العنوان وظائف عبادية يجب أن نحافظ عليها بعد رمضان
الكاتب حسن قاطرجي
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008
مشاهدات 53
نشر في العدد 1821
نشر في الصفحة 50
السبت 27-سبتمبر-2008
- الدعاء.. من أجلّ العبادات وأدلّها على العبودية والله تعالى يحب دعاءه والإلحاح في الطلب
- القرآن .. أعظم ما يملكه المسلمون وهو سلاحهم ضد أعدائهم.. فليكن رمضان فرصة لتجديد الصلة معه
- التوبة الصادقة والعزم على الإقلاع عن الذنوب والسير في طريق الطاعة بعد رمضان من علامات القبول
لا يخفى ابتداء فضل شهر رمضان وما فيه من خيرات وصنوف العبادات. فهو موسم من أغنى مواسم العباد يتنافسون فيه على العبادة طلبًا المرضاة الله تعالى واحتسابًا للأجر عنده وقد كانت عادة بعض السلف، كما قال معلى بن الفضل - أنهم يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم!!
وهذه جملة من الوظائف العبادية التي ينبغي الاعتناء بها في رمضان ليزداد المسلم والمسلمة قربًا من الله ولتحصل أكبر قدر من الزاد الروحي والثواب الأخروي.
والكلام عن هذه الوظائف أسوقه على طريقة الإمام الحافظ ابن رجب في كتابه العجاب «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف».. ثم إن هذا التعبير «وظائف» يوحي للمسلم والمسلمة بضرورة الاهتمام بها والمداومة عليها وعدم إهمالها فليست بأقل من الوظائف اليومية المعيشية أو الدراسية أو الاجتماعية.
إن أول ما يجب الإقدام عليه التوبة الصادقة إلى الله U، وبالعزم على الخلاص من كل الذنوب كبيرها وصغيرها، وظاهرها وباطنها من الاعتقادات الفاسدة إلى البدع المحرمة إلى المعاصي الباطنة كالرياء والحسد والبغض والنفاق، إلى المعاصي الظاهرة كالكذب والخيانة والتبرج والتعامل بالربا ... وغير ذلك مما لا يرضي الله تعالى وينافي شرعه الحكيم، وبعد ذلك بالعزم على السير في طريق طاعة الله تعالى، والالتزام بالحياة الإسلامية، والعمل الهداية الناس إلى دين الله، والإكثار من الذكر والدعاء وقيام الليل، ومواصلة ذلك الطريق بعد رمضان، إذ في شهر الصيام فرصة ثمينة لكل ذلك:
أتى رمضان مزرعة العباد
لتطهير القلوب منا الفساد
فاد حقوقه قولًا وفعلًا
وزادك فاتخذه للمعاد
ومن زرع الحبوب وما سقاها
وما تاوه نادمًا وقت الحصاد
أثمن ثروة
وإذا كان أعظم ما اختص به رمضان نزول كتاب الله فيه ليكون هدايةً للناس، ورحمةً لهم وشفاءً لمشكلاتهم. ودستورًا يحتكمون إليه، فإنه يتأكد استحباب الإكثار من تلاوته والإقبال عليه للتدبر والعمل، فإنه أعظم ما يملكه المسلمون وأعز ما عندهم، واثمن ثروة بين أيديهم، وهو سلاحهم ضد أعدائهم، فليكن رمضان فرصة لتجديد الصلة مع كتاب الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٥)
قال الإمام النووي في «المجموع» 6/377: «قال أصحابنا: السنة كثرة تلاوة القرآن في رمضان ومدارسته وهي أن يقرأ على غيره ويقرأ غيره عليه»، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن في كل ليلة من رمضان كما ثبت في حديث ابن عباس في الصحيحين.
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب
حتى عصى ربه في شهر شعبان
اتل القرآن وسبح فيه مجتهدًا
فإنه شهر تسبيح وقرآن
وكان للسلف الصالح همة عالية على تلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان، بل كان شهر رمضان لبعضهم شهر التفرغ التام للقرآن، وأخبارهم في ختم القرآن كل ليلتين أو ثلاث كثيرة ومدهشة، أورد بعضًا منها الإمام ابن رجب في كتابه، مثل ختم الإمام الشافعي لما كان في رباطه في الإسكندرية في رمضان ستين ختمة ونحوه الإمام أبو حنيفة، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.
خصال حميدة
ومن الوظائف الرمضانية: الجودُ، بمعناه الشامل الذي يعم كل أنواع الخير. ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه أوفر نصيب حتى قال ابن عمه - ابن عباس - أحد أكابر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرام والعارفين بخاصة أموره عليه الصلاة والسلام: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ... فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة» (متفق عليه)، وفي آخره زيادة أخرجها الإمام أحمد في مسنده «لا يُسأل عن شيء إلا أعطاه»، قال الإمام ابن رجب في كتابه «لطائف المعارف»: فدل هذا على أنه صلى الله عليه وسلم أجود بني آدم على الإطلاق كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم ولم يزل على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له السيدة خديجة في أول مبعثه: «والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف وتحمل الكل - أي العاجز - وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق»، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافا كثيرة. انتهى كلامه يرحمه الله تعالى.
الدعاء
ومما ينبغي الاعتناء به في رمضان الدعاء، وهو إذا كان عمومًا عبادة من أجل العبادات وأعظمها وأدلها على العبودية لله العظيم، وعلى التذلل والخضوع له والحاجة والافتقار إليه - حتى قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» (رواه الترمذي وغيره بسند صحيح عن النعمان بن بشير)، وفي رواية عن الترمذي بسند ضعيف عن أنس بن مالك: «الدعاء مخ العبادة» - إلا أنه أكد وأشدّ استحبابًا في رمضان خاصة، لأنه زمان مبارك من مظان إجابة الدعوات ولا سيما عند الإفطار وفي ليلة القدر. فقد روى ابن ماجه في سننه بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للصائم عند فطره دعوة لا تُرَدِّ». قال التابعي الجليل ابن أبي مليكة: سمعت عبدالله بن عمرو يقول إذا أفطر: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي».
وأفضل الدعاء هو الثابت المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يقول إذا أفطر: «ذهب الظمآ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» (رواه الترمذي وصححه).
وعن السيدة عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني». أخرجه الترمذي (3513) واللفظ له، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (7712)، وابن ماجه (3850)، وأحمد (25384).
فالدعاء الدعاء في رمضان وليكن ديدن اللسان وملاذ الجنان، وأنسه وراحته، فإن الله تعالى يحب دعاءه والإلحاح في الطلب منه، وهو الذي قال جل جلاله - في سياق آيات الصيام لإظهار الوشيجة بين الصيام والدعاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).
إحياء الليل
وآخر وظيفة رمضانية يجدر التنويه بها هي وظيفة قيام ليالي رمضان وإحيائها بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن. ولا يخفى أن لياليه من أغنى ليالي السنة بالخيرات وتنزل البركات وهبوط مواكب الملائكة لتحف مجالس العابدين والعابدات، ومن بينها ليلة هي خير من ألف شهر، فما أكثر غنائمها! وما أثمن جوائزها اللهم أكرمنا بها وأسعدنا بخيراتها ولا تحرمنا بركاتها.
ويحصل قيام ليالي رمضان بصلاة التراويح وتدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه من حديث أبي هريرة). ويستحب أداؤها عشرين ركعة - وتصلى منى مثنى، وبعد كل أربع منها ترويحة، ثم تختم بثلاث ركعات للوتر - وذلك لما رواه البيهقي بسند صحيح عن الصحابي السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون على عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة إحياء «للسنة العمرية»، وقد وافقه عليها الصحابة في عهد خلافته رضي الله عنه ولذلك استحب أدائها بهذا العدد فقهاء المذاهب الأربعة، واتفقوا على الجواز بأقل أو أكثر من ذلك.