العنوان وصية من أربعة آلاف عام
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
مشاهدات 63
نشر في العدد 1017
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
السلم بقوة: حكمة فرعونية
ونداء قرآني
الاستعداد للحرب ضمانة للسلم العزيز
منذ أكثر من أربعة آلاف عام، وفي وصية وجهها إلى ولده، كتب الفرعون تب
كاو رع، الملك المصري القديم، ينصح ولده فيقول: «يا بني من رغب في السلم استعد
للحرب». وكان هذا الفرعون رجل سلام حقيقي، يؤثره على الحرب دائمًا، ولكنه يريد
السلام الشامخ العزيز لا سلام الذلة والاستسلام. كان رجلًا يفهم تكتيك
الموازنات، ويعرف طبيعة الأطماع الإنسانية، ووساوس النفوس البشرية، ويُدرك
جيدًا أن إيحاءات القوة أفضل ضمان لرد المعتدي. وهذا الإيحاء نفسه هو ما
أيده الإسلام، حيث خاطب القرآن المجتمع المسلم بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ
اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60).
القوة المعنوية: العنصر الحاسم في المعارك
كما أنه ليس بالجنود ولا بالكتائب ولا بالسلاح أو القوة المادية وحدها يكون
النصر على الأعداء وتحطيم قوة الخصم أو تدميره أو إرهابه، وإنما بالقوة
المعنوية أيضًا يكون الفوز، لأنها هي العنصر الحاسم في الحروب. فمنذ فجر
التاريخ، والشعارات أداة الدفع ووقود العزائم. فعلى قعقعة السلاح ومع غبار
المعارك ودخان البارود، تتردد الشعارات بمبدأ مقدس أمثَل يُعلن النضال عنه، وحوله تأتلف
المشاعر، وبه تتوحد الآراء، وعلى جرسه يزحف الجنود وتحت شعاعه يُضاء طريق النصر.
فالقدماء المصريون كان جرس الآلهة في آذانهم، وشعاراتهم وشاراتهم
تتقدم الحروب، ورموز معبوداتهم وترانيم كهنتهم حداء الكتائب. وفي الحروب الصليبية
وفي الهجوم الغربي الكاسح على ديار المسلمين، كان الصليب المقدس يتقدم
الزحف ويشعل الحماس ويستميت في الدفاع عنه الجند والقادة والعامة والخاصة.
وفي المقابل، كان الشعار الإسلامي قديمًا «لا إله إلا الله، الله أكبر»،
وحديثًا كان الشعار الإسلامي الذي استعمله قادة المسلمين لرد الهجمة الصليبية
الحاقدة عن ديار المسلمين.. من أمثال صلاح الدين.. ورد الزحف التتاري
الهمجي عن الأمة بقيادة «قطز» هو: «وإسلاماه» (بالإضافة إلى: لا إله
إلا الله). وإسرائيل تستعمل اليوم وبكفاءة الشعار الديني بقوة.. وتبني عليه
أملها وغايتها في النصر، ويحكمها اليوم «كنيستها» وحاخاماتها رجاء
بناء الهيكل وإقامته على أنقاض المسجد الأقصى.
ترهل الأمة والتخلف عن سنن القوة
واليوم، وبعد أربعة آلاف عام، هل استعد المسلمون للدفاع عن أنفسهم وديارهم؟
هل صنعوا المدفع والطائرة والصاروخ؟ وهل أنتجوا الدبابة والمصفحة والمدرعة؟ وهل
عملوا الباخرة والبارجة والمدمرة والغواصة؟ وهل هم يريدون ذلك أو يعملون لإنتاجه
والدخول في عصره؟ كل هذه الأسئلة وما يتعلق بأمثالها يجاب عليها بـ«لا» وألف لا؛
فالأجساد مترهلة والعقول متبلدة والعزائم منهارة والأفكار شاردة.
ولهذا صرنا متاعًا مباحًا لكل شارد ووارد.. وطامع وناهب.. فلا عدة
ولا عتاد ولا ظفر ولا ناب، ولا قوة ولا شعار ولا وجهة ولا شارة، ولا غاية ولا
هداية. ثم ننادي بالسلام والأمان في دنيا الأطماع والسباع، وقطاع الطرق والوحوش،
ونطلب العزة والكرامة، ولم نأخذ بأسبابها أو نسلك طرقها، فأنى لنا بذلك؟ وصدق
الله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ
عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا
مَعَ الْقَاعِدِينَ (*) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا
وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ
لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (التوبة: 46-47). فهل نعرف
الأسباب إذن ونعرف المسؤول؟! أو لا أسباب ولا مسؤول!!
(الجهاد في الإسلام طريق إلى لسلام)