العنوان وصايا وتنبيهات لحجاج بيت الله الحرام
الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1987
مشاهدات 20
نشر في العدد 828
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 04-أغسطس-1987
وصايا وتنبيهات
لحجاج بيت الله الحرام
لسماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أهم الفرائض
وأعظم الواجبات هو توحيد الله وإخلاص العبادة له في جميع العبادات
الحمد لله وحده
والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين.
أيها المسلمون
من حجاج بيت الله الحرام:
أسأل الله لنا
ولكم التوفيق لما يرضيه والعافية من مضلات الفتن، كما أسأله سبحانه أن يوفقكم
جميعاً لأداء مناسككم على الوجه الذي يرضيه، وأن يستقبل منكم وأن يردكم إلى بلادكم
سالمين موفقين أنه خير مسئول.
أيها المسلمون
إن وصيتي أجمعين هي تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال والاستقامة على دينه والحذر
من أسباب غضبه.
وأن أهم
الفرائض وأعظم الواجبات هو توحيد الله والإخلاص له في جميع العبادات، مع العناية
باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال، وأن تؤدى مناسك الحج وسائر
العبادات على الوجه الذي شرعه الله لعباده على لسان رسوله وخليله وصفوته من خلقه
نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
وأن اعظم
المنكرات وأخطر الجرائم هو الشرك بالله سبحانه، وهو صرف العبادة أو بعضها لغيره
سبحانه لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وقوله سبحانه يخاطب نبيه محمداً صلى
الله عليه وسلم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
حجاج بيت الله
الحرام: إن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد هجرته إلى المدينة إلا حجة واحدة
وهي حجة الوداع وذلك في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وقد علم الناس فيها مناسكهم
بقوله وفصله، وقال لهم صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم».
فالواجب على
المسلمين جميعاً أن يتأسوا به في ذلك، وأن يؤدوا مناسكهم على الوجه الذي شرعه لهم،
لأنه صلى الله عليه وسلم هو المعلم والمرشد وقد بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على
العباد أجمعين، فأمر الله عباده بأن يطيعوه وأن يتبعوه وبين أن اتباعه هو سبب دخول
الجنة والنجاة من النار، وأنه الدليل على صدق حب العبد لربه وعلى حب الله للعبد
كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا﴾ وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وقال عز وجل: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ
يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وقال عز وجل: ﴿قُلْ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فوصلتي لكم
جميعاً ولنفسي تقوى الله في جميع الأحوال والصدق في متابعة نبيه محمد صلى الله
عليه وسلم في أقواله وأفعاله تفوزوا بالسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.
حجاج بيت الله
الحرام: إن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الثامن من ذي الحجة توجه
من مكة إلى منى ملبياً وأمر أصحابه رضي الله عنهم أن يهلوا بالحج من منازلهم
وبتوجهوا إلى منى، ولم يأمر بطواف الوداع دل ذلك على أن السنة لمن أراد الحج من
أهل مكة وغيرهم من المقيمين فيها، ومن المحلين من عمرتهم وغيرهم من الحجاج أن
يتوجهوا إلى منى في اليوم الثامن ملبين بالحج، وليس عليهم أن يذهبوا إلى المسجد
الحرام للطواف بالكعبة طواف الوداع.
ويستحب للمسلم
عند إحرامه بالحج أن يفعل ما يفعله في الميقات عند الإحرام: من الغسل والطيب
والتنظيف كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بذلك لما أرادت الإحرام بالحج
وكانت قد أحرمت بالعمرة فأصابها الحيض عند دخول مكة وتعذر عليها الطواف قبل خروجها
إلى منى فأمرها صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتهل بالحج ففعلت ذلك فصارت قارنة بين
الحج والعمرة.
وقد صلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في منى الظهر والعصر والمغرب
والعشاء والفجر قصراً من دون جمع، وهذه هي السنة تأسياً به صلى الله عليه وسلم.
وينبغي للحجاج
في هذه الرحلة أن يشتغلوا بالتلبية ويذكر الله عز وجل وقراءة القرآن وغير ذلك من
وجوه الخير كالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان إلى
الفقراء.
