; وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.. والتراث الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.. والتراث الإسلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1977

مشاهدات 63

نشر في العدد 375

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 15-نوفمبر-1977

إن التراث الإسلامي من الكتب المخطوطة المصنفة في مختلف ميادين الثقافة والعلوم الشرعية والعربية والإنسانية أعظم ما عرفته البشرية من تراث له تاريخ طويل مجيد، ويعتبر ثروة هائلة تمثل حضارة الإسلام والمسلمين بصرحها الشامخ الأصيل لتلك الحضارة التي سادت أربعة عشر قرنًا، وقادت مزيجًا من الشعوب والأمم مختلفًا ألوانه وألسنته وصهرته في بوتقة واحدة ميسمها ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13) وقد نتج عن تلك المساواة المطلقة أن زهدت تلك الشعوب في تراثها المحلي، وهجرت تقاليدها الضيقة، وجندت جهابذتها في خدمة تراث الإسلام الذي انعتق من حدود الإقليمية والقومية ليكون تراثًا عالميًا رشيدًا... ولم تنطفئ شعلته بالرغم من ضياع الكثير من ذلك التراث المكتوب بسبب الفتن والحرائق والحروب فضلًا عن سوء الرعاية من وريث مضيع، أو قيم غير مؤتمن، أو سماسرة استراق المخطوطات أو تشريدها وتهجيرها... وأسوأ ما لقيه التراث كان من جراء اعتداء الدول الأجنبية على الدول الإسلامية في فترات ضعفها وتخاذلها، كالتتار والمغول والصليبيين والمستعمرين.

ويقدر المختصون عدد المخطوطات العربية الموجودة في العالم هذه الأيام بأكثر من ثلاثة ملايين( 3,000,000) مخطوط وهي مبعثرة في مكتبات العالم الإسلامي من دول المغرب العربي حتى باكستان، ومن تركيا حتى الصومال وفي أرجاء أوروبة وأمريكا وروسيا والبلاد الاشتراكية التي تحفل بجاليات وشعوب إسلامية كيوغسلافيا بوجه خاص.

وقد رافق النهضة الفكرية والعلمية للعرب والمسلمين أن تنبهوا إلى ما لهذا التراث من شأن وقيمة، وبدأت الجهود تبذل فرديًا وجماعيًا، أهليًا وحكوميًا، لصيانة هذا التراث والاطلاع عليه للإفادة منه، وتجلي ذلك في وسيلتين للوصول إلى النتيجة:

- الوسيلة الأولى: جمع هذا التراث المبعثر وإيداعه في مكان واحد ليرجع العلماء إليه، وكان أعظم عمل في هذا المجال تأسيس معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية ليقوم بتصوير التراث العربي تدريجيًا على الميكروفيلم ويجمعه في القاهرة ويضعه تحت تصرف العلماء والباحثين، وقد قام المعهد بعمله، ولا يزال، وجمع الآلاف من صور المخطوطات من أماكن قاصية من العالم.

- الوسيلة الثانية: فهرسة المخطوطات بدراستها إجماليًا وإثبات وصف كاشف لكل منها لتيسير الإقبال على الاستفادة منها ولو لم يطلع عليها المعنيون مباشرة.

- والنتيجة المتوخاة مما سبق هي: نشر أكبر قدر من ذلك التراث الذي هو أمانة في أعناق العرب والمسلمين ولا شك أن المراد ليس مجرد طباعته، بل إخراجه ونشره نشرًا علميًا محققًا حتى يتسنى للجميع الاطالآن لاع عليه بصورة سليمة ومعرفته المؤدية للانتفاع بما فيه من كنوز المعرفة ونتاج العقول ولقاح الفكر الإنساني الرشيد...

وقد كانت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في الكويت من الجهات الحكومية السباقة في العالم العربي إلى إحياء التراث الإسلامي ونشره بعد تحقيقه ومراجعته نشرًا علميًا أنيقًا، ذلك أن البداية بإحياء التراث الإسلامي في الكويت ترجع إلى عام 1967 حيث صدر في ذلك العام أول كتاب في السلسلة «الفوائد في مشكل القرآن- لعز الدين بن عبد السلام» وفي نفس العام صدر في مصر أول كتاب عن لجنة إحياء التراث الإسلامي التابعة للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وهو كتاب «الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني» كما عاصر ذلك تقريبًا إخراج باكورة التراث الإسلامي في المغرب عن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في كتب أهمها «التمهيد لابن عبد البر» وفي العراق الشقيق توالى عن «ديوان الأوقاف»- الاسم القديم لوزارة الأوقاف- عديد من كتب التراث الإسلامي المحقق عن مخطوطات نادرة... وتتابعت الجهود في السعودية بما أخرجته من التراث الإسلامي كمجموع فتاوى ابن تيمية (وهي مدونة ضخمة) وغيرها والتحقت بالركب دولة قطر إذ نشرت إدارة الشئون الدينية فيها أولى كتبها في التراث الإسلامي «تفسير مجاهد» وليس الغرض الإحصاء أو الاستقصاء بل التنويه بتكاتف الجهود الرسمية للإسراع بإلقاء الأضواء الكاشفة على تلك الكنوز المخبوءة... حتى غدا الاهتمام بإحياء التراث الإسلامي أحد الأهداف الأساسية والأنشطة الحيوية لوزارات الأوقاف والشئون الإسلامية في أكثر الدول الإسلامية.

وإذا توسعنا في الحديث عن التراث على عمومه دون تقيد بما يتصل بالثقافة الإسلامية أي ما يدعي للتمييز «التراث العربي» فلا يفوتنا الإشادة بسلسلة «التراث العربي» التي تصدرها وزارة الإعلام في الكويت منذ عام 1959 وكانت حصيلتها الحالية 15 مخطوطًا فضلًا عن المدونة اللغوية «تاج العروس» التي يتطلب اكتمالها مزيدًا من الوقت وقد عاصرها في أرجاء العالم العربي- وسبقها- فيض زاخر من التراث عامة، أسهم في نشره معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية ودار الكتب المصرية والمجامع اللغوية في القاهرة ودمشق وبغداد والمغرب ووزارات الإعلام أو الثقافة في تلك البلاد... وفي البلاد الإسلامية غير الناطقة بالعربية وخاصة الهند في ولاية (حيدر آباد)، وتركيا ولا سيما بعد التجديد الديني فيها. 

وقد آن لنا بعد هذه الإلمامة الخاطفة بمحاولات نشر التراث المتواترة أن نخص بالحديث رصيد وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في الكويت في هذا الباب من خلال (إدارة الشئون الإسلامية) فيها بالرغم من حداثة تاريخ البدء بسلسلة (إحياء التراث) فيها نسبيًا ومع الأخذ بالاعتبار أن فترة سكون تخللت إصدارها.

نجد أنه صدر في سلسلة (التراث الإسلامي) ثمانية كتب بدءًا من العام 1967 إلى العام الحالي والنية متجهة إلى تأصيل هذه الغرسة وتعميق جذورها وتوسيع ظلها... ولعل من المفيد للمطلع والمتتبع استعراض تلك الكتب مع نبذة عن موقع كل منها في الثقافة الإسلامية ومدى الحاجة إلى بعثه وإخراجه للناس ...

1- «الفوائد في مشكل القرآن» مؤلفه: العلامة الفقيه الأصولي عز الدين بن عبد السلام- الذي كان يدعى «سلطان العلماء» لمواقفه الحميدة من الحكام «وهو من علماء القرن السابع الهجري ومحققه: الدكتور رضوان الندوي».

وهذا الكتاب يستهدف إزاحة الغموض الذي اكتنف بعض الآيات بسبب البعد عن لغته النقية وضعف التذوق البلاغي لأسلوبه وطرائقه في البيان، وقد تولى العز بن عبد السلام إيضاح تلك المشكلات التي تبدو ظاهريًا لنا مع أنها في واقع الأمر جلية واضحة ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت: 42) ... والكتاب يعتبر من الكتب النادرة التي كتب لها البقاء بهذا النشر العلمي.

2- وتلا ذلك إخراج كتاب «الجمان في تشبيهات القرآن» للعلامة الأديب البلاغي الناقد «ابن ناقيا البغدادي» وقد حقق مخطوطته الوحيدة الدكتور عدنان زرزور والدكتور محمد رضوان الداية وهذا الكتاب يعنى بالصور البليغة التي جرت على أسلوب (التشبيه) المعروف ويتتبعها بدقة مع الربط بينها وبين ما هو من بابها من شعر وأمثال وحكم وهو في الحقيقة مزيج متلائم من تفسير وأدب ولغة... وهو أول كتاب ينشر في هذا اللون. وقد سبقت الكويت إلى إخراجه حيث تكررت بعدئذ العناية بالكتاب فنشر بتحقيق آخر في بغداد وبتحقيق ثالث في مصر.

3- وبعد ان اشتملت سلسلة التراث الإسلامي على كتابين يتصلان بالقرآن أحدهما يخدم معانيه والآخر يهتم بأسلوبه ونظمه اتجهت الرغبة إلى (الحديث) ذلك أن السنة النبوية هي المصدر التشريعي التالي للقرآن الكريم ولا يتم فهمه إلا بها لأنها بيان له فضلًا عن ورودها لتأكيد ما فيه أو لإنشاء أحكام جديدة وقد وقع الاختيار على (مختصر صحيح مسلم) للحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، وهو من الأعلام المشهورين في العناية بالسنة والتفرغ لجمعها ودراستها ونشرها، وحقق الكتاب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. وبإخراج هذا الكتاب القيم سد فراغ ملموس في كتب الحديث بعد أن نشر العديد من كتبه دون أن يكون بينها كتاب واحد يختصر صحيح مسلم ويقربه للقراء خفيفًا من الأسانيد والروايات المكررة... زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم.

4- ثم جاء في سلسلة التراث دور الموسوعات الحديثة والمدونات الكبيرة للسنة وهي الكتب التي تجمع بين ثناياها جملة من الكتب تضعها في متناول الباحثين بعد الاجتزاء بأوضح الروايات وحذف الأسانيد فكان كتاب المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر العسقلاني وهو من أشهر المشتغلين بالسنة وعلومها وعلم الرواة وهو صاحب أعظم شروح صحيح البخاري «فتح الباري» وقد قام بتحقيقه علامة الهند المحدث حبيب الرحمن الأعظمي الذي له ماض حافل بالعناية بكتب الحديث وتحقيق مخطوطاته كسنن سعيد بن منصور ومسند الحميدي ومصنف عبد الرزاق الصنعاني المدونة الحديثية التي بلغت 11 مجلدًا وقد بذل جهده في تحقيق المطالب العالية بالرغم من رداءة المخطوطات التي عثر عليها منه وكتاب «المطالب العالية» يدل على موضوعه بقية اسمه «بزوائد المسانيد الثمانية» قد جمع ثمانية كتب من كتب السنة التي يهدف مؤلفها إلى جمع كل ما وصله من الأحاديث ويرتبه بترتيب الصحابة الرواة ويسميه «مسند» وتلك المسانيد الثمانية قد ضاع أكثرها أو نقص فإخراج هذا الكتاب «المطالب العالية» بمثابة إحياء لها وحفاظ على الأحاديث التي تضمنتها والكتاب استغرق أربعة أجزاء تقارب صفحاتها ألفي صفحة في إخراج أنيق مشرق ومثل هذا العمل لا تنهض به إلا المؤسسات التي لها ماض طويل في عالم النشر والإخراج.

وبعد الكتاب السابق بأجزائه الأربعة التي أخذت في السلسلة الأرقام 4 و5 و6 و7 وقع الاختيار على نشر كتاب يشتمل على الأحاديث المتفق على صحتها من كل من الإمام البخاري في صحيحه والإمام مسلم في صحيحه وكان هذا الكتاب «اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان» وقد جمعه المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي- المعروف بعنايته بكتب السنة فهرسة وإخراجًا وراجعه الدكتور عبد الستار أبو غده  مع إضافة مقدمة علمية له وصنع فهارس ميسرة لاستخراج أحاديثه.

