العنوان وسيبقى الدرس عظيمًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1983
مشاهدات 71
نشر في العدد 635
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 30-أغسطس-1983
بفراسة المؤمن، وثبات المجاهد، حذر عبد رب الرسول سياف، رئيس التحالف الإسلامي للمجاهدين الأفغان، من أن العودة المقترحة للملك السابق ظاهر شاه، هي مخطط روسي، وأن الشعب الأفغاني سوف يقاومه.
وقال: إن ظاهر شاه ما هو إلا بابراك كارمال آخر، وإن الشعب سيتعامل معه بنفس الأسلوب الذي اتبعه مع كارمال.
وقال سياف: إن الاتحاد السوفييتي، يريد من المجاهدين طرح سلاحهم أرضًا تحت ستار تغيير السلطة.
بهذه الكلمات القليلة في عددها، الواضحة في بيانها، أكد المجاهد المؤمن سياف الحقائق التالية:
ليست الحركة الجهادية في أفغانستان من أجل إقصاء نظام وإعادة آخر، إنما هي لإقامة حكم إسلامي في أفغانستان.
الشعب المجاهد الذي رفع السلاح في وجه كارمال ومن نصب كارمال، لن يخفض السلاح في وجه ظاهر شاه، ومن ينصب ظاهر شاه.
«کارمال» و «ظاهر شاه» ليسا إلا صنيعتين من صنائع الشرق أو الغرب، وولاؤهما لغير الله، وهذا يكفي المجاهدين لقتالهما، وغيرهما، حتى يكون الولاء لله وحده.
بأس المجاهدين وثباتهم، لا ينفي فطنتهم وحذرهم لما يكاد لهم، فكما هم يتصدون لجيش روسيا وترسانة أسلحتها، هم أيضًا يفطنون لمكرها، ويحذرون ختلها، ولا ينطلي عليهم خداعها.
ولكن، يبرز السؤال، لماذا تتراجع روسيا، وتقبل بأن يعود ظاهر شاه ملكًا لأفغانستان؟!
وقد تكون الإجابة صعبة، وما تضمنه السؤال غير منطقي أو معقول، عند الذين تصاغ لهم تصوراتهم، لكن الإجابة، في التصور الإسلامي، سهلة واضحة، والسؤال في التصور الإسلامي أيضًا منطقي معقول.
كيف؟
حين غزت روسيا أفغانستان، كانت تحسب غزوها رحلة تستغرق شهرًا أو شهرين، وإن طالت.. فستة أشهر أو عام وكانت تحسب أفغانستان مثل بولندا، أو المجر، أو تشيكوسلوفاكيا.. ترسل إليها قواتها المدججة بأحدث الأسلحة، فيستتب الأمر، وتخضع الناس لكن حساباتها خابت، فلم يكن الغزو رحلة، ولم تكن أفغانستان مثل بولندا أو المجر، ولم ينته الأمر وثلاث سنوات مضت حتى الآن! لم يستتب الأمر لعميلها، ولم تخضع الناس لجبروتها، ولم تنجح في التمكين للنظام.
قتلاها عشرات الآلاف إن لم يزيدوا.
الشعب الروسي لم يقنعه الإعلام الشيوعي بصواب تلك الحرب.
الأسر الروسية المفجوعة تزيد والنقمة المخنوقة تكبر.
سمعة روسيا مرغها المجاهدون في التراب.
الشعوب المسلمة وحدها مصاب أفغانستان.
بعد هذا كله، وبعد أن اتحد المجاهدون في تحالف واحد، وبعد أن أصبح كل مسلم يدفع من جيبه لإخوته في أفغانستان، و يتحرق شوقًا للقتال معهم، بعد هذا، أليس من المنطقي أن تفكر روسيا في تدارك نفسها، وغسل سمعتها.
ثم أليس خيرًا لروسيا أن تقام في أفغانستان دولة علمانية، في ظل حكم ملكي، بدلًا من دولة إسلامية، قوية تجاورها، وتجاور المسلمين المأسورين في «الاتحاد السوفييتي»؟!
يبدو أنه الحل الوحيد لروسيا، وهو حل يضمن لها أمورًا هامة:
يضمن لها رضا أميركا، ويدخلها معها في وفاق تحتاجه سياسيًا واقتصاديًا، وها هي توقع مع أميركا اتفاقية لتصدير القمح إليها، للسنوات الخمس المقبلة، بعد أن كانت أميركا، قد أوقفت تصدير القمح إليها، إثر غزوها لأفغانستان.
تحل المعادلة الصعبة مع بعض الأنظمة العربية التي لا تؤيدها في غزوها لأفغانستان، ولا ترتاح لإقامة نظام إسلامي فيها في الوقت نفسه، وذلك بإعادة الملك ظاهر شاه.
تحفظ -كما قلنا- سمعتها، ورجالها، وقوتها التي تستنزف يومًا بعد آخر على أيدي المجاهدين.
ولتنفيذ هذه اللعبة الروسية الأميركية الجديدة، بدأ يظهر على المسرح، رجال من أمثال صبغة الله المجددي، ومحمد نبي، والجيلاني، وهم عملاء أميركيون معروفون، يدعون للملك ظاهر شاه، ولعودته إلى أفغانستان، وبدأ الحديث عنهم، على أنهم من قادة الجهاد في أفغانستان! وصارت وكالات الأنباء الغربية تنقل تصريحاتهم، وتسلط الأضواء عليهم.
ولكن، يبرز سؤال آخر: ماذا ينفع ظاهر شاه؟ وهل تؤدي عودته إلى تحقيق الهدف المشترك لروسيا وأميركا: الحيلولة دون إقامة دولة إسلامية في أفغانستان؟!
عودة ظاهر شاه ما هي إلا توطئة لعمل جديد، خطوة جديدة، يمكن اختصارها بكلمات: الانحلال بعد أن أخفق الاحتلال، أخفقت فرنسا في احتلال أفغانستان، ثم أخفقت بريطانيا، وها هي اليوم روسيا تخفق، لماذا أخفقت هذه القوى؟ لقد أخفقت لأنها واجهت رجالًا مسلمين، ثباتهم أرسخ من الصخر، عزائمهم أمضى من الحديد، يعرفون كيف يموتون في سبيل ربهم!
إخضاع هؤلاء، إذن صعب، إلا إذا كان الانحلال هو السبيل وليس الاحتلال، والوسيلة لتحقيق هذا هي إقامة دولة علمانية، تقوم بالتغريب في أفغانستان، تفتح نوافذها أمام الفكر الغربي والترف الغربي، وكل ما في الحياة الغربية، فإذا ما تم ذلك، انقلب هذا الأفغاني المسلم إلى مترف ناعم لا يقدر على شيء.
ولكن.. هل يحدث هذا، هل يرضى الرجل الأفغاني المسلم المجاهد أن يلقي سلاحه إذا عاد الملك ظاهر شاه.. ورحل الروس من أرضه؟
لقد أجاب سياف على هذا السؤال في التصريح الذي أعلنه في الأسبوع الماضي ونقلناه في بداية هذا الحديث!
الجهاد ماض في أفغانستان، حتى يقام حكم الله فيها، ذهب الروس أم بقوا، أتى الأميركان أم الإنجليز، كانت الدمية كارميل أو ظاهر شاه أم حفيظ الله أم غيرهم؟
وسيبقى الدرس عظيمًا، وكبيرًا، لكل المسلمين، ولكل الطغاة، ولكل الذين يريدون أن يعرفوا كيف يفعل الإسلام إذا حمله رجال مؤمنون به حق الإيمان، صادقون في العمل له مخلصون في الالتزام به.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل