العنوان المجتمع الثقافي: 1841..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 28-فبراير-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1841
نشر في الصفحة 50
السبت 28-فبراير-2009
ودان ... محطة تجارية ومركز للتسويق
++
مدن القوافل.. دراسة في التاريخ الحضاري والنظم العمرانية للمدن التاريخية الموريتانية (٢)
شنقيط ... سوق للتجارة الصحراوية.. واشتهرت بمكانتها العلمية والثقافية وخرج منها علماء كبار
يحيى بن محمد بن أحريمو - باحث بالمركز الشنقيطي للبحوث
تواصل حديثنا عن التاريخ الحضاري والنظم العمرانية للمدن التاريخية في موريتانيا وتتناول في هذا العدد مدينتين كانت لهما الشهرة الواسعة قديمًا تجاريًا وثقافيًا، وهما مدينتا ودان وشنقيط.
- ودان:
تقع ودان في ولاية ادرار شمال موريتانيا على مسافة ٥٠٠ كلم شمال شرقي نواكشوط وهي بذلك تقع على الطريق التجاري القديم الرابط بين او داغست و سجلماس، كان في موضع ودان قرى بدائية صغيرة لقبيلة مسوفة المرابطية المشهورة ثم ورد عليهم حسب الروايات المحلية ثلاثة رجال قادمين من الحج وهم:
- الحاج عثمان المخزومي.
- الحاج يعقوب القهري.
- الحاج أعل اللمتوني.
وهؤلاء الرجال أجداد قبيلة إد و الحاج التي تعمر القرية إلى اليوم وتنسب إليهم الرواية تأسيس قرية ودان سنة ٥٣٦ ثم لم نزل القرية تكبر ويتزايد عمرانها حتى أصبحت منذ القرن الثامن أهم مدن أدرار وأكثرها نشاطًا وثقافة.
والراجح أن الحجاج المذكورين كانوا من مسيري القوافل بين الصحراء ومدينة اغمات ومراكش المغربيتين ومن هنا وقع اختيارهم علي ودان فانشؤوا بها محطة تجارية ومركزًا للتسويق[1].
ولأهمية ودان ونشاطها الاقتصادي في القرن ٨ و ٩ فقد أخذت شهرة كبيرة حتى صار اسم ودان يطلق على منطقة أدرار وشمال موريتانيا كله في بعض المصادر العربية[2].
النشاط التجاري
وكان للودانيين من ابدولحاج ومسوفة نشاط تجاري على طول الطريق الرابط بين ودان وتنبكت ومدينة تكدة الواقعة بجمهورية النيجر ولتسيير التبادل والمشاركة في جميع الأسواق فقد قام الودانييون بتوزيع سفراء ووكلاء تجاريين في جميع المراكز الواقعة على هذا الطريق فأصبحت لهم جاليات في تشيت وولاتة وتكدة وكاو[3].
قد عرف عن أهل ودان التفاني في التعاون والتعاضد إلى درجة الشراكة.. في كل صغير وكبير.
النشاط الثقافي
كان العلماء الودانيون عبر اتصالهم بتنبكت أول من نقل المقررات الثقافية والعلمية التي ترجع إلى العصر الوسيط والتي أنشأها علماء مصر والشام إلى مدارس موريتانيا مثل مختصر خليل والفية ابن مالك، وجمع الجوامع للسبكي في الأصول وشروح المختصر، تلك المؤلفات التي كانت المرجع الأول للدراسة والتفقه خلال القرون الأخيرة في عموم المنطقة.
ومن هنا فإن معظم الأسانيد الفقهية[4] في المدن والبوادي الموريتانية تمر بعلماء ودان.
وقد أدت الحروب والقلاقل التي شملت منطقة أدرار في القرن الحادي عشر إلى خراب قريتي تفرله وتمكونة المسوفيتين المجاورتين لودان وهاجر سكانهما إلى سينغال كما هاجر معظم سكان ودان من إيدو الحاج إلى القبلة وولاية لعصابة في فترات أخرى وبحلول القرن الثالث عشر لم يبق في قرية ودان إلا جزءًا صغيرًا من سكانها وتحولت إلى قرية هامشية صغيرة ولله في خلقه شؤون.
- شنقيط:
تقع مدينة شنقيط بولاية أدرار شمال موريتانيا، وهي منطقة جبلية تملك كثيرا من مقومات الاستقرار، حيث تكثر الواحات وتزدهر زراعة النخيل والقمح وغيرهما، وقد شهدت هذه المنطقة قيام دولة المرابطين ١٣٠-١٧٠ هجرية، وهي الدولة الإسلامية المشهورة التي قضت على بقايا الوثنية، وقلول الخوارج في موريتانيا وامتد حكمها إلى المغرب والأندلس.
فشنقيط مدينة قديمة تأسست في القرن السادس الهجري بعد فتح المرابطين للمغرب.
والراجح أن قبيلة المتونة هم الذين أسسوا شنقيط، بدليل أن كثيرا من العشائر اللمتونية لا تزال محتفظة بذكريات عن ماضيها في هذه المدينة مثل تندغه إدكجملة وادوعيش من قبائل موريتانيا الحالية[5].
وقد شهدت شنقيط اضطرابًا وفتنًا مطلع القرن التاسع وادت هذه الظروف إلى هجرة كثير من سكانها إلى البادية، كما أدت إلى هجران المدينة القديمة وقيام المدينة الحالية في مكان قريب من أطلالها.
محطة القوافل
كانت شنقيط منذ تأسيسها محطة للقوافل ومركزًا للتجارة الصحراوية وسوقًا وموردًا كما اشتهرت بمكانتها العلمية والثقافية المهمة، وخرج منها علماء كبار بن الأعمش العلوي (ت ۱۱۰۷ هـ)، ومنهم العلامة الأديب سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي (ت ١١٤٤هـ) وغيرهم[6].
