; المجتمع التربوي: 1185 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: 1185

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1996

مشاهدات 95

نشر في العدد 1185

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 23-يناير-1996

وصايا وتوجيهات  في شهر رمضان المبارك

بقلم: محمد عبد العزيز الشيخ

أخي المسلم.. حفظك الله ورعاك، وتقبل الله منا ومنك هذه بعض الوصايا والتوجيهات التي فاض بها الخاطر ونحن نستقبل هذا الشهر الحبيب فما وجدت فيها من خير فاعمل به وذلك من توفيق الله لي ولك:

۱ - اتق الله وراقبه خلال أي عمل تقوم به من عبادة قبل وأثناء وبعد رمضان فتلك الثمرة المرجوة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

2- هيئ نفسك لاستقبال هذا الشهر بزيادة أعمال البر والإحسان والنوافل بأنواعها يأتي الشهر الجليل ولديها الاستعداد التام لبذل المزيد والمزيد.

3- بارك لوالديك وأقاربك وإخوانك مقدم هذا الشهر العظيم شخصيًا أو هاتفيًا، وذلك في الأيام الأولى منه ولا تنس الدعاء الوارد عند رؤية الهلال.

4- احصر ما يحضرك من الأقارب والأرحام والمعارف والأصدقاء واجتهد بتخصيص وقت لزيارتهم والاتصال بهم والإحسان إلى من يحتاج منهم إلى صلة ورحمة.

5 – كان r جوادًا كريمًا وكان أجود ما يكون في رمضان، فعلى الداعية أن يتفقد إخوانه ويسأل عن أحوالهم ويواسي من يحتاج منهم إلى ذلك ماديًا أو معنويًا والكلمة الطيبة صدقة.

٦ - تعاون مع إخوانك المسلمين في الدعوة أو العمل الوظيفي أو الحي فيما فيه فائدة كتنفيذ البرامج والأنشطة المختلفة التي تنفع المسلمين.

7- بادر إلى الصلوات المفروضة قبل أن يحين موعد الأذان ما استطعت إلى ذلك سبيلًا للتزود من الطاعات وقراءة القرآن، فلو استطعت أن تقرأ جزءًا كاملًا قبل كل صلاة، فذلك مكسب عظيم ولو أكثرت فالله أكثر.

8- تعرف على حال إخوانك المسلمين في الداخل والخارج وأعلم بما يتوجب عليك نحوهم وخاصة ممن حرموا الطعام الطيب واللبس الدافئ والمسكن المريح وصلهم بمعروفك وما يصلك من زكاة وصدقات فتكسب ودهم. 

9- طهر قلبك من كل شبهة وشهوة، وطهر منزلك من كل شائبة ومنكر فيه الضرر على نفسك وأهل بيتك مستغلًا حرمة هذا الشهر وروحانيته.

۱۰ - اغتنم الفرصة لأداء العمرة في هذا الشهر مرتبًا ذلك مع أهلك أو إخوانك.

۱۱ - لا تدخل في مشاحنة مع أحد وجنب نفسك مواطن الزلل والفتن واحفظ أهلك من ذلك.

۱۲ - رتب أوقات من تعول وتحت ولايتك فيما يعود عليهم بالنفع في دنياهم وأخراهم وكن عونا لهم على الطاعة والدال على الخير كفاعله.

۱۳ - اجعل لسانك رطبًا بذكر الله ولا تنس الأدعية المأثورة في جميع شؤونك وأحوالك وتذكر أن للصائم دعوة لا ترد.

١٤ - أحسن إلى من أساء إليك واسترضى من أسأت إليه، وصل من قطعك ولا تنم ليلة إلا وقلبك سليم على المسلمين فتلك صفة إيمانية محروم منها الكثير.

 15- اجعل لك ورد محاسبة يومية في رمضان تنظر فيه في نهاية اليوم إلى ما قصرت فيه فاعمل على زيادته بالطاعات وما أسأت فيه فتمحوه بالحسنات وما أحسنت فيه فتكثر منه وتخيل نفسك في أول يوم من رمضان وكأنك في آخر يوم منه.

١٦ - اجعل كتاب الله لا يفارقك وفي متناول يدك حيث كنت، واستعن على تفهمه وتدبره بكتب التفسير المعتبرة ولا تبخس نفسك نصيبها من حديث رسول الله r فذلك نور على نور.

17- اضبط أمر النوم في رمضان بوقت محدد معلوم واعلم أنك لو استسلمت لذلك السلطان لقصم ظهرك وضيع وقتك ونقص أجرك.

 18- اجعل في مجلسك وسيارتك من الكتب الطيبة والأشرطة النافعة ما يمكن أن تقدمه هدية للناس في هذا الشهر الفضيل واعلم أن الناس لديهم القابلية للاستجابة للخير في الشهر ما لا تجده في غيره من الشهور.

 ۱۹ - تفقد من حولك من ضعفاء المسلمين وتعهدهم بالصلة والصدقة والزائد من طعامك اليومي فذلك خير من أن يكون مقره القمامة فتحرم غيرك من خيرك وتخسر مالك وتضيع أجرك.

٢٠ - لتكن قراءتك العامة واطلاعك قراءة مركزة وهادفة محددًا لمن وكيف ومتى وأين تقرأ؟ وأنظر إلى حاجتك الثقافية فسددها ثم الأولى فالأولى، وإياك والقراءة العابثة أو غير نافعة.

۲۱ - افتح منزلك لاستضافة إخوانك أو أهلك أو جيرانك أو أهل حيك أو الفقراء من المسلمين وقم بإفطارهم ولو مرة واحدة في هذا الشهر الكريم فأجرك ذلك لا يخفى.

 ۲۲ - حاول أن تتعرف على من لم تعرفه من أبناء الحي ورجالاته مستغلًا روحانية هذا الشهر وصفاء النفوس وتألفها فيه، وذلك من خلال المسجد أو حضور المناسبات العامة أو الخاصة وغيرها.

۲۳ - احترس عند الإفطار من الإفراط في الطعام فإنه سبب للكسل والخمول عن تأدية العبادة ونظم وجباتك وفق ما وردت به السنة المطهرة.

٢٤ - إياك والسهر الليلي الذي لا فائدة منه، وليكن لك نصيب من النوم ليلًا ففيه راحة لجسدك وعقلك وعونًا على الطاعة بقية يومك.

 ٢٥ - اتصل بالهيئات والمؤسسات الخيرية التعاونية خلال هذا الشهر وكن عونًا لهم على تنفيذ مشاريعهم وبرامجهم وإن لم يكن بيدك ما تجود به فلا أقل من تقديم الدعم المعنوي والتشجيع الأخوي لجهودهم.

٢٦. وأخيرًا. اجعل الموت على لسانك وقلبك.. والقبر مسكنك الحقيقي الذي ينتظرك أمام عينيك وعلى خاطرك فستجد أن هذا الأمر يدفعك إلى الخير دفعًا ويحجزك عن الشر بإذن الله تعالى والله يوفقك إلى ما يحب ويرضى.

طريق الأمناء لتحقيق الوفاء
تغير الأحوال لا يمنع الوفاء

ومن العهود التي ينبغي الوفاء بها ألا يتنكر الإنسان حين تصيبه نعمة لما كان عليه من قبل ولمن عرفهم في الضراء قبل أن تصيبه السراء، فإن كان فقيرا فاغتني، فلا ينبغي أن يتنكر للفقراء ويحتقر البؤساء، ويتكبر على الناس بما أتاه الله من فضله، وإن كان مغمورًا فاشتهر بين الناس، وعرف عند ذوي السلطان فلا ينبغي أن يتكبر بمنصبه على الناس ولا أن يستعلى عن غيره بسلطانه، وإن كان ضعيفًا فقوي فلا ينبغي أن يلقى منه الضعفاء غير كل عون، وهذا باب واسع وخندق عميق قل من ينجو منه، ويفلت من الوقوع فيه، وقصة بني إسرائيل الثلاثة تغنينا عن الاسترسال في الأمثلة روى أبو هريرة عن رسول الله قال: «إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم، ملكًا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطى لونًا وجلدًا حسنًا فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل فأعطاه ناقة عشراء وقال: بارك الله لك فيها.

ثم أتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قدرني الناس فمسحه فذهب عنه، وأعطى شعرًا حسنًا، وقال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطى بقرة حاملًا وقال: بارك الله لك فيها.

ثم أتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله على بصري فمسحه، فرد الله عليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطى شاة والدًا.

فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم.

ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن بعيرًا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة فقال: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرًا فأعطاك الله؟ قال: إنما ورثت هذا المال كابرًا قال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت عليه.

وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ذلك، ورد عليه مثل ما رد الأول، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت عليه.

ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال، فقال: قد كنت أعمى فرد الله على بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم لشيء أخذته الله فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم.. فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك!.

لقد كان تذكر الأعمى لماضيه الغابر ومعرفته بالنعمة التي أعطاه الله إياها، ومنحه منها لإخوانه مما من الله به عليه سببًا في دوام النعمة وبقائها، أما الآخران اللذان تنكرا للنعمة، وادعيا زورًا وبهتانًا أنهما لم تمسسهما ضراء، وأن النعمة قد توارثاها عن آبائهما الأولين، فقد زالت عنهما النعمة، وعادت إليهما المضرة مصحوبة بالألم والحسرة والندم، وفي هؤلاء الثلاثة عبرة لكل معتبر، وعظة لكل متعظ ومن الوفاء ألا يتغير حال الإنسان في التواضع مع أخيه، وإن ارتفع شأنه، واتسعت ولايته وعظم جاهه، فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال وما ينقلب فيها لوم مذموم.

وقد قال الشاعر مادحًا ثبات الكرام على مبادئهم وعدم تنكرهم لأصحابهم.

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا      من كان يألفهم في المنزل الخشن

وأوصى بعض السلف ابنه فقال يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك وإن علت منزلته لم يرتفع عليك، وفي وصية أخرى وإن ابتذلت إليه صانك وإن اجتمعت معه زانك، فإن لم تجد هذا فلا تصحبن أحدًا.
الوفاء للناس بعد مماتهم:

فالوفاء هو الثبات على الحب والاستمساك به حتى يموت المحبوب، بل ينبغي أن يظل أثر هذا الوفاء قائما بعد الوفاة متمثلًا في الاتصال بأبنائه وأقاربه وأصدقائه، لأن الحب الخالص لله إنما يراد للآخرة لا للدنيا، فحب الدنيا والوفاء فيها للمحبوب قد يقترن بغرض فينتهي بنهايته، أما الحب المراد به وجه الله فهو حب باق، وإن انتقل أحد المحبين إلى الدار الآخرة، لأن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل، والذين يريدون وجه الله بصلاتهم وأخوتهم يدركون أن استمرار الوفاء حتى النهاية هو الذي يجلب الثواب، ولذا جعل رسول الله  من الذين يظلهم الله في ظله رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، فقد جمعهما الحب والوفاء في اللقاء والفراق، فلم يغير الفراق من وفائهما ومحبتهما.

وقد قال يحيى بن معاذ: ثلاثة عزيزة في وقتنا هذا ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء أن يكون له في غيبه ومن حيث لا يعلم أو لا يعلم مثل ما يكون له في شهوده ومعاشرته ويكون له بعد موته ولأهله من بعده كما كان له في حياته، فهذا هو الوفاء وهو المعنى الذي شرطه النبي-صلى الله عليه وسلم-للمؤاخاة في قوله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه وجعل جزاء ظلال العرش يوم القيامة «إتحاف السادة المتقين: بشرح إحياء علوم الدين الزبيدي 6/235 بتصرف».

وقد كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-خير قدوة في ذلك، ظل يذكر لأبي طالب دفاعه عنه حتى بعد مماته، وسجلت كتب السيرة هذا الدفاع عن الرسول من عمه أبي طالب الذي مات على الكفر.

وظل يذكر لزوجه خديجة موقفها منه ومن الدعوة في وفاء نادر، بين الأزواج، فقد كان بعد مماتها يكرم أصدقاءها فعن عائشة قالت كانت تأتي النبي-صلى الله عليه وسلم-امرأة فيكرمها فقلت يا رسول الله من هذه فقال: هذه كانت تأتينا على زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان.

وكان يذبح الشاة فيرسل منها إلى صواحب خديجة، وما كان يذكرها إلا بالخير حتى غارت السيدة عائشة مرة من ثنائه عليها فقالت: ما تقول في عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيرًا منها، فقال عليه الصلاة والسلام: والله ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي حين كفر الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد، دون غيرها من النساء، فكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تتحاشى ذكرها بعد ذلك.

ولو ذهبنا نعدد وفاء رسول الله للموتى من أصحابه لذكرنا الكثير والكثير، ولكننا فقط نكتفي بأنه قبل وفاته عليه الصلاة والسلام خرج إلى أحد فصلى على الشهداء، وفاء منه لهم ومحبة وتقديرًا.

وهكذا يصبح الوفاء بكل أنواع العهود القائمة على الحق لازمًا في حق المسلمين، يتعاونون عليه إن اتصل بالجماعة، ويحث بعضهم بعضًا على الوفاء إن اتصل بالأفراد، فليس من الإسلام أن يفرط فرد أو جماعة في عهد أبرمه، فيخون تحت أي ذريعة من الذرائع، أو عذر من الأعذار فذلك لا يرضاه رب العالمين ولا يقره أحد من المؤمنين الصادقين الذين يدركون أن جزاء الغدر عند الله عظيم «يرفع للغادر لواء عند أسته يوم القيامة» ويدركون أن جزاء الوفاء عظيم ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 10).

الرابط المختصر :