العنوان وسقط الرهان في أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 909
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 21-مارس-1989
أجل تصدع الرهان.. وتهدم بنيانه، وتهاوت أصنامه.. تصدع وتهدم رهان اقتتال المجاهدين واصطراع المؤمنين.. تهاوى الرهان الذي راودت أحلامه المتربصين بالإسلام والمسلمين.. وألهى بسرابه ظمأ الذين آلمهم ويؤلمهم أن يروا آيات الجهاد تترى في ربوع أفغانستان.. الرهان الذي انعقدت عليه آمال الذين ملأت قلوبهم رغبة الطواغيت، وانحنت هاماتهم لسطوة المتسلطين في الأرض.. الرهان الذي دغدغ نزوات الذين أقحلت نفوسهم من معاني «الله أكبر»، وتصحرت قلوبهم من نعمة الاطمئنان لوعد الله- تعالى- بنصرة جنده الأبرار.. وعميت أبصارهم وبصائرهم عن نور اليقين بحقيقة وبركات.. إن الله معنا.. وتصدع واندثر بالوقت نفسه رهان الذين تسللوا ليفرضوا إمامتهم المزعومة.. وسيادتهم المقهورة على الجهاد الأفغاني والشعب الأفغاني.. فكانت خيبة ظنهم كبيرة.. وحصيلة خزيهم عظيمة..
أجل سقط الرهان بكل أشكاله وألوانه أمام قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141).. سقط الرهان والمتراهنون على احتراب المجاهدين وأنتكاسة جهادهم أمام وعد الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69).. وأي سبيل يضاهي سبيل الله؟!.. وأي هدي ينازع هدي الله؟!.. وأي مكر يغالب مكر الله؟! ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 54)، سقطوا جميعًا وقد جاءوا يريدون بالجهاد والمجاهدين كيدًا.. فكانوا هم المكيدين .. ويبغونهم شرًا فكانوا هم الأخسرين.. نعم.. وبفضل الله.. سقط رهان تفرق كلمة المجاهدين، وتمزق شملهم، وذهاب ريحهم، سقط ذلك كله بنغمة واحدة.. يتميز بها المؤمنون الأخيار عبر القرون والأزمان.. نعمة الحب في الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾(مريم:96)، ونعتقد ونجزم أن الحب في الله.. يسقط كل کيد ورهان.. ما دام يعمر قلوب المؤمنين، وتنبض به عروق المجاهدين.. وهكذا نحسب أن المجاهدين قد قهروا بحبهم في الله وتآلفهم في مرضاته كل الشياطين، فلا عجب، إنه الحب والود.. الذي استنبتت غراسة ركائز الإيمان في قلوبهم.. وروت رياضة دماء الشهداء الأبرار منهم.. وقطفوا ثماره مع نفحات نكران الذات في أنفسهم.
نحسبهم كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا، وكانت الكلمة الطيبة.. التي فجر ينابيع خيرها ونثر بركات أكلها فرسان ميادين القتال، دفعت بهم وبمبادرتهم خنادق البطولات في ربا أفغانستان.. وأوفدتهم محاريب فقه الجهاد في قمم الجبال؛ ليكون لهم بعد فضل الله- تعالى- وحفظه ورعايته فضل جمع كلمة إخوانهم وعقد لواء قياداتهم.. بعد أن وجفت القلوب، واستوطنت الحناجر جزعًا وخوفًا على إخوانهم في القيادة أن ينزع الشيطان بينهم فتغلب دنياهم آخرتهم.. بعد أن رأوا ما يحبون، إلا أن رحمة الله سبقت.. فأدركتهم أصالتهم.. وأسعفهم إيمانهم.. وارتضى بهم جهادهم، وأنتصرت آخرتهم على دنياهم؛ فتذكروا وأبصروا.. فاطاعوا وأنابوا.. فعلم الله- تعالى- ما في قلوبهم.. أو هكذا تحسبهم، ولا نتأله على الله تعالى.. فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا مؤزرًا.. ومغانم كثيرة.. وأي فتح أعظم؟ وأي مغنم أكبر من انصياع القلوب لطاعة الله؟ وتآلفها وتحابها في مرضاته.. والتزامها لأسباب نصره سبحانه.. وإنه لفتح كبير يوم تنعقد ألوية المجاهدين، وتتوحد صفوفهم، وهم بمنعرج العزة والمجد إن شاء الله.
ومرة أخرى.. سقط الرهان، وتبدد حطامه، وتناثرت أشلاؤه.. أمام المبادرة في إعلان الاعتراف بهم أمام الملأ.. وعلى أسماع العالم.. ومن ثم حاز المجاهدون على تمثيل شعبهم أمام العالم أجمع.. فكانت مبادرة هلل لها المجاهدون وكبروا.. وفرحت بها قلوب المؤمنين في كل مكان، فكانت حسرة على الظلم والظالمين.. وقهرًا للشيوعية والشيوعيين.. تم إرسالها صرخة مدوية مجلجلة انخلعت لها قلوب المكابرين، وتزلزلت بها مواقع المتشبثين بأوهامهم في کابل .. وارتعدت لها نفوس المناصرين لشبح نظامها المنهار.. يقرع آذانهم جميعًا قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81)..
أجل جاءت مواقف الرجولة والشجاعة، وقد وجم الجميع وتردد.. فاخترق صوتهم جدار صمت الواجمين.. وأنهى ريبة المترددين بالاعتراف الذي تلاه أخذ المجاهدين مكانهم.. إن انتصار حكومة المجاهدين هو انتصارات الإسلام المظفرة في أفغانستان.. فلا غرابة ولا عجب.. فهذا هو شأن المؤمنين الصادقين الأوفياء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (الأنفال: 72) صدق الله العظيم.