فلما طلعت
الشمس يوم عرفة توجه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إلى عرفات منهم من
يلبي ومنهم من يكبر، فلما وصل عرفات وجد قبة من شعر ضربت له هناك واستظل بها قبل
الصلاة والسلام فدل ذلك على جواز استظلال الحجاج بالخيام والشجر ونحوها.
فلما زالت
الشمس ركب دابته عليه الصلاة والسلام وخطب الناس وذكرهم وعلمهم مناسك حجهم وحذرهم
من الربا وأعمال الجاهلية وأخبرهم أن دماءهم وأموالهم وأعراضهم عليهم حرام، وأمرهم
بالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما
داموا معتصمين بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالواجب على
جميع المسلمين الحجاج وغيرهم أن يلتزموا بهذه الوصية وأن يستقيموا عليها أينما
كانوا، ويجب على المسلمين جميعاً أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم وأن يحكموها في جميع شؤونهم وأن يلتزموا شعوبهم بالتحاكم إليها، وذلك هو طريق
العزة والكرامة والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. وفق الله الجميع لذلك.
ثم إنه صلى
الله عليه وسلم صلى بالناس الظهر والعصر قصراً وجمعاً جمع تقديم بأذان واحد
وإقامتين ثم توجه إلى الموقف واستقبل القبلة ووقف على دابته يذكر الله ويدعوه، و
يرفع يديه بالدعاء حتى غابت الشمس وكان مفطراً ذلك اليوم، فعلم بذلك أن مشروع
للحجاج أن يفعلوا كفعله صلى الله عليه وسلم في عرفات وأن يشتغلوا بذكر الله
والدعاء والتلبية إلى غروب الشمس وأن يرفعوا أيديهم بالدعاء وأن يكونوا مفطرين لا
صائمين.
وقد صح عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة»
وأنه سبحانه ليدنو فيباهي بهم ملائكته، ورواى عنه صلى الله عليه وسلم أن الله يقول
يوم عرفة لملائكته: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً يرجون رحمتي أشهدكم أني
قد غفرت لهم». وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وقفت ها هنا وعرفة كلها
موقف».
ثم إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعد الغروب توجه ملبياً إلى مزدلفة وصلى بها المغرب
ثلاثاً والعشاء ركعتين بأذان واحد وإقامتين ثم بات بها وصلى بها الفجر مع سنتها
بأذان وإقامة، ثم أتى المشعر فذكر الله عنده وكبره وهلله ودعا ورفع يديه وقال:
«وقفت ها هنا وجمع كلها موقف».
فدل ذلك على أن
جميع مزدلفة موقف للحجاج يبيت كل حاج في مكانه ويذكر الله ويستغفره في مكانه، ولا
حاجة إلى أن يتوجه إلى موقف النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رخص النبي
صلى الله عليه وسلم لليلة مزدلفة للضعفة أن ينصرفوا إلى منى بليل.
فدل ذلك على
أنه لا حرج على الضعفة من النساء والمرضى والشيوخ ومن تبعهم في التوجه من مزدلفة
إلى منى في النصف الأخير من الليل عملاً بالرخصة وحذراً من مشقة الزحمة. ويجوز لهم
أن يرموا الجمرة ليلاً كما ثبت ذلك عن أم سلمة وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.
وذكرت أسماء
بنت أبي بكر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للنساء بذلك.
ثم إنه صلى
الله عليه وسلم توجه إلى منى ملبياً، فقصد جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات يكبر مع
كل حصاة، ثم نحر هديه ثم حلق رأسه ثم طيبته عائشة رضي الله عنها ثم توجه إلى البيت
فطاف به.
وسئل صلى الله
عليه وسلم في يوم النحر عمن ذبح قبل أن يرمي، ومن حلق قبل أن يذبح، ومن أفاض إلى
البيت قبل أن يرمي، فقال: لا حرج.
قال الراوي:
فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
وسأله رجل
فقال: يا رسول الله سُعيت قبل أن أطوف فقال: لا حرج.
فعلم بهذا أن
السنة للحجاج أن يبدأوا برمي الجمرة يوم العيد ثم ينحروا إذا كان عليهم هدي، ثم
يحلقوا أو يقصروا.
والحلق افضل من
التقصير فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالمغفرة والرحمة ثلاث مرات للمحلقين
ومرة واحدة للمقصرين.
وبذلك يحصل
للحاج التحلل الأول فيلبس المخيط، ويتطيب ويحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا
النساء، ثم يذهب إلى البيت فيطوف به في يوم العيد أو بعده. ويسعى بين الصفا
والمروة إن كان متمتعاً.
أما إذا كان
الحاج مفصلاً أو قارناً فإنه يكفيه السعي الأول الذي أتى به مع طواف القدوم. فإن
لم يسع مع طواف القدوم وجب عليه أن يسعى مع طواف الإفاضة.
ثم رجع صلى
الله عليه وسلم إلى منى فأقام بها بقية يوم العيد واليوم الحادي عشر والثاني عشر
والثالث عشر، يرمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال يرمي كل جمرة بسبع
حصيات ويكبر مع كل حصاة ويدعو ويرفع يديه بعد الفراغ من الجمرة الأولى والثانية
ويجعل الأول عن يساره حين الدعاء والثانية عن يمينه ولا يقف عند الثالثة.
ثم تابع صلى
الله عليه وسلم في اليوم الثالث عشر بعد رمي الجمرات فنزل بالأبطح وصلى به الظهر
والعصر والمغرب والعشاء.
ثم نزل إلى مكة
في آخر الليل وصلى الفجر بالناس عليه الصلاة والسلام، وطاف للوداع ثم توجه بعد
الصلاة إلى المدينة في صبيحة اليوم الرابع عشر عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
فعلم من ذلك أن
السنة للحاج أن يفعل كفعله صلى الله عليه وسلم في أيام منى فيرمي الجمار الثلاث
بعد الزوال في كل يوم. كل واحدة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة، ويشرع له أن يقف بعد
رميه الأول ويستقبل القبلة يدعو ويرفع يديه ويجعلها عن يساره ويقف بعد رمي الثانية
كذلك ويجعلها عن يمينه وهذا مستحب. فإن لم يتيسر له الرمي بعد الزوال وقبل غروب
الشمس رمى في الليل من اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل في أصح قولي العلماء
رحمة من الله سبحانه بعباده وتوسعة عليهم.
ومن شاء أن
يتعجل في اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا بأس ومن أحب أن يتأخر حتى يرمي
الجمار في اليوم الثالث عشر فهو أفضل لكونه موافقاً لفعل النبي صلى الله عليه
وسلم.
والسنة للحاج
أن يبيت في منى ليلة الحادي عشر والثاني عشر وهذا المبيت واجب عند كثير من أهل
العلم ويكفي أكثر الليل إذا تيسر ذلك ومن كان له عذر شرعي فلا مبيت عليه.
أما ليلة
الثالث عشر فلا يجب على الحجاج أن يبيتوها بمنى إذا تعجلوا ونفروا من منى قبل
الغروب. أما من أدركه الغروب بمنى فإنه يبيت ليلة الثالث عشر ويرمي الجمار بعد
الزوال يوم الثالث عشر ثم ينفر وليس على أحد رمي بعد الثالث عشر ولو أقام بمنى.
ومتى أراد
الحاج السفر إلى بلاده وجب عليه أن يطوف بالبيت للوداع سبعة أشواط لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «لا ينفر أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» إلا الحائض والنفساء
فلا وداع عليهما لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر الناس أن يكون آخر
عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض». ومن أخر طواف الإفاضة فطافه عند
السفر أجزأه عن الوداع لعموم الحديثين المذكورين.
وأسأل الله أن
يوفق الجميع لما يرضيه وأن يتقبل منا ومنكم ويجعلنا وإياكم من العتقاء من النار
إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام
لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد
عبد العزيز بن
عبد الله بن باز
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل