; ورويدك أيضًا يا إبراهيم آل سيف | مجلة المجتمع

العنوان ورويدك أيضًا يا إبراهيم آل سيف

الكاتب جاسر عبدالله الحربش

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1990

مشاهدات 62

نشر في العدد 960

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 27-مارس-1990

كتب الأخ إبراهيم بن محمد آل سيف في مجلة المجتمع العدد «955» بتاريخ 24 رجب 1410 هـ بعنوان «رويدك يا دكتور حربش» كردٍّ على مقالة نشرت بمجلة اليمامة عدد (1082) بتاريخ 1 جمادى الأولى 1410هـ تحت عنوان «المسرحية والمعراج».. تمنيت بعد قراءة مقالة الأخ الكريم إبراهيم آل سيف أن مجلة المجتمع الموقرة نشرت إلى جانب مقالته مقالتي المشار إليها أيضًا حتى يتاح للقارئ الكريم إمعان النظر في المقالتين في آن واحد، فيكون حكمه أقرب إلى العدل، لكن مجلة المجتمع لم تفعل ذلك، لعلها تفعل في العدد القادم إن شاء الله.

ولقد نجح الأخ إبراهيم آل سيف في أن يتسبب في سيل من المكالمات التليفونية التي وصلتني، أتى بعضها من إخوة كرام أعرفهم فوددت والله لو قبلت رؤوسهم عرفانًا لحسن حوارهم ورحابة صدرهم، وأتى بعضها من إخوة كرام لا أعرفهم فسألت الله تعالى أن يهبهم من مكارم أخلاق الإسلام أكثر مما أعطاهم حتى يستطيعوا الحوار بطريقة لا تثير الشحناء ولا تسبب الفرقة بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد الذين هم اليوم في أمسِّ الحاجة إلى التآلف والتكاتف أكثر من أي وقت مضى.

وفي توجهي هذا إلى الأخ إبراهيم آل سيف والقراء جميعًا أبدأ بالنقاط التالية:

أولًا: إنني أحسب عند الله سبحانه وتعالى أن يجازيني على قدر نيتي فيما كتبته خيرًا بثوابه وشرًّا بعقابه وهو السميع العليم، ثم أحتسب عند الله تعالى نفس الشيء للأخ إبراهيم آل سيف على قدر نيته فيما كتبه.

ثانيًا: إنني أؤكد للأخ إبراهيم وللقراء جميعًا إنني لم أستطع رغم جنوح مقالته عن جادة الصواب أن أحمل حقدًا أو ضغينة عليه، لأن قناعتي تقول لي إن هذا أخ كريم قد كتب ما كتبه بدافع الغيرة على دينه وحرماته، لكنه أوتر سهمًا ثم حمله في الاتجاه الخطأ، فلا تثريب عليه إن شاء الله إلا بمقدار نيته.

ثالثًا: إني أؤكد للأخ إبراهيم وللقراء جميعًا أن لي من الغيرة على ديني ومحارمي مثل ما للأخ إبراهيم آل سيف على الأقل، ولا أقول أكثر لأنني لا أعرفه فلا أبهته بما ليس فيه إن شاء الله، وإن ما استنتجته من مقالتي من أن الفخ أكبر من العصفور فيما يعلن الدكتور، وإنني أود لبنات المسلمين أن يخرجن سافرات متبرجات دون محارم مثل الممثلات الخبيثات، إنما هو استنتاج خاطئ وسيئ جملة وتفصيلًا والله على ما أقول شهيد: ولي في ذلك عليَّ من شهادة الناس الثقات لو احتجت إليهم لوجدتهم بكل سهولة ولكانوا أناسًا لا يستطيع آل سيف أو غيره أن يطعن في شهادتهم.

وبعد: لقد بدأ الأخ إبراهيم آل سيف مقالته «رويدك يا دكتور حربش» بتذكير رؤساء تحرير الصحف والمجلات الإسلامية بعدم نشر ما يتعارض مع دين الإسلام أو يسيء إلى المسلمين وألا يتركوا الحبل على الغارب لأقلام كتاب يكتبون لأهداف تتعارض مع ديننا وأخلاقنا الإسلامية ومن هؤلاء الكتاب على حد قوله الدكتور السعودي جاسر بن عبد الله الحربش.

وهنا وأمام مثل هذا التفكير والاستعداء ومحاصرة الرأي الآخر لا ينفع تأكيد ولا تفنيد، إذ كيف يمكن للمُهاجَم «بفتح الجيم» في دينه وأخلاقه أن يدافع عن نفسه أمام المهاجِم «بكسر الجيم» وأمام الناس إذا سُدَّت في وجهه صفحات المجلات الإسلامية؟ هل يذهب والعياذ بالله إلى المجلات الكافرة؟ أم يسكت مقهورًا وهو يعرف أنه تعرض للقذف والتشهير بما ليس فيه؟

ثم يسترسل الأخ إبراهيم آل سيف في استعراضه الانتقائي لمقالتي ويريد أن يبرهن على خبث طويتها وسوء سريرتها بأنني عنونتها «المسرحية والحراج» وإنني سميت الطالبات سخرية «قوارير سوداء» وأن خروجهن من المدارس مسرحية مدهشة، وإنهن بضائع.. إلى آخر المقالة التي أرجو أن يعود القارئ إليها.

ورُويدك يا أخ إبراهيم آل سيف، اذهب بنفسك إلى إحدى مدارس البنات وقت الانصراف وانظر في جميع الرجال أمام المدرسة، فسوف ترى من بينهم غلمانًا أجانب مردًا قد أسدلوا شعورهم على أكتافهم وفتحوا القمصان عن صدورهم ولبسوا البناطيل المجسِّمة، يقفون أمام باب الخروج من المدرسة ويحملقون في الطالبات، فلا يمكن سوى المشي بخطوات متعثرة خجولة أمام مثل هذا المشهد الذي هو أسوأ من المسرحية.