والكتاب يعتبر صورة مصغرة للصحيحين اللذين هما من عيون التراث الإسلامي الأصيل ونشر ما يتصل بهما يعتبر ضرورة إسلامية لصد الحملات المسعورة السافرة أو المقنعة على الصحيحين وخاصة صحيح البخاري، لا لأمر ذاتي بل لكونهما رمزًا للسنة فالطعن فيهما مدرجة للتشكيك في السنة وهو ما دأب عليه بعض المستشرقين وأشياعهم.

هذا وتتجه النية إلى أن تكون الكتب القادمة في سلسلة التراث الإسلامي منتقاة من علوم الشريعة وألوان الثقافة الإسلامية الأخرى- بعد القرآن والحديث اللذين حفلت السلسلة بما يتصل بهما- وذلك كالفقه الإسلامي المقارن والسيرة النبوية والصحابة والآداب الشرعية فضلًا عن كتب في العقيدة الإسلامية. 

وربما يكون الكتاب التاسع في السلسلة «الزاهر» في تفسير غريب الألفاظ التي تدور في كتب الفقه وهو من تأليف العلامة اللغوي المعروف الإمام الأزهري صاحب المعاجم الكثيرة التي استمدت منها القواميس اللغوية المتداولة وهو كتاب اشتمل على الفقه واللغة وغيرها.

وإن إدارة الشئون الإسلامية تعتزم تعميق هذا الجانب الحيوي من نشاطها باستكمال الأمور التي تشد أزره ويتطلبها نجاحه... ومن خططها التي بدأت ببضعها استقطاب المخطوطات الموجودة في الكويت لإنقاذها من الضياع والتبديد حين تنتقل من عالم حفيظ إلى من لا يقدرها قدرها وفي مكتبة الوزارة التي هي أحد أقسام إدارة الشئون الإسلامية جناح مخصص للمحفوظات ينيف عدد مجلداته عن 500 مخطوط قيم ومعظمه مما احتضنته المكتبة وأعدت له العناية المطلوبة التي تعسر على الأفراد (ولا بد من كلمة ترحم وشكر للشيخ عبد الله الدحيان وورثته الذين أحسنوا صنعًا بتقديم مخطوطاته التي خلفها إلى مكتبة الوزارة) وهناك مئات الأفلام المصورة لمخطوطات قيمة حصلت الإدارة على صورها من خزائن المخطوطات في تركيا والمدينة المنورة والقاهرة ودمشق وحلب (من المكتبة الظاهرية والمكتبة الأحمدية) وقد أعدت إدارة الشئون الإسلامية برنامجًا لحشد فهارس المخطوطات- وما أكثرها- ثم الانتقاء منها للحصول على صور للمخطوطات النادرة على ميكرو فيلم بالتعاون مع جامعة الكويت ومعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، ومن الجدير بالذكر أن زيارة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ليوغسلافيا ومدينة سراجيفو المعروفة بغناها بالمخطوطات العربية وضعت إحدى اللبنات للتعاون في هذا المجال حيث جلب معه فهارس المخطوطات الإسلامية في مكتبة خسرو بك وستعمل الوزارة على طباعة ما يقع عليه الاختيار من المخطوطات النادرة منها في القريب إن شاء الله.

هذا والأمل بالله كبير في أن يبارك الله الجهود ويحقق الآمال لإخراج هذه الكنوز من تراثنا الإسلامي المجيد الذي يشهد بعظمة هذا الدين وخلود هذا التراث على مر الزمان وتعاقب السنين والأيام.

ونسأل الله أن يوفق المسلمين وخاصة الشباب للاغتراف من مناهل الإسلام العذبة وعلومه الفياضة التي عم خيرها الدنيا بأسرها واستفادت منه أوروبا في عصورها المختلفة حيث قام المبشرون والمستشرقون بشراء بل وسرقة هذه النوادر النفيسة في غفلة من المسلمين عن تراث السلف الصالح من العلماء الأفذاذ الذين فجروا ينابيع المعرفة وآثروا الإنسانية بعلومهم المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن التأمل في الكون والإنسان والحياة.

الرابط المختصر :