; أسيا الوسطى.. هل تحسم أمريكا السباق الرباعي؟ | مجلة المجتمع

العنوان أسيا الوسطى.. هل تحسم أمريكا السباق الرباعي؟

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الأحد 01-مارس-1992

مشاهدات 63

نشر في العدد 991

نشر في الصفحة 30

الأحد 01-مارس-1992

فجأة أصبح المسلمون في جمهورياتهم الست بالاتحاد السوفيتي المنهار، والذين تم تغييبهم عن الساحة العالمية لعشرات السنين، حتى إن رجل الشارع العربي كان من الصعب إقناعه بأن هناك حوالي مائة مليون مسلم في هذا الكيان الشيوعي، أصبحوا فجأة محورًا للتقارير والأخبار التي تبثها وكالات الأنباء العالمية وتناولتها وسائل الإعلام في العالم كله، وكان آخرها ما نُشِر عن جولة وزير الخارجية الأمريكي على دول هذه المنطقة والتي أعقبت زيارة لرئيس الوزراء التركي سليمان ديميريل إلى واشنطن ولقاءه بالرئيس الأمريكي الذي أعلن أن الحكومتين: الأمريكية، والتركية قررتا توسيع تعاونهما في دول القوقاز وآسيا الوسطى الجديدة القائمة على أنقاض الاتحاد السوفيتي، لأن في ذلك مصلحة الولايات المتحدة. كما علَّق على الزيارة ديفيد جومبرت المسؤول عن شؤون أوروبا والاتحاد السوفيتي السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي فقال: "إننا نعتبر تركيا لاعبًا رئيسيًّا مهمًّا في ذلك الجزء من العالم"، وأضاف: "إن بوش وديميريل تبادلا الآراء في أماكن حصول اضطرابات في هذه الدول وفي كيفية اجتذابها إلى الغرب وأنهما اتفقا على التعاون في هذا المجال". وربما يبدو ذلك تحولًا جذريًّا في الموقف الأمريكي الذي انتقد تركيا من قبل لاعترافها المبكر بأذربيجان، لكن ديفيد جومبرت يفسر أسباب هذا التحول فيقول: "إن الهدف الأمريكي التركي أن تمتنع هذه الدول عن اعتماد نماذج بديلة كالنموذج الإيراني". كما قال وزير الخارجية الأمريكي في كلمة له أمام الكونغرس: "سأكون هناك الأسبوع المقبل بسبب النشاط الإيراني؛ لأن هذه الدول أصبحت مهمة ومستقلة وسيدة في الوقت الحاضر". ويضيف: "إن الإيرانيين ينشطون في عدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة وإن هذا واحد من الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة إلى إجراء الاتصالات والحوار مع هذه الدول". أما السبب الآخر الذي لم يذكره بيكر فهو هذه الجهود المحمومة المبذولة للحيلولة دون تسرب العلماء النوويين إلى العالم الإسلامي لقطع الطريق على أي آمال لبناء قوة نووية إسلامية، خاصة وإن طاجيكستان على سبيل المثال غنية بمناجم اليورانيوم، كما أن كازاخستان ما زالت تصر على الاحتفاظ بسلاحها النووي، والذي دفع أهلها المسلمون ثمن التفجيرات النووية التي وقعت على أرضها غاليًا. وتذكر جريدة "موسكو نيوز" أن حلم العالم الإسلامي هو بناء قوته النووية، وبعد هزيمة صدام حسين قد يكون رحمن ناييف رئيس طاجيكستان هو القائد الذي بإمكانه المساعدة لتحقيق الطموحات النووية.

ونعود إلى الباعث الإيراني فتقول صحيفة "نيويورك تايمز": إن الإدارة الأمريكية بدأت سلسلة من المشاورات مع تركيا ومصر للبحث في كيفية التعاون لاجتذاب الدول الجديدة إلى منطقة النفوذ الغربي ولتفادي وقوعها تحت نفوذ إيران التي سبق لها أن أرسلت إلى هذه الدول علماء وأموالًا وبعثات تجارية. وتضيف الصحيفة أن المسؤولين الأمريكيين يحاولون حَثَّ هذه الدول على الاقتداء بتركيا كدولة إسلامية لكنها علمانية ومرتبطة بالغرب، وهذا يجرنا لنقطة هامة وهي إمكانية صمود المتسابق الإيراني اقتصاديًّا أمام المنافس التركي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن إيران التي تعاني من صعوبات اقتصادية تفتقر إلى السيولة المالية اللازمة لأعمال الاستثمار، لذلك لجأت إيران إلى بدائل أخرى لتأكيد دورها ونفوذها في المنطقة عبر الدعوة إلى قمة منظمة التعاون الاقتصادي التي عُقِدَت أخيرًا في طهران، وضمَّت إلى جانب إيران وتركيا وباكستان جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية الست، ورغم أن عباس مالكي نائب وزير الخارجية الإيراني قال خلال المؤتمر: "إننا لا نسعى لتحقيق أهداف أخرى... نحن نريد إقامة علاقات اقتصادية وتحقيق الاستقرار والأمن على طول حدودنا"، ورغم أن وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي أشار إلى مسألة علاقات هذه الجمهوريات مع كل من تركيا وإيران وهو يرد على سؤال لأحد المراسلين الأجانب على قضية التنافس بين تركيا وإيران فقال: "إننا لا نرى مثل هذا التنافس" إلا أن العلاقات التركية-الإيرانية شهدت توترًا عكسه إعلان رئيس الوزراء التركي ديميريل تأجيل زيارته المقررة لإيران وباكستان حتى إشعار آخر، وهو ما فسره المراقبون في أنقرة بأنه ناتج عن التوتر الطارئ على العلاقات بين أنقرة وطهران نتيجة للتنافس بينهما على جمهوريات آسيا الوسطى، وذكرت جريدة "توركيش دايلي نيوز" التركية أن طهران ترتكب خطأ إذا حاولت خلق جو من التنافس مع تركيا في المنطقة بسعيها إلى مد نفوذها إلى هذه الجمهوريات، ودعت الصحيفة إلى تقديم المساعدات إلى تركيا إذا كان المطلوب منها مساعدة الجمهوريات الإسلامية في مواجهة النفوذ الإيراني.


العنصر الثالث في السباق

وهو المبادرات العربية التي نشطت في الفترة الأخيرة، حيث تحدثت مصادر دبلوماسية عربية عن "حملة مصرية لحَثِّ دول الخليج العربي الغنية على تقديم مساعدات مالية إلى جمهوريات آسيا الوسطى بسبب خشيتها من أن يؤدي تقارب هذه الجمهوريات مع إيران إلى خلل في التوازن السياسي في الخليج؛ حيث لا تريد مصر مشاركة طهران في الترتيبات الأمنية الجاري بحثها حاليًّا"، وهو ما يعني أن الفعاليات العربية اتفقت أهدافها مع مثيلاتها التركية نحو عزل وتطويق النفوذ الإيراني في المنطقة خوفًا مما يطلق عليه "الخطر الأصولي" وتقديم النموذج الغربي كمثال يُحتَذَى.

ويتبقى بعد ذلك العنصر الإسرائيلي في السباق، وهو الذي بادر مبكرًا لغزو هذه الجمهوريات الإسلامية، ونجح إلى حد كبير في إقامة علاقات وثيقة مع بعضها، ساعده في ذلك طموح قيادات هذه الجمهوريات -والتي ما زالت تدين في أغلبها للشيوعية- إلى مساعدات الغرب، معتبرة أن الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة هو مَعْبَرُها إلى هذه المساعدات، وقد حققت "إسرائيل" هذه النجاحات رغم افتقادها لمقومات الدين والقومية التي تلعب عليها الأطراف الأخرى، ولذلك يبدو مزعجًا إمكانية فوزها في هذا السباق المحموم الذي بدأت الولايات المتحدة في توجيه اهتماماتها المكثفة إليه، إلى حد أن غالبية الأطراف تُراهِن على الدور الأمريكي في حسم هذا السباق، وتناسى الجميع قوة أخرى صاعدة بدأت تتشكل في بعض الجمهوريات الإسلامية وتتطلع إلى كرسي الحكم لتُخَلِّصه من "رواسب الشيوعية" و"التوجهات الغربية" ولتضعه من جديد في يد الإسلام.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل