; القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة- وجود الله -سبحانه وتعالى- ووحدانيته | مجلة المجتمع

العنوان القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة- وجود الله -سبحانه وتعالى- ووحدانيته

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983

مشاهدات 66

نشر في العدد 605

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 25-يناير-1983

لا يخفى ما لقضايا الإيمان والمعتقد من الأهمية؛ إذ هي أصول الدين، والفارق بين أهل الإيمان وأهل الكفر والخسران، ومسائل الإيمان علم كامل واسع الأبعاد، لا يحيط به إلا من نذر نفسه له، وأوقف جانبًا من دهره عليه، فهو يشمل العلم بصفات الله وأسمائه، وما يجب له من التوحيد والتعظيم والطاعة، وما لا يجوز أن يصرف إلا له وحده، كما أنه يشمل العلم بملائكة الله وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وقضاء الله وقدره، وهذا الجانب السابق كله جانب من جوانب قضايا الإيمان والمعتقد، وهناك جانب آخر يلازم ذلك وهو الرد على شبهات الضالين وعقائد المنحرفين الزائفين، وأهل النحل والأهواء، وأهل الكفر والنفاق من الذين لم يتركوا عقيدة من عقائد الإسلام إلا وحرفوها، أو ردوها، ولم يتركوا شريعة من شرائع الدين إلا وحاولوا إبطالها وتشويهها، فقطع يد السارق عندهم وحشية، والقصاص انتقام مذموم في زعمهم، والصوم تعطيل، والحكم بما أنزل الله رجعية، هذا مع ما زينوه للناس من باطل عقائدهم، وزيف مناهجهم، وضلال سعيهم في الحياة الدنيا، والرد على كل أولئك جانب هام من جوانب المعتقد وأصول الدين، كما قال الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (سورة الفرقان الآيات: ٥١-٥٢) أي جاهدهم بالقرآن إبطالًا لحجتهم، ودفعًا لباطلهم، ويكاد القرآن كله أن يكون نقاشًا عقائديًا في الرد على الشبهات، وتفنيد الأباطيل؛ فقد رد الله فيه على المشركين بأجناسهم، واليهود وافتراءاتهم وادعاءاتهم، والنصارى والملحدين الدهريين المكذبين بالبعث، ووضع لنا مناهج الرد والإبطال لكل ما يمكن أن يدعيه المبطلون. وهذا الجانب من الدراسات العقائدية -أعني جانب الرد على الشبهات- هو من أعظم جوانب أصول الدين، بل جعله الله غاية الخلق، وسر الوجود حيث يقول -سبحانه وتعالى-: 

﴿وَمَا خَلَقنَا ٱلسَّمَاءَ وَٱلأَرضَ وَمَا بَينَهُمَا لَٰعِبِينَ * لَو أَرَدنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهوا لَّٱتَّخَذنَٰهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ * بَل نَقذِفُ بِٱلحَقِّ عَلَى ٱلبَٰطِلِ فَيَدمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِق وَلَكُمُ ٱلوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ (سورة الأنبياء: الآيات: ١٦-١٨) فجعل سبحانه الحكمة والغاية من خلق السموات والأرض أن يقذف بالحق الذي جاء به الرسل على الباطل الذي يأتي من أعدائهم فيبطل به الباطل، ولذلك قال -سبحانه- معززًا رسوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (سورة الفرقان: ٣٣).

ولأهمية ذلك كله أقدم من خلال هذه الدراسة -التي أرجو أن يعينني الله على نشرها إلى إخواني من قراء «المجتمع»- أهم القضايا التي لا يجوز للمسلم جهلها، وأعرض مع كل قضية -بحول الله- أهم الشبهات حولها، وكيفية الرد عليها، سائلًا الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا جميعًا لمرضاته.

القضية الأولى:

وجود الله سبحانه ووحدانيته:

۱- «الله هو الإله الحق، الذي شهد بوجوده وربوبيته ووحدانيته كل موجود».

الشرح:

الله هو الاسم العلم على ذات الرب، الخالق للسموات والأرض -سبحانه وتعالى-، الذي لم يطلق على غيره، ولا يجوز أن يطلق على سواه، وهو بمعنى (الإله)؛ أي المعبود الذي يلجأ العباد إليه، ويتحيرون في كنهه وعظمته، ويعبدونه ويقدسونه ويحبونه، وكل هذه المعاني ثابتة للفظ (الإله) الذي هو أصل كلمة (الله).

