; ترسيخ الهيمنة الروسية ومكافحة العنصر الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان ترسيخ الهيمنة الروسية ومكافحة العنصر الإسلامي

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الأحد 09-فبراير-1992

مشاهدات 77

نشر في العدد 988

نشر في الصفحة 28

الأحد 09-فبراير-1992

صراع النفوذ وسط آسيا

من المفارقات أن مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا قد نشأ في الأصل بناء على مبادرة سوفييتية استهدفت- في عهد بريجنيف- زرع وتد بين الأمريكيين والأوروبيين الغربيين، ثم شجعت سياسة ألمانيا نحو الشرق موسكو آنذاك على القبول بوجود كندا والولايات المتحدة الأميركية في المؤتمر، الذي انتهت مفاوضات الإعداد له بوثيقة هيليسنكي الختامية عام ١٩٧٥م، والتي يميل معظم الباحثين اليوم إلى القول أنها كانت المنطلق إلى زعزعة أركان المعسكر الشرقي، ومن ثم انهيار الاتحاد السوفييتي عن طريق نشأة الحركات المعارضة من جهة، والتغلغل المالي والاقتصادي الغربي من جهة أخرى، إلى جانب إنهاك طاقة موسكو المالية في السباق على التسلح.. فكأنما وضع الاتحاد السوفييتي بمبادرته القديمة حجر الأساس بيديه للتطورات التي قضت عليه من بعد، ومن هذا المنطلق يمكن أن نتساءل اليوم هل ستحقق خطوة التمدد الأوروبي إلى وسط آسيا بضم الدول المستقلة حديثًا مكان الاتحاد السوفييتي أغراضها أم يتحقق مفعول معاكس؟

الفارق كبير.. فالشرق الذي كان منهارًا داخليًا واجه الغرب المتقدم عليه تقنيًا واقتصاديًا.. أما اليوم فتواجه الكتلة الشمالية المتقاربة- سياسيًا وعسكريًا- مجموعة دولية حديثة الاستقلال، لم تخرج بعد من آثار الحكم الشيوعي طوال سبعين سنة، والاحتلال الروسي منذ حوالي مائتي سنة، ومع ذلك فلن نستبعد حدوث ما لا يمكن تفسيره بالمعطيات الواقعية وحدها، فللتاريخ سنته الثابتة، والمنطقة الإسلامية وسط آسيا هي نفسها التي شهدت في عصور ماضية انسياح التتار بكفرهم حتى وصلوا إلى موسكو وكييف ووارسو وبخارست، ثم تحولهم في الأرض التي أنجبت البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي وأمثالهم إلى مسلمين، ولا يزال أحفادهم يتمسكون بالإسلام إلى اليوم.. ومنهم مليون مسلم معظمهم من أصل تتاري داخل موسكو نفسها.

* أوروبا وأمريكا تدعمان الهيمنة الروسية على بلدان وسط آسيا الإسلامية

أهداف النفوذ الجديد

هذه المقدمة ضرورية ونحن ننظر في الأحداث المعاصرة في إطار رؤية محدودة زمنيًّا وجغرافيًّا لتوضع في إطارها التاريخي الأوسع نطاقًا.

لقد كانت تركيا من المتزعمين للمطالبة بضم بلدان رابطة الدول المستقلة إلى المؤتمر الأوروبي، وبالذات الدول الإسلامية الآسيوية، ولتركيا أهدافها الخاصة التي يمكن رؤيتها في إطار تنافسها الراهن مع إيران داخل المنطقة المفتوحة الأبواب أمام مختلف التحركات السياسية والاقتصادية الخارجية، ويمكن رؤيتها في إطار تعزيز مكانتها بدورها.

* الدوافع الغربية متعددة، والأهداف مشتركة وراء امتداد مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي إلى وسط آسيا.

مكافحة الأصولية!

يلفت النظر هنا أن مؤتمر براغ للأمن والتعاون في أوروبا لم يكد يختتم أعماله؛ حتى سارع وزير خارجية قيرغيزيا مراد إيمانقلييف إلى القول في تصريح نقلته وكالة رويتر، وجاء فيه أن إقامة علاقات جديدة مع الغرب تساعد على إقامة الديمقراطية، والتخلص من الاتجاهات الأصولية الإسلامية.. ومضى وزير خارجية طاجكستان لاكيم كابوموف في اليوم نفسه خطوة أبعد في التحذير من مفعول الاتجاهات الأصولية، وسعي دول مجاورة لدعم نفوذها، واعتبار ذلك أمرًا واقعًا، وليست هذه هي التصريحات الأولى التي تبين اتجاه الريح في المنطقة منذ بدأ الاتحاد السوفييتي يتفكك لتحل فيه أوضاع جديدة أنهت وجود الأحزاب الشيوعية إلا في عدد من البلدان الإسلامية المستقلة.. وقد سبق أن نقلت وكالة رویتر نفسها تصريحات مماثلة عن رئيس قازاقستان نزارباييف ورئيس قيزغزيا عكاييف في منتصف تشرين أول - أكتوبر الماضي.. ونعزف عن ضرب مزيد من الأمثلة تجنبًا للإطالة.