وإذا كنت أنت تريد المرأة المسلمة أن تمشي متعثرة وعلى استحياء فهذا شأنك، أما أنا فأتمنى للمرأة المسلمة أن تمشي بخطوات المحتشم الواثق المطمئن على دينه وشرفه بطريقة تثير الاحترام والهيبة فلا تتعثر ولا تضطرب لكن المشهد أمام مدارس البنات أو بعضها «لا يدع للبنت المسكينة مجالًا للشعور بالثقة والطمأنينة أمام كل هذه العيون الغريبة» وهذه الطريقة لخروج الطالبات من المدرسة لا يرضيني وأتمنى أن تتغير.

أما القوارير السوداء فهذه ليست سخرية، ولعلني لا أخطئ إذا قلت إنه من المأثور عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه شبَّه النساء بالقوارير فقال: «رفقًا بالقوارير» يوصي الرجال بهن خيرًا، ثم إن اللون الأسود ليس لونًا مفروضًا على جلباب وحجاب المرأة المسلمة ولو كان جلباب وحجاب نسائنا أبيض اللون لقلت «القوارير البيضاء».

وأما قولك يا أخ إبراهيم آل سيف بأنني شبهت الحارس بهذا المعنى فإنني لم أسخر منه، بل أشفق عليه وأكبرت فيه صبره وطول نفسه ودقته في تسليم كل طالبة للمسؤول عن توصيلها إلى منزلها رغم كثرة الناس وارتفاع الضجيج واختلاف اللهجات ودخان السيارات، كذلك سامحك الله أردت أن تؤلب حراس المدارس أيضًا، وأردت أن تجعلها سخرية فدونك ما تهوى.

وأما الزعق في مكبر الصوت فإنه تحصيل حاصل، ولا بد لكل من يحضر ابنته من المدرسة بنفسه أن يعترف بأن صوت النداء يُسمع في كل الشوارع المجاورة، وعندما تنادي على اسم العائلة دون ذكر اسم البنت فما هو الفرق؟ هذه بنت فلان أو علان خرجت أمام هذه الحشود التي أشرت إليها قبل قليل تتعثر في خطواتها غير ملومة، ولا يهم عَرِفَ الناس اسمها أم جهلوه؛ لأن اسم المرأة ليس عيبًا على الإطلاق.. وأتعجب من مرورك العابر على مسألة السائقين الأجانب رغم كل ما أبديته في مقالتك من حماس وغيرة، حين تقول «وهل هؤلاء السائقون الأجانب الذين ابتُلينا بهم يصرخون، أم هل هم يتكلمون مع الحارس بلغاتهم؟ إنني أقول لك إنهم يصرخون أحيانًا ويتغامزون أحيانًا فيما بينهم.. ألم يلفت نظرك هذا المشهد الأسوأ من المسرحية يا أخ إبراهيم آل سيف فتقول ابتُلينا بهم وكفى؟

ولو استطردت في الرد على كل استنتاج أو تهمة ظاهرة أو مبطنة في مقالك لاستغرق ذلك مني وقتًا أطول مما أستطيع توفيره، لكنني أترك الأمر أولًا لله تعالى، ثم للقارئ الذي سيعود إن شاء الله إلى مقالتك ومقالتي ويحكم بنفسه.. وأما وقد سألتني عن الحل الذي لم أطرحه بديلًا لخروج الطالبات بهذه الطريقة المسرحية، فإن الكاتب على وجه العموم يطرح المشكلة وعلى القراء جميعًا واجب الخروج بالحل الذي يحفظ لهم دينهم ودنياهم.

ولكنني أتمنى من كل قلبي أن يتفق الناس في وطني «دون تكليف» على أن يشترك أهل كل حي أو شارع على شراء حافلة صغيرة تكون ملكًا للجميع، وأن يقوم بتوصيل الطالبات من المنزل إلى المدرسة وبالعكس واحد من الآباء في ذلك الحي بالتناوب، وأن ترقم الحوافل من واحد إلى مائة مثلًا لكل مدرسة، فتقف أمام المدرسة خلف بعضها في تنظيم وهدوء ثم ينادي الحارس باسم رقم الحافلة فتخرج كل الطالبات اللواتي لحافلتهن هذا الرقم، ثم إلى المنزل في رعاية الله وتحت إشراف أحد الآباء.. هل تدري كم من المشاكل نحلها بهذه الطريقة فكر فيها مليًّا ثم رد عليها من عندك ما يجعلها أفضل جزيت خيرًا.

مرة أخرى أؤكد لك وللقراء أن الدكتور الحربش المتوحش الذي اتهمته في عقيدته وأخلاقه لا يعيش إلا في مخيلتك، ولو كان الحربش جاهليًّا لقال لك مثلًا:

جاء ابن عمي حاملًا سيفه                   إن بني عمك فيهم سيوف

والأصل:

«جاء ابن عمي رافعًا رمحه                   إن بني عمك فيهم رماح»

فمعذرة للتحوير، لكنني أقول:

وإن الذي بيني وبين بني أبي                  وبين بني عمي لمختلف جدًّا

إذا مضغوا لحمي وفرت لحومهم               وليس حكيم القوم من يحمل الحقدا

فليغفر الله لي ولك وليجازي كلًا منا على قدر ما يعلن وما يبطن.. والسلام.

الرابط المختصر :