فالله -سبحانه وتعالى- هو الإله الحق، وغيره من الآلهة باطل، والعرب تسمي كل ما عبد وقدس إلهًا، كما جعلوا الأصنام آلهة، وسموا الشمس (الآلهة)؛ لأنهم كانوا يعبدونها كما قال -تعالى-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (سورة فصلت: ٣٧)، وقال -تعالى- عنهم أيضًا في إنكارهم أن يكون المعبود واحدًا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (سورة ص: ٥)، فالله -سبحانه- خالق السموات والأرض، هو الإله الحق وغيره مما يعبد ويقدس آلهة باطلة، سماها الناس زورًا آلهة، وهي ليست كذلك.

وقد شهد بوجود الله وربوبيته ووحدانيته كل موجود، فأول الشاهدين على ذلك هو الله نفسه كما جاء في القرآن: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ (سورة آل عمران: ١٨)، وقد جمعت هذه الآية شهادة الله لنفسه، وكذلك شهادة الملائكة؛ فقد شهدوا لله بذلك، وقد نقل الله هذه الشهادة بالوحي إلى رسله، وبما سمعه الرسل أنفسهم من الملائكة، وأما أولو العلم فهم العلماء من أتباع الرسل، وقد شهدوا لله -سبحانه وتعالى- بأنه الرب المعبود وحده، وهذه شهادات أهل العلم من هذه الأمة منذ الصحابة الكرام إلى يومنا هذا تتوالى، وكل هؤلاء شهدوا بأن الله -سبحانه- هو الإله الحق الواحد.

وأما سائر الموجودات غير ما ذكرناه فقد شهدوا لله -سبحانه وتعالى- بلسان حالهم، وليس بلسان مقالهم، ولسان الحال بليغ، يسمعه ويفهمه ويعقله كل ذي لب وبصر وسمع، فما من موجود في السموات والأرض إلا وهو يصرخ بلسان حاله قائلًا: أنا مخلوق، والذي خلقني إله عظيم حكيم قدير، سواء كان هذا الموجود ذرة صغيرة متناهية في الصغر، أو مجرة كبيرة عظيمة في الكبر، أو خلية حية، فكل شيء قد خلق بإحسان وإتقان، ووضع في نظامه وفلكه بدقة وعرفان، ويستحيل أن يكون هذا الكون الموجود قد خلق نفسه، أو خلق من غير خالق، بل بداهة العقول حاكمة بأن لهذا الكون العظيم في سمواته وأرضه خالق عليم قدير، قد خلق كل شيء فأحسنه، قال -تعالى-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى  وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى  فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (سورة الأعلى: ١-٥).

وقال -تعالى- عن نفسه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (سورة السجدة: ٧)، وقال -تعالى-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (سورة الملك: الآيات: ١-٣)، أي هل ترى من شقوق أو خراب أو اختلاف من حيث المتانة والقوة في خلق السموات؟

وهكذا نجد أن كل موجود قد شهد لله -سبحانه وتعالى- بالوجود والوحدانية والربوبية؛ فأول الموجودات الله الذي شهد لنفسه، ثم الملائكة شهدوا لربهم، ثم الرسل وأولو العلم جيلًا بعد جيل، ثم كل الموجودات التي شهدت بلسان حالها، ولم يبق بعد ذلك إلا الجهلة من البشر، الجاحدون الذين لم يعرفوا خالقهم وموجدهم، ولم يعرفوا لماذا وجدوا في الأرض، وإلى أين يسيرون، وهؤلاء كالأنعام، بل هم أضل سبيلًا، وشهادة هؤلاء بلسانهم أن لا رب ولا خالق شهادة باطلة؛ لأنها تقوم على الجهل والجحود والنكران، فهؤلاء لو سألتهم عن خالقهم لقالوا لا نعرفه، لم نره ولم نحسه، ولو سألوا رسل الله لأخبروهم، ولو سألوا أنفسهم كيف خلقنا؟ ومن خلقنا؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ لأجابت نفوسهم أن خالقهم هو خالق هذا الكون العظيم، الذي يستحيل أن يكون قد وجد بغير موجد، وانتظم بغير منظم، ولأقروا بأن الله -سبحانه وتعالى- هو رب كل شيء، وخالق كل شيء، وأنه لا رب سواه، ولا إله غيره.

الرابط المختصر :