; وعد بلفور- الحلقة الثانية: الغزو الصهيوني تحت الرايات الغربية | مجلة المجتمع

العنوان وعد بلفور- الحلقة الثانية: الغزو الصهيوني تحت الرايات الغربية

الكاتب عبد الوهاب المسيري

تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999

مشاهدات 78

نشر في العدد 1375

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 09-نوفمبر-1999

كان إمكان التلاقي بين الحركة الصهيونية وألمانيا أكبر منه مع بريطانيا.. ومع ذلك فقد فشلوا في استصدار وعد بلفوري ألماني مناسب

نستخدم اصطلاح «الوعود البلفورية» لنشير لتلك التصريحات التي أصدرتها الحكومات الغربية أو أحد أعضاء النخبة الحاكمة «نيابة عن الحكومة» يعد فيها بمنح اليهود وطنًا قوميًّا لهم في فلسطين.

وليس من قبيل الصدفة أن أول وعد «بلفوري»، كان قد أصدره أول غاز غربي للشرق في العصر الحديث نابليون بونابرت، كما أصدرت الحكومة الألمانية في عهد القيصر فلهلم الثاني وعدًا بلفوريًّا آخر.

ولكن أهم الوعود البلفورية هو التصريح الشهير الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام ۱۹۱۷م تعلن فيه عن تعاطفها مع الأماني اليهودية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وهو التصريح المسمى «وعد بلفور».

نص الوعد

وحين صدر الوعد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فلسطين لا يزيد على 5% من مجموع عدد السكان، وقد أخذ الوعد شكل رسالة بعث بها لورد بلفور في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷م إلى اللورد إدموند دي روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك، وفيما يلي النص الكامل للرسالة:

عزيزي اللورد روتشيلد:

يسعدني كثيرًا أن أنهي إليكم، نيابة عن حكومة جلالة الملك، التصريح التالي تعاطفًا مع أماني اليهود الصهاينة التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء. إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف، وليكن مفهومًا بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أي دولة أخرى.

وسوف أكون مدينًا بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني.

«إمضاء»

أما بالنسبة للأسباب التي يوردها بعض المؤرخين «الصهاينة أو المتعاطفين مع الصهيونية» لتفسير إصدار إنجلترا لوعد بلفور، فهناك نظرية مفادها أن بلفور قد صدر في موقفه هذا عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد ومن إحساس عميق بأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية بعمل شيء لليهود، ولذلك، فإنه كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية، ولكن من الثابت تاريخيًّا أن بلفور كان معاديًا لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة الإنجليزية بين عامي ۱۹۰۳م، و1905م هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا لرفضهم الاندماج مع السكان واستصدر تشريعات تحد من الهجرة اليهودية لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده.

وقد كان لويد جورج رئيس الوزراء لا يقل كرهًا لأعضاء الجماعات اليهودية عن بلفور، تمامًا مثل تشامبرلين قبلهما الذي كان وراء الوعد البلفوري الخاص بشرق إفريقيا، وينطبق الوضع نفسه على الشخصيات الأساسية الأخرى وراء الوعد مثل جورج ملتر وإيان سمطس، وكلها شخصيات لعبت دورًا أساسيًّا في التشكيل الاستعماري الغربي.

ويرى بعض المؤرخين أن إنجلترا أصدرت الوعد تعبيرًا عن اعترافها بالجميل لوايزمان لاختراعه مادة الأسيتون المحرقة أثناء الحرب العالمية الأولى، وهو تفسير تافه لأقصى حد لا يستحق الذكر إلا أنه ورد في بعض الدراسات الصهيونية والدراسات العربية المتأثرة بها، ويبدو أن وایزمان نفسه قد تقبل هذا التفسير بعض الوقت، ولذا حينما توترت العلاقات بين إنجلترا والمستوطنين الصهاينة في الأربعينيات، وضع وایزمان مواهبه العلمية تحت تصرف الإمبراطورية، متصورًا أن بإمكانه ممارسة بعض التأثير عليها، وبطبيعة الحال، لم يوفق وايزمان في مساعيه، وفيما يتصل بجهوده الدبلوماسية نفسها أثناء الحرب، يمكن القول: إنه كان شخصية محدودة الذكاء، فلم يدرك الأبعاد الإمبريالية للمشروع الصهيوني أو لوحشية المشروع الإمبريالي، وغير مدرك حتى لدقائق السياسة البريطانية «وهذا هو وصف موظفي الخارجية البريطانية له في تقاريرهم السرية التي تم الكشف عنها مؤخرًا».

رعاة المشروع الصهيوني

وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كان وایزمان قد وصل لتوه إلى سويسرا في إجازة صيفية، ثم اضطر إلى العودة إلى بريطانيا، فطلب منه لويد جورج أن يقابل هربرت صمويل، فعبر عن خوفه من أن يكون صمويل مثل سائر يهود إنجلترا معاديًا للصهيونية، ولكنه فوجئ بأن صمويل هذا صهيوني هو الآخر، وحينما تقدم بطلباته الصهيونية، أخبره صمويل بأن طلباته هذه متواضعة أكثر من اللازم وأن عليه أن يفكر على مستوى أكبر من ذلك، ثم أخبره صمويل بأن أعضاء الوزارة يفكرون في أهداف صهيونية، ودون وايزمان بعد ذلك العبارة التالية: «لو كنت يهوديًّا متدينًا لظننت أن عودة الماشيح -المسيح المخلص اليهودي- قد دنت»، ومع هذا، وكما سنبين فيما بعد، أظهر وايزمان شيئًا من الذكاء باكتشافه بريطانيا «لا ألمانيا» باعتبارها القوة الإمبريالية الصاعدة التي يمكنها أن ترعى المشروع الصهيوني، ولعل الأمر لا يدل على ذكاء بقدر ما ينبع من وجوده في إنجلترا بالفعل وتحركه داخل إطار المصالح البريطانية، ولعله لو وجد في فرنسا لما أدرك شيئًا.

نظرية الضغط الصهيوني

وهناك نظرية تذهب إلى أن الضغط الصهيوني «واليهودي» العام هو الذي أدى إلى صدور وعد بلفور، ولكن من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا كتلة بشرية ضخمة في بلاد غرب أوربا، وهم لم يكونوا من الشعوب المهمة التي كان على القوى العظمى أن تساعدها أو تعاديها، بل كان من الممكن تجاهلهم، ويمكن القول إنهم كانوا مصدر ضيق وحسب، ولم يكونوا قط مصدر تهديد، أما الصهاينة فلم تكن لهم أي قوة عسكرية أو سياسية أو حتى مالية «فأثرياء اليهود كانوا ضد الحركة الصهيونية». ولكل هذا، لم يكن مفر من أن تكون المطالب الصهيونية على هيئة طلب لخدمة مصالح إحدى الدول العظمي الإمبريالية.

ولعل أكبر دليل على أن الضغط الصهيوني أو اليهودي لا يشكل عنصرًا فعالًا في عملية استصدار وعد بلفور وأنه عنصر ثانوي على أحسن تقدير، هو نجاح الصهاينة في إنجلترا وفشلهم في ألمانيا، فقد بذل صهاينة ألمانيا جهودًا محمومة لاستصدار وعد بلفوري، وكانت توجد عندهم مقومات النجاح، ولكن كل هذا لم يجد فتيلًا:

1 -بذل صهاينة المانيا قصارى جهدهم ليبينوا للحكومة الألمانية مدى نفع اليهود للمشروع الاستعماري الألماني، وقد كان هناك كثير من المفكرين الألمان غير اليهود يشاركون في هذه الرؤية.

2- كان عدد كبير من الزعماء الصهاينة يقف وراء ألمانيا، وكانت برلين لوقت طويل المقر الرئيس للمنظمة.

3- كانت ألمانيا حليفة لتركيا التي كانت فلسطين تابعة لها .

4- كانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت ثقافة مؤسسي الحركة

الصهيونية ألمانية.

5- كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا مشربة بالثقافة الألمانية، وكان كثير من أعضاء النخبة الثقافية الألمانية من اليهود، وقد يسر هذا على اليهود الحركة داخل المجتمع الألماني.

٦- كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا ذات ثقل مالي وثقافي وسياسي كبير؛ إذ كانت أهم البنوك الألمانية في أيد يهودية.

7- اشترك أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا في القوات الألمانية أثناء الحرب بأعداد تفوق نسبتهم القومية.

8- كانت القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى تقوم بما سمته «تحرير» بولندا وليتوانيا وغرب روسيا «مراكز الكشافة البشرية اليهودية» واعتبرت اليهود عنصرًا بشريًّا ألمانيًّا تابعًا لألمانيا.

وقد أسس الزعيم الصهيوني ماكس بودنهايمر لجنة لتحرير يهود روسيا عام ١٩١٤م، وكان بين أعضائها ليو موتزكين، وقد تم إصدار نشرة بالعبرية كتب ناحوم سوكولوف افتتاحيتها، وكان أمل الصهاينة أن تستولي القوات الألمانية على غرب روسيا حيث كان يوجد معظم اليهود، ومعنى هذا أنه كان ثمة تلاق بين الآمال الصهيونية والآمال التوسعية الألمانية. 

٩- كانت أرستقراطية اليهود في أمريكا «كبار الممولين» من أصل ألماني، وقد كانت هذه الأرستقراطية متعاطفة تمامًا مع ألمانيا ومؤيدة لها.

ويمكن أن نقارن هذا الوضع بوضع الجماعة اليهودية في إنجلترا، التي كانت صغيرة العدد ومندمجة ومعادية للصهيونية، وكانت الحركة الصهيونية فيها ضعيفة للغاية، ومع هذا، فشل صهاينة ألمانيا في استصدار وعد بلفوري من ألمانيا، وحينما نجحوا، كان ذلك في مرحلة متأخرة من الحرب، وكان وعدًا باهتًا للغاية، بينما نجح صهاينة إنجلترا فيما فشل فيه صهاينة ألمانيا.

ذيلية الحركة الصهيونية للأطماع الاستعمارية

وفي الواقع، يمكننا تفسير الفشل الصهيوني في ألمانيا والنجاح الصهيوني في إنجلترا، لا بالقوة والضعف الذاتيين الصهيونيين، ولا بحجم الضغوط الصهيونية مهما كانت ضخمة ومهمة وحيوية، ولكن بالعودة إلى المصالح الاستراتيجية الغربية، ويبدو أن ألمانيا، بسبب علاقتها الحميمة مع تركيا، لم يكن بإمكانها أن تصدر مثل هذا الوعد «تمامًا كما كان الوضع مع إنجلترا عام ١٩٠٤م حينما أصدرت وعد شرق إفريقيا البلفوري، ولم تذكر فلسطين من قريب أو بعيد؛ لأن علاقتها مع الدولة العثمانية لم تكن تسمح بذلك».

ومن المعروف أن وايزمان كي ينجح في الحصول على وعد بلفور، قطع علاقته مع اللجنة التنفيذية الصهيونية في برلين ورفض التراسل مع زملائه في دول الوفاق Entente  ورفض موقف الحياد الرسمي الذي اتخذته المنظمة، كما أنه لم يخبر المقر الرئيس للمنظمة في كوبنهاجن بمباحثاته مع إنجلترا، ويقال: إن نجاحه في إنجلترا، تمامًا مثل الفشل الصهيوني في ألمانيا، يمكن تفسيره باستراتيجية الإمبراطورية الإنجليزية التي قررت تقسيم الدولة العثمانية واحتلال الشرق العربي.

ولعل ذكاء وايزمان يكمن في اكتشافه ذيلية الصهيونية وحتمية الاعتماد على الإمبريالية وصعود القوة البريطانية فتبعها بكل قوته وقطع كل علاقاته مع المنظمة الصهيونية ذات الجذور الألمانية والتوجه الألماني.

الرابط المختصر :