ومنذ مطلع القرن الحادي عشر أصبح ركب الحج الشنجيطي (كما ينطقها أهل موريتانيا) أكبر ركاب الحج الصحراوية وأهمها، فكان ينضم إليه كل من يريد الحج من أهل البوادي والحواضر الأخرى حتى عرفت البلاد الموريتانية جميعها في المشرق الإسلامي ببلاد شنقيط، وعرف سكانها به الشناقطة، وهو الاسم الذي لا يزال مستعملاً في السعودية والخليج حتى اليوم[7].
ولا تزال قرية شنقيط محافظة على كثير من معالمها الحضارية كمسجدها الجامع ومقبرتها التي دأب السكان على تدوين تواريخ الوفيات على شواهدها، وهو تقليد متبع قديما في المدن الإسلامية.
الغلام والعمدة
أمل عودة
حمار غريب دخل إحدى مزارع القرية وبدأ يأكل منها ... تساءل صاحب المزرعة كيف يخرج الحمار ؟؟ أسرع إلى بيته فالقضية لا تحتمل التأخير أحضر عصا طويلة ومطرقة ومسامير وقطعة كبيرة من الكرتون المقوى...
كتب عليها يا حمار اخرج من مزرعتي... ثبت الكرتون بالعصا الطويلة وذهب إلى حيث يرعى الحمار في المزرعة.. رفع اللوحة عاليا... انتظر من الصباح الباكر حتى غروب الشمس ولكن الحمار لم يخرج.. حار الرجل ربما لم يفهم الحمار ما كتبت على اللوحة...
في صباح اليوم التالي، صنع عددا كبيرا من اللوحات، ونادى أولاده وجيرانه ، يعنى عمل مؤتمرا ترأسه العمدة الذي صف الناس في طوابير يحملون لوحات كثيرة كتب عليها أخرج يا حمار من المزرعة...
الموت للحمير.. ثم تحلقوا حول الحقل وبدأوا يهتفون اخرج يا حمار.
والحمار يأكل ولا يهتم بما يحدث حوله... غربت شمس اليوم الثاني فرجعوا إلى بيوتهم. في صباح اليوم الثالث جلس الرجل في بيته يفكر في خطة جديدة لإخراج الحمار فالزرع أوشك على الحصاد خرج الرجل باختراع جديد عبارة عن نموذج المجسم حمار يشبه إلى حد بعيد الحمار الأصلي، ولما جاء إلى المزرعة وأمام نظر الحمار وحشود القرية المنادية بخروج الحمار سكب البنزين على المجسم وأحرقه فكبر الحشد.. وقهقه العمدة.
لكن الحمار نظر إلى النار ثم رجع يأكل في المزرعة بلا مبالاة.. يا له من حمار عنيد... أرسلوا وهذا للتفاوض خاطبه قائلًا: صاحب المزرعة يريدك أن تخرج الحمار ينظر إليهم.. ثم يعود للأكل لا يكترث بهم بعد عدة محاولات أرسل الرجل وسيطا أخر قال للحمار صاحب المزرعة مستعد للتنازل لك عن بعض مزرعته - لو كان صاحبها حقًا ما تنازل عن شير منها - الحمار يأكل ولا يرد ثلثها الحمار لا يرد نصفها.. هنا رفع الحمار رأسه وقد شبع من الأكل ومشى قليلًا إلى طرف الحقل وهو ينظر إليهم، فرح الناس لقد وافق الحمار أخيرًا.. أحضر صاحب المزرعة الأخشاب، وسيج المزرعة، وقسمها نصفين، وترك للحمار النصف الذي هو فيه.. في صباح اليوم التالي كانت المفاجات. لقد ترك الحمار تصيبه ودخل في نصيب صاحب المزرعة وأخذ يأكل.. رجع أخونا مرة أخرى إلى اللوحات يبدو أنه لا فائدة مع هذا الحمار إنه ليس من حمير المنطقة. لقد جاء من قرية أخرى بدأ الرجل يفكر في ترك المزرعة بكاملها للحمار واللجوء إلى قرية أخرى. وأمام دهشة الجميع وعلى مرأى من أهل القرية الذين حضروا ليشاركوا في المحاولات اليائسة لإخراج الحمار المحتل... خرج من بين الصفوف غلام - تبرق عيناه بالأمل - تقدم إلى الحمار وضربه بعضا صغيرة على قفاه، فإذا به يركض خارج الحقل.. يا الله!! صباح الجميع مبتهجين لكن العمدة الفجر غاضبا وهو يقول لقد فضحنا هذا الصغير وأظهر عجزنا وقلة حيلتنا..
وبدل أن يشارك الناس فرحتهم بخروج الحمار من المزرعة.. صب جام غضبه على الغلام، وأمر باعتقاله ومحاكمته!!
[1] نزهة المشتاق للجغرافي العربي محمد بن علي الإدريسي ص٤٥.
[2] انظر العبر لابن خلدون جا ص ۷۹ ط دار الكتب العلمية ١٤١٣.
[3] يمكن الرجوع في هذا إلى تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي.
[4] فتح الشكور في تراجم العلماء الموريتانيين لمحمد بن أبي بكر البرتلي الولاتي ص ٥٨ ط دار الغرب الإسلامي.
[5] انظر تاريخ السودان للسعدي ص ٢٢.
[6] الوسيط في أدباء شنقيط لأحمد بن الأمين الشنقيطي.
[7] صحيحة النقل في أخبار ابدو علي والأغلال للعلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي مخطوط.