العنوان وعلى الرغم من ذلك.. لم يرضوا!
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
مشاهدات 63
نشر في العدد 1323
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
«طرد ملكة جمال كرواتيا، وحرمانها من اللقب.. وفقط لأنها.. مسلمة!».
أول ما تبادر إلى ذهني حين قرأت الخبر.. تلك المقولة الشامية الهازلة:
«رضينا بالبَيّن ومارضِيّ البَيْن بنا»!
فعلى الرغم من رفضنا بدءًا لكل ما يتعلق بعالم الإتجار بالأجساد، وما يتعلق به من الاتجار بالأعراض.. بل هو الاتجار بالإنسان نفسه، وعلى الرغم من المفارقة التامة بيننا وبين الذين يظنون في مسابقات الجمال، وفي عروض مصممي الأزياء «فنًا» وثقافة ورقيًا، وعلى الرغم من عدم اهتمامنا البتة، بهذه الظاهرة المدمرة.. إلا أن المرء لا يملك إلا أن يدهش أمام خبر مثل هذا، ولا يملك إلا أن يتناوله بوقفة لا تمثل اهتمامنا بقدر ما هي دَيْنٌ في أعناقنا لأولئك الذين أريقت دماؤهم صبرًا، وقهرًا، وظلمًا في البلقان.
لأنها مسلمة
يقول الخبر: إن ملكة كرواتيا جُرّدت من لقبها.. وفقط لأنها مسلمة.
ولم تستطع ملكة جمال كرواتيا الجديدة «ليلى سيهوبيتش» المسلمة أن تتمتع بتاجها غير ستة أيام، ذلك أن منظمي المسابقة قرروا سحب اللقب منها، مُدّعين وجود اضطراب في قواعد وتنسيق اختيار الفائزة، وتقول صحيفة A.B.C الإسبانية: «هذه الفتاة ذات الـ ٢٢ عامًا والمولودة في مدينة «دوبروبينك» كانت قد فازت منذ أسبوع فقط في المسابقة، في هذا البلد الذي يعاني من «التفرقة العنصرية» بشكل ما زال ملموسًا بطريقة شديدة وواضحة» .
ومضت الصحيفة إلى القول: «لقد جرت بين كروات البوسنة ومسلميها صدامات ومذابح دموية خلال الحرب التي أدت إلى فرض عقوبات عزلت كرواتيا عن العالم في حينها»، وكان منظمو المسابقة قد سحبوا اللقب من ليلي، وكذلك التاج، ومنحوهما للفتاة التي تليها في سُلُم الانتخاب، وقد وصفت الصحف المستقلة والمعارضة هذا التصرف «بالفاشية» وتساءلت ما إذا كان الهدف من إقامة تلك المسابقة، إنما هو اختيار «ملكة جمال كاثوليكية»، أم «ملكة جمال كرواتية» أما الفتاة فقد قالت: «إن المشكلة هو اسمي الدال على انتمائي، وقد قررت رفع القضية إلى القضاء، وإلى منظمات حقوق الإنسان».
صُحف أخرى أكدت أن منظمي هذا المهرجان - الثقافي!! عمدوا إلى هذا التصرف خشية استثارة الرأي العام الكرواتي، وهو يرى فتاة مسلمة تمثل بلاده في مسابقة اختيار ملكة جمال العالم المقبلة.
التمييز الديني
كثيرة.. كثيرة جدًا هي الأفكار التي تواردت على ذهني بعد قراءة هذا الخبر، وبعد رؤية صورة تلك الفتاة المسلمة، التي ليس فيها من الإسلام، شيء ظاهر إلا اسمها.. تلك الفتاة الأوروبية التي دخلت مجال الاهتمام الإعلامي العالمي من ذلك الباب الذي يدعى «التمييز الديني» وليس التمييز العنصري.. لأنها من العرق الكرواتي، وقد ولدت في كرواتيا.. إلا أنها تنتمي إلى أجداد مسلمين.. التفّت عليهم الشيوعية تارة، والحرب الصليبية التي مازالت مستعرة نيرانها حتى أيامنا هذه تارة أخرى. بل إن الحرب الصليبية قد بلغت أوجها في هذا العصر.. وعلى كل الجبهات سواء منها تلك التي تتفوق فيها على القوم، أو تلك التي ترجح فيها كفتهم، ووجدتني أسأل نفسي عن المقياس الذي يمكن أن نقيس به حقد «الغرب الصليبي» علينا، فمهما فعل المسلم، ومهما أندمج أو ذاب، أو تبرمج وفق هوى القوم.. فلن ينال رضاهم.
ولقد خصصت بالذِكر «الغرب الصليبي» لأنه من الظلم أن أعمم هذه النظرة على الجميع في بلاد تترك فيها الحرية هامشًا -وحتى لو كان ضيقًا- للفكر الحر، والرأي الحر.
فنحن نشهد اليوم وعلى كل المستويات في بلاد الغرب.. من يحاول دفع الحقد، والتعصب، ومن يحاول الإنصاف، ومن يريد الإنصاف، وكذلك فإن هناك من يبحث جادًا عن الحقيقة الضائعة في زحمة الفكر، وفي زخم تراكم الإرث التاريخي، والحقد المعتاد والمترسخ في الذاكرة الجماعية لشعوب لم ترحم قط.. ولم يخل بينها وبين الحقيقة.. ولم تترك لتشكيل رأي خاص بها، أو قناعات منصفة على أقل تقدير. والآن وعندما بدأ -وأقول بدأ فقط- وكان الغرب يشهد ولادة تيار سياسي ثقافي اجتماعي، يدعو إلى الحوار مع الإسلام والمسلمين، ومحاولة تفهم حضارتهم وقيمهم.. واحترام عقيدتهم ووجودهم.. الآن بالذات.. ظهرت على الساحة مجموعة دول شرق أوروبا.. مكشرة عن أنيابها، بعد أن قامت عقودًا على الحقد.. لتستيقظ على الخراب والإبادة والذبح والبغضاء السوداء، فتسلمت الراية، وبتآمر استراتيجي مع دول غربي القارة، لتعيد حمل الراية الصليبية، التي انحسرت حملتها حينًا من الزمان.
أين المسلمون؟
أين المسلمون من ذلك كله؟؟ المسلمون المشغولون بالنعرات الجاهلية والخلافات الحدودية، والمشاكسات الطائفية، المسلمون.. الذين يُضّيّع شبابهم في البحث عن مستقبل يتمزقون فيه بين «أعراف القبيلة» وتسريحة شَعَر «راغب علامة» الذي يأبى وأمثاله إلا تصوير كل أغانيه مع نساء أجنبيات في دول غربية!! وتضيع شاباتهم في متاهات البحث عن الذات المسحوقة بين «عادات الحارة» وبين سلوكيات «القدوة» التي تقدمها شاشات التلفاز، هذه «القدوة» التي تخلب قلوب الرجال، وتترك عيونهم مشدودة إلى تلك الأجهزة التي صارت في جانب آخر البديل الكامل عن رب البيت الذي لم يعد له أي دور يذكر في مجال التربية والتوجيه والتعليم.
وهكذا اندفع كل من وهبه الله مسحة من مال أو رقة، في دروب الشوك هذه، التي هي أبعد ما تكون عن حضارتنا، وقيمنا، ونظرتنا للإنسان ومهمته ومكانته في هذه الأرض، والتي هي أبعد ما تكون بالنسبة للمرأة خاصة عن الطريق السوية المتزنة التي تحترم المرأة فيها، وتكرّم.. وتُعامل كإنسانة، فأصبحنا ولا همّ للجميلات إلا تقديم أنفسهن على مذبح هذا العالم، عالم الأضواء والأزياء، عالم الحضارة التي تؤلّه الجسد، وتعبد الجسد، وتعيش للجسد وعلى الجسد.. هذا العالم الذي لا وزن فيه ولا قيمة لخُلق، ولا دين، ولا سلوك، ولا حتى لفكر ولا ثقافة ولا وعي.. عالم اللحم والعظم الذي يُباع ويُشترى، كما تباع الخراف والدجاج في أسواق الجزارين.
هذا العالم القذر.. الذي كان أحد مفرزات الحضارة الصليبية.. والذي غزت به العوالم الضعيفة المقهورة، وشغلتهم به.. والذي أصبح وللأسف الشديد مقصلة تقدم إليها بنات المسلمين.. كبنات غير المسلمين.. المهم أن تقدم إليه النساء من كل عِرق، وجنسية، ودين، وانتماء.. حتى لو كنّ بنات الصومال الجريح، أو البوسنة الذبيحة.
لقد أدى بنا البعد عن المناهل، والفقر المدفع للإيمان والقيم، والضياع التام، والتضييع المتعمد أو غير المتعمد للأجيال والشبيبة.. بل للأمة جمعاء.. لقد أدى بنا ذاك إلى أن ندخل الجحور التي دخلها غيرنا واحدًا واحدًا، ونرضى بها واحدًا واحدًا، ونسقط فيها واحدًا واحدًا.. تارة عن طريق الاندماج، وأخرى عن طريق التعايش، وثالثة عن طريق الجهل المريع، ورابعة عن طريق الانغلاق والتقوقع على الذات.
ولكننا وعلى الرغم من ذلك كله.. على الرغم من دخولنا في ثقب الإبرة الذي ما كان يُدْخِل فيلًا، فوسع أمة.. على الرغم من ذلك كله.. لم ننل رضاء هذا الغرب، ولم نحصل على بطاقة إستحسان منه.
أما آن لنا أن نفهم.. ومرة واحدة.. أنه لن يرضى عنا حتى نتبع ملته.. جملة وتفصيلًا، وحتى ننسلخ من قناعاتنا، وعقيدتنا، وهويتنا.. وربما من جلودنا، ومن ثم.. أرواحنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل