرية.

ولقد بدأ اهتمام اليهود بحركة الانفصال هذه، بشكل متزايد، منذ لحظاته الأولى. 

وهو اهتمام لا تتضح فيه- كالعادة- اليد اليهودية، فهم لا يتحدثون إلا نادرًا عن بيافرا.. وإذا فعلوا ففي لهجـة ظاهرها الرأفة بالجائعين والمعوزين!! ولكن أجهزة الإعلام في الغرب، خاصة في بريطانيا وفرنسا، وهي أجهزة يلعـب المال اليهودي الدور الأول في تسييرها. 

كانت دائمة التعرض لها بمناسبة وبلا مناسبة.. فلم تخل صحيفة ما من الحديث عن مئات الآلاف الذين يموتون جوعًا في بيافرا، ولم تخل مجلة ما من صور القتلى في بيافرا، ولم يقدم برنامج تلفزيوني إلا وفيه فقرة عن الأطفال الذين يتضورون من السغب. وقبل هذا وذاك الحديث بإسهاب عن السلوك المتوحش الذي تنتهجه القوات مع قبائل الإيبو، وعن حرب الإبادة التي تشنها في أراضيهم. وليس الهدف من هذه الحملات جميعًا سوی تأکید ادعاءات المتمردين في الإقليم الشرقي. بأن لا سبيل إلى العيش مع الشمال بسلام، وإظهارهم للناس بأنهم يحاربون في سبيل هدف مشروع. أما اليد اليهودية التي تحرك الانفصال فهي ممثلة في الاعتمادات المالية التي وضعها بنك روتشيلد في فرنسا تحت تصرف المتمردين لشراء الأسلحة التي انهالت عليهم من فرنسا والتي نقلت عبـر المستعمرات الفرنسية السابقة المجاورة لنيجيريا والمساعدات التي قدمتها لهم وكالة المخابرات الأمريكية. وهنا التقت اليهودية مع الصليبية في دعم الانفصال. فقد ثبت أن البعثات التبشيرية ألقت بكل ثقلها وراء أوجوكو قائد الانفصال، تمامًا كما حدث ويحدث في جنوب السودان. وعلى رأس الأهداف التي تقف وراء هذا الدعم للحركة الانفصالية، وهو فصل الشرق الغني بالنفط عن الشمال الفقير كي يقضي على إمكانية قيام دولة اتحادية قوية بزعامة الشمال ذي الثقل الإسلامي الضخم وهي الدولة التي يمكن فيها احتمال تحويل الملايين الباقية إلى الإسلام حين يمسك بزمام الأمور أناس مثل أحمدو بللو.

«1» مجلة «حضارة الإسلام» الدمشقية، السنة السادسة عدد ٢ .

«2» المصدر السابق، السنة السادسة، عدد 1. 

«۳» جريدة «المجتمع» اللبنانية، السنة الرابعة عدد 11، كانون الثاني ١٩٦٥ .

«4» انظر المقابلة كاملة في: حضارة الإسلام، السنة السادسة، عدد 1 .

«5» المجتمع، السنة الخامسة، عدد ۱۳، آذار 1966.

«6» المصدر السابق، السنة الخامسة، عدد ۱۱، شباط ١٩٦٦ .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4066

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين