العنوان معالم على الطريق.. وصايا الاستشهاديين إلى المسلمين الصادقين
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2001
مشاهدات 94
نشر في العدد 1457
نشر في الصفحة 47
السبت 30-يونيو-2001
الصدق مع الله قوة، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ (محمد: ٢١).
والصدق في الدعوات نصر وعز ورجولة ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (الأحزاب: ۲۳)، والصدق هو طريق الفلاح وسبيل اليسير والنجاح ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (الليل: ٥ - ٧).
والصدق من صفات الأنبياء، وطبيعة المرسلين، ونهج الصديقين والشهداء، ولهذا قال القرآن في إبراهيم – عليه السلام –﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٤١)، وفي إسماعيل ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٥٤)، ولهذا دعا الأنبياء الله أن يكونوا من الصادقين، وأن يدخلهم مدخل صدق ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ (الشعراء: ٨٤)، واجعلني في مقعد صدق ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: ٥٥)، لأنه لا ينفع مع الإيمان إلا الصدق، ولا يفوز المؤمن إلا بالصدق ﴿قَالَ اللَهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (المائدة: ۱۱۹)، ومن أجل ذلك حض الحق سبحانه المؤمنين على الصدق والالتزام بنهج السابقين، فقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩)، والصدق كما هو منسوب إلى الأنبياء والصالحين منسوب إلى الحق سبحانه لشرفه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: ٨٧)، والصدق بالنسبة للإنسان مطابقة القول للمضمر والمخبر عنه معًا، ويضاده الكتب، وهو من صفات الكافرين والمنافقين ﴿وَاللَهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾(المنافقين: ١)، ومن أفضل وأعلى وأجل الصادقين مع الله المجاهدون في سبيله والشهداء دفاعًا عن دينه فهم حزبه ﴿أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ الله أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ (المجادلة: ٢٢)، وكنت أرى الصدق بأجل معانيه في الصحب الأول الذي حمل الإسلام إلى الأفاق وباع دنياه بأخراه، واليوم أراه في المجاهدين الأبرار في فلسطين الذين اشترى الله منهم أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة، يبذلون أرواحهم دفاعًا عن دينهم ومقدساتهم وشرفهم وشرف المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولعلي وأنا أقرأ سيرهم ووصاياهم أرى النور الذي يشع منها، والأضواء الإيمانية التي تشع على القلوب من ثناياها، فتكسوها بالجلال والكمال والصدق فأقول: لو كان معهم سلطة تعطيهم الأمان ولا تعالى عليهم العدو، ولكن حسب المؤمنين أن يروا نفحات الصف الأول، وإيمان الصحب الكريم وتضحيات المجاهدين حول رسول الله، تتمثل ثانية، وتتشخص مرة أخرى في أبطال الانتفاضة وأسود الدفاع عن الأقصى وفلسطين، ومقاومة الغزاة والمحتلين، وحسب الشباب الحامل الضائع اليوم أن ينظروا إلى رواد النهضة الحديثة وأبطال الكفاح المدافعين عن حياض الأمة وعزتها ومجدها، ينتصرون، وترتعد فرائص العدو من شجاعتهم وبأسهم وإيمانهم وحميتهم، فيتذكر مجده ويرجع إلى صوابه، وينهض إلى العلي وتكون يقظة تسر الصديق، وتضر العدو، وتبعث الرقاد وتلهب الإيمان وتطلع الإصباح، ورأيت أن اتبع حديثي هذا بحديث الشهداء الفلسطينيين ووصاياهم، حتى يفرح المؤمنون بنصر الله، ويعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فهذه وصايا الشباب الاستشهادي من حماس إلى المسلمين اللاحقين بهم.
هذه وصية الشهيد البطل عرفات طلال أبو كويك (۲۱عامًا).، الذي استشهد في عملية بطولية ضد قوات الإرهاب الصهيوني في ذكرى اغتصاب فلسطين غرب خان يونس بتاريخ ١٤/٥/٢٠٠١م.
وصية الشهيد القسامي عرفات أبو كويك: الحياة بجوار رب العزة هي أفضل حياة.
«الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى من والاه إلى يوم الدين يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الله ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ الله فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١١١) وقال:﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ الله ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ (التوبة: ٤١)، وصدق رسول الله ﷺ حين قال:« لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما»، والقائل:«إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض»، تحية طيبة وبعد:
إخواني الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أبي وأمي يا أعز الناس إلى قلبي يا إخواني يا أصحابي إن الحياة بجوار رب العزة لهي أفضل حياة وخير من أي حياة والله إنها لبئس حياة يتحكم فيها الطغاة والمستكبرون، والله إنها لشهادة لا تنتهي في ساعة ولا تنتهي في ليلة ولا يصل الحبيب إلى الحبيب إلا شريدًا أو شهيدًا.
لقد اخترت هذا الطريق الإيماني العميق بهذا الطريق، طريق الجنة، طريق مرضاة حبيب ربي وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبلني الله شهيدًا في سبيله، فلا تهنوا ولا تحزنوا على فراقي، فإذا كان هذا الفراق إلى جوار ملك الملوك فإنه خير فراق.
إلى أمي، وإخواني وأخواتي أوصيكم باتباع منهج الحياة الأبدية القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأن لا خير ولا نجاة من نار الله إلا بالسير وراء هذا المنهج الرباني الذي يريح البال والحال.
إخواني الأفاضل: وأنا أكتب هذه الكلمات قبل لقائي لله عز وجل أقول لكم أن اثبتوا على هذا الدين العظيم، وأدوا فرائضه على أكمل وجه وابحثوا عن معرفة الله واعبدوا الله كأنكم ترونه وابتعدوا عن كل شيء يغضب الله، ولا تغرنكم الحياة الدنيا وزينتها كما أغوتنا، فالدنيا دار ممر، ولیست دار مقر.
أخوكم المحب عرفات طلال أبو كويك، وأسال الله أن يجمعني معكم في جناته سبحانه وتعالى ويكتبني مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقًا ١٤/٥/٢٠٠٠م.
هذه وصية واحدة من كثير من الوصايا التي تدل على صدق إيمان ومضاء عزيمة، وحب للشهادة، ونصرة دين الله والدفاع عن حرمات المسلمين وهؤلاء هم الشباب الرجال أبناء العشرين الذين أحرجوا الصهاينة وأذلوا شارون، حتى قال عوزي بنزمان في هاآرتس ٢٠/٥: «إن إسرائيل تعيش منذ تسعة أشهر في وضع حرج وصعب وصفه شيمون بيريز بأنه يمثل خطرًا وجوديًا لم يكن له مثيل منذ حرب ١٩٤٨م»، هل رأيتم مثل هذا إلا ببضعة من الشباب الذي لو أطلق على الكيان الصهيوني، وإلا فلا نامت أعين الجبناء، فلا نامت أعين الجبناء.