روسيا.. والتنافس الغربي

وإذا أردنا شواهد على مكانة النفوذ التي يراد أن تكون لروسيا تجاه الدول الأخرى، ولاسيما الإسلامية، ومثال ذلك مصرف التجارة الخارجية في موسكو، الذي حمل مسؤولية قضايا التمويل مع بقية بلدان الرابطة.. وبالتالي سائر ما يتعلق بالقروض الغربية.. ولا تتردد روسيا عن استخدام هذا الموقع لتثبيت نفوذها، ولعل من أواخر الأمثلة على ذلك تصريح رئيس اللجنة الروسية للتعاون الاقتصادي ماشستس للتليفزيون الروسي يوم 29/1/92 بأن روسيا لن تلتزم بفقرة الميزات الخاصة في المعاملات التجارية والاقتصادية مع الجمهوريات التي لا تلتزم من جانبها بالروبل الروسي كعملة نقدية مشتركة، وبالتنسيق مع موسكو في سياسة المصارف المالية وسياسات التصدير والاستيراد.

إن مجموع المنطقة التي عرفت تاريخيًا بتركستان وقفقاسيا (أو ما استقل عنها) أصبحت الآن مسرح صراع نفوذ دولي بوجه جديد، يمكن إدراجه حسب مصطلحات عهد الحرب الباردة في نطاق التفاهم على اقتسام مناطق النفوذ، ويبدو أنه قد رسا على روسيا التي ورثت المقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي عن الاتحاد السوفييتي، وتريد أن تضمن لنفسها عناصر التحول إلى دولة كبرى من جديد، وتجد على ذلك الدعم الأوروبي بزعامة ألمانيا لمواقع تصدر عن رؤية روسيا كحليف المستقبل في إطار صراع الأقطاب الاقتصادية العالمي، وتجد الدعم الأميركي التي تريد أن تحول عبر تعزيز علاقاتها الثنائية مع روسيا دون بروز التكتل الأوروبي القاري المتوقع.. وقد وجدت واشنطن تجاوبًا من جانب يلتسين الساعي من مركز الضعف إلى الاستفادة من التنافس الأوروبي- الياباني- الأميركي، فشدد مواقفه تجاه اليابان «جزر الكوريل»، وتجاه ألمانيا (الأقلية الألمانية ومشروع الحكم الذاتي لها)، بينما جعل اقتراحاته الأخيرة مفصلة على مقاس التعاون المباشر مع واشنطن؛ فأعلن عن تحويل أهداف الصواريخ النووية عن المدن الأميركية- مهملًا ذكر الأوروبية- وأعلن عن الاستعداد لإتلاف سائر الصواريخ البعيدة المدى وجزء من الأقصر مدى التي تهدد أوروبا الغربية من دون الأراضي الأميركية، ودعا إلى إقامة شبكة الصواريخ الدفاعية الكونية بصورة أمريكية-روسية مشتركة.

* قيرغيزيا وطاجكستان الارتباطات الجديدة بالغرب تساعد على مكافحة الأصولية الإسلامية.

إن التنافس الغربي يلتقي في النهاية عند الرغبة المشتركة في أن تصبح روسيا هي الدولة المهيمنة إقليميًا، والتي يمكن من خلالها أن يرسخ النفوذ الغربي في مجموع المنطقة، ولا يبدو في سياسة الجمهوريات الإسلامية المستقلة أنها تعمل على مواجهة النفوذ الخارجي مواجهة فعالة، مما يمكن إعادته إلى أسباب عديدة في مقدمتها:

1- أن الرغبة في الاستقلال الكامل تقابلها المشكلات الضخمة الداخلية التي تزيد الحاجة إلى دعم خارجي.

2- أن الدول التي أظهرت الاستعداد لتعاون فعال من خارج منطقة الشمال هي حتى الآن تركيا وإیران بأهداف ذاتية لكل منهما.

3- أن الدول العربية والإسلامية الأخرى عامة لم تتحرك لتقديم دعم حقيقي حتى الآن، فضلًا عن أن دول وسط آسيا ترى أن واقع البلدان الإسلامية نفسها هو واقع الخروج من صراع نفوذ الحرب الباردة إلى تثبيت النفوذ أشد من ذي قبل عبر ما يسمى بالنظام العالمي الجديد.

ولعل بحث الدول الإسلامية الحديثة الاستقلال مازال مستمرًّا، فاحتمال أن تقدم فعلًا على تكوين رابطة اقتصادية مشتركة تدعم مركزها تجاه موسكو احتمال قائم بعد مثل محاولاتها لتوثيق صلاتها ببلدان إسلامية أخرى، علاوة على إيران وتركيا، فقد تحقق شيئًا من التوازن إذا حالفها النجاح، ولا نرى بوادر مشجعة بعد، وإن كنا نأمل في أن يحقق قرار إقامة علاقات دبلوماسية بين قازاقستان وباكستان الآن، بالإضافة إلى الاتفاق على زيارة نزارباييف إلى إسلام آباد في نهاية الشهر الجاري ما يوصل إلى توسيع دائرة التعاون مع المنطقة الإسلامية، على أساس التكامل والمصلحة المشتركة، وتجاوز أسباب التنافس والعوامل الأخرى المفرقة أقرب حضاريًا وواقعًا اقتصاديًا إليها داخل المجموعة الغربية التي لا تزال تقبل بها في أمور معينة، وترفضها في أخرى، ولكن أهداف تركيا التقت هنا مع أهداف الدول الأوروبية الغربية التي دعمت خطوة التوسع الجديدة، متغلبة على التحفظات الأميركية المبدئية، وهي أهداف معظمها معلن يمكن الاطلاع عليه من خلال العديد من التصريحات السياسية والتحليلات الإعلامية في الغرب ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1- تعزيز قدرة الدول الغربية في الحملة المكثفة الراهنة للحيلولة دون انتقال أسلحة نووية، أو تقنية صناعتها من منطقة الاتحاد السوفيتي سابقًا إلى بلد أو أكثر من البلدان الإسلامية.

2- ربط عجلة التطور الاقتصادي في الدول الحديثة الاستقلال بالغرب- ولاسيما عن طريق روسيا وأوكرانيا- من خلال تأمين استمرار قدرتهما على الاستفادة من المواد الخام ومصادر الطاقة في الأراضي الإسلامية (إلى جانب ما لا يزال تحت سيطرتها من هذه الأراضي)، ولعل هذا مما عدل الموقف الأميركي إلى الموافقة على ضوء تطور العلاقات مع روسيا نحو التعاون الثنائي، مما يعود بدوره إلى الرغبة الأميركية في ألا تصبح روسيا مع الزمن عنصر ثقل إضافي في التكتل الأوروبي الآخذ بالنمو والظهور.

3- الحيلولة دون تنامي الروابط الاقتصادية والثقافية والسياسية بين البلدان الإسلامية الأسيوية الحديثة الاستقلال خارج نطاق الضوابط الغربية مع الدول الإسلامية المجاورة، خاصة باكستان وإیران وتركيا (وأفغانستان بعد استكمال تحررها)، سواء كانت هذه الروابط باتجاه التكتل، كما تتبناه باكستان، أو في إطار التنافس كما بدأ بين تركيا وإيران، ولعل مما ساهم في قرار ضم الدول المعنية إعلان خمس منها عن التفكير بإنشاء رابطة اقتصادية مشتركة، ومن جهة أخرى فلعل الإعلان نفسه كان يستهدف الضغط باتجاه قبول طلبات الانضمام.

4- ومن الأهداف الروسية المباشرة المنضوية في إطار أهداف الغرب الاستعانة بالخلفاء الجدد أمام احتمالات تأثير الصين الشعبية في المنطقة التي لاتزال الأحزاب الشيوعية قائمة فيها كما كانت، أو بأسماء جديدة، وكانت الصين قد بدأت بالفعل بمحاولة تعزيز علاقاتها مع الدول الناشئة على حدودها الغربية.

5- مواجهة ما يسمونه التيار الأصولي، ويقصدون به كما هو معروف انتشار التيار الإسلامي، ومن الظاهر للعيان هنا أن المشكلة لم تبرز على السطح أصلًا في البلدان الإسلامية الأسيوية، بل لا يزال سكانها المسلمون يعانون من نقص الأساتذة والدعاة ليستكملوا معرفتهم بالإسلام ابتداءً، فضلًا عن ظهور تيار ناشط على المستوى الإسلامي، ولكن الغرب يعتبر الصحوة الإسلامية بمفهوم الإقبال الشعبي على الإسلام بحد ذاتها خطوة تؤدي عاجلًا أو أجلًا إلى غلبة التيار الذي يتطلع إلى إصلاح شامل للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق مفهوم الإسلام ونظامه، بما يحقق أهداف التحرر والكرامة والعدالة على مستوى الشعوب الإسلامية وعلى مستوى الأسرة البشرية.

الرابط المختصر :