العنوان وفاة التلمساني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1986
مشاهدات 64
نشر في العدد 769
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 27-مايو-1986
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ
فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا
تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23)
*حياة
التلمساني- رحمه الله- كانت زاخرة بكل المواقف المشرفة التي يجب أن يتصف بها
الداعية إلى الله.
*للتلمساني
مواقف مشرفة ضد كل التوجهات الحكومية التي أتت في غير صالح الشعب مما جعله يمضي
ربع عمره في سجون حكام مصر.
انتقل إلى رحمة
الله فجر يوم الخميس الماضي 14 رمضان 1406 الموافق 22 مايو 1986 فضيلة المرشد
العام للإخوان المسلمين الأستاذ عمر التلمساني عن عمر يناهز 82 عامًا. وفي اليوم
التالي لوفاته شيعت جنازته في موكب مهيب شارك فيها حوالي ربع مليون نسمة، من
جماهير مصر المسلمة، كما شارك في الجنازة رئيس مجلس الشعب المصري رفعت المحجوب
ووزير الداخلية زكي بدر ووزراء آخرون وزعماء الأحزاب السياسية المصرية وممثل عن
الكنيسة القبطية. ونقلت الجنازة على الهواء في عدد من التلفزيونات العربية
والعالمية.
وكانت خطبة
الجمعة في المسجد الذي تمت فيه صلاة الجنازة تحت عنوان: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ
رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ
نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ (الأحزاب:23).
حيث تطرق الخطيب إلى وفاة المرحوم.
وتولى خطبة
الجمعة في المسجد المذكور الدكتور عبد الغفار عزیز عضو مجلس الشعب المصري عن
الإخوان المسلمين، وتطرق في خطبته إلى جهاد التلمساني- رحمه الله- عبر حياته
الطويلة، وأعقب حديثه عن مستقبل العمل السياسي للإخوان المسلمين في مصر.
وكان المرحوم
التلمساني قد نقل إلى مستشفى كليوباترا بمصر الجديدة قبل حوالي ثلاثة أسابيع وهو
في حالة غيبوبة تامة، ووصف الأطباء حالته بأنها خطيرة وحرجة بسبب تليف الكبد وحدوث
استسقاء وبولينا في الدم.
مجلس إرشاد
وكانت جماعة
الإخوان المسلمين في مصر قد قررت تشكيل مجلس إرشاد على إثر دخول المرحوم مرحلة
الغيبوبة التامة، وقد تشكل مجلس الإرشاد من كل من مصطفى مشهور، والدكتور جراح أحمد
الملط، وفريد عبد الخالق، وكيل وزارة سابق، والدكتور إبراهيم الزعفراني عضو نقابة
الأطباء، والأستاذ صلاح شادي لواء الشرطة السابق.
حياة زاخرة
بالدعوة
وكان المرحوم
التلمساني مرشدًا عامًا للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين وقد اعتقل في مصر بسبب
الدعوة عدة مرات، وعرف بالصلابة والقوة داخل السجون ولم يلن قط لإرهاب وتهديد...
انضم إلى الإخوان المسلمين في منتصف العقد الثالث من هذا القرن، وكان ضمن مكتب
الإرشاد الذي كان يقود الجماعة في عهد المرشد السابق المرحوم حسن الهضيبي. ظل في
السجن منذ بداية حكم عبد الناصر حتى بداية عهد السادات. وفي حارة المليجي القديمة،
وفي زقاق ضيق اسمه شارع القبيس تقع العمارة التي كان يسكنها التلسماني- رحمه الله،
عمارة تقارب في عمرها عمر المتوفى، تضم شقة متواضعة، كل شيء فيها متواضع، وكل ركن
فيها يوحي بالزهد والتعفف عن رغائب الدنيا، في هذه الشقة كان التلمساني يسكن قبل
أن ينتقل إلى جوار ربه.
والأستاذ
التلمساني- رحمه الله، كان هادئًا بطبعه فلم يحاول أن يكون مجتهدًا يحاور هؤلاء
ويرد على أولئك ولم يحاول أن يكون مؤلفًا له من الكتب والمجلدات ما تغص به الرفوف
وتزدحم به المكتبات وإن كان له بعض المؤلفات ولكن سلك مسلك الدعاة وإعداد الرجال
وبناء الجيل المسلم الذي يقوى على حمل الأمانة، ولم يفهم أن من معاني الزهد اعتزال
الناس والبعد عن المجتمع وإنما فهم أن من أولى دلالات الزهد المعيشة البسيطة
والحياة برفق مع بعد عن ترف وتحاش للتخمة في بيته الفقير في مظهره البسيط في أثاثه
الغني بمن فيه والكبير بمن يسكنونه، وظل الأستاذ عمر يعمل بالمحاماة حتى عام 1954
وفي ذلك العام قبض عليه أيام جمال عبد الناصر وحكم عليه بالسجن 15 عامًا قضاها
كاملة حتى عام 1969 وكانت التهمة «أتى أعمالًا لقلب نظام الحكم» وخرج من السجن
ليقضي عامين آخرين في مزرعة ليمان طره حتى عام 1971 حيث أفرج عنه.
أيام السادات
وظل في عالم
الحرية قرابة العشر سنوات حتى يوم 3 سبتمبر 1981 حيث قبض عليه السادات وأودعه
معتقل طره حيث ظل حوالي أربعة شهور وأفرج عنه الرئيس الجديد بعد مصرع السادات.
وللأستاذ
التلمساني مواقف رائعة منها موقفه الرائع الذي تم عند اجتماع السادات في أغسطس
1979 مع عدد كبير من رجال الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية ودار بينه وبين
السادات حوار حيث ركز الأخير على تهمة الإخوان المسلمين بأنهم تعاونوا ضد النظام
مع الشيوعيين وفلول الأحزاب المنحلة ويقف التلمساني مواقف البطل ليروي أمام العالم
كله القصة الكاملة ويبدد كل ما وجه إليه وإلى إخوانه من اتهامات ويقول: لو كان أحد
غير محمد أنور السادات رئيس الجمهورية وجه مثل هذا إلي لشكوته إليك ولكن أما أن
يقول هذا محمد أنور السادات فإلى من أشكو؟ أشكو إلى الله، قالها بقوة وأدب وتأثر.
ويقول: إني لم أشك إلى ظالم وإنما شكوت إلى عادل يعلم ما أقول.
حقًّا لقد كان
حوارًا رائعًا بين الحاكم والمحكوم أعاد إلينا صورة من صور السلف الصالح صورة
الحرية في الكلمة صورة القدوة في النقد، صورة الأدب والعفة في اللسان لقد ألقى على
مسامع الدعاة درسًا رائعًا.
مع الحكمة
والروية
سألت «المجتمع»
التلمساني «في شهر فبراير 1982»: ألا ترى أنك من جيل عريق وتقسو كثيرًا على جيل
الشباب وتصفهم بالاندفاع؟
فقال- رحمه
الله:
قد أقسو على من
أحب.. والله يعلم أنني أراهم أمل الدعوة وثمرة الجهد.. وأنني أجنب هذه الثمرة
المخاطر حسب اجتهادي.. وقد أكون مصيبًا وقد أكون مخطئًا.. ولكنني لا بد أن أقول ما
أراه صوابًا ويوم أن أكتشف أنني على خطأ أعدل عن رأيي.. إنني أريد المحافظة على
الشباب وأن أجنبهم فتن السجن والاضطهاد.. أريد حماستهم متعقلة وإيمانهم مثمرًا
وألا أعطي للخصوم فرصة للنيل منهم.. إن الدعوة لا تقوم إلا بالشباب.. ودعوة
الرسول- صلى الله عليه وسلم- قامت بالشباب.. فهم الأمل وهم عماد الدعوة... لذا يجب
أن نصرفهم عن العنف والكسر والصياح.. وإنني أقدر دوافعهم.. فالذي أمامهم لا يمكن
السكوت عليه، إن الحكام في غاية السوء.. ولكن ما العمل؟ لا بد من معالجة الأمور
بالحكمة والروية فقط.
تحكيم الشريعة
الإسلامية
وسألته صحيفة
الشرق الأوسط الصادرة في 6 /1/ 1982 عن تطبيق الشريعة فقال:
أمس نادينا
بتطبيق الشريعة الإسلامية.. واليوم نادينا بها، وغدًا سننادي بها وهذا ليس من
جانبنا فقط. ولكننا في كل مرة تأتي لنا الفرصة تلزم الحكومة أن تحترم الدستور التي
هي قائمة لأن المادة الثانية من الدستور تقول «إن الشريعة الإسلامية هي المصدر
الرئيسي للتقنين» وإذا كان هناك مصدر رئيس للتقنين فلا يلجأ إلى غيره إلا إذا
افتقدنا فيه حكمًا.. والقرآن والسنة لا ينقصهما شيء.. أحاطا بكل شيء علمًا، إذن
نحن لسنا في حاجة إلى مصادر أخرى للتشريع وكل ما نطلبه من الحكومة أن تطبق دستورها
وأعتقد أن أي إنسان ينادي بتطبيق الدستور لا عقاب عليه ولا عيب.
موقفه من
الأحزاب
وحول رأيه في
الأحزاب أجاب على سؤال لجريدة الأنباء الكويتية الصادرة في 12/5/1983 قائلًا:
إننا نقف من
الأحزاب كلها موقف احترام الحر لرأي الآخرين، وإذا كنت حريصًا على أن يأخذ الناس
برأيي، فلماذا أحرم على الناس ما أبيحه لنفسي. وهل من الحرية أن أحول بين الناس
وبين الاعتداد بآرائهم بعد أن يمنحهم أقوى الأقوياء وأحكم الحاكمين هذا الحق في
وضوح لا لبس فيه ﴿فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ﴾ (الكهف:29).
إن الأحزاب ليست
هي الحرية ولكنها مظهر من مظاهر الحرية... وعلى الجميع أن يحافظوا على هذا
المظهر.. ليساند غيره في مجال الحرية ولن يكون ذلك إلا بالتزام الضوابط التي تواضع
عليها أحرار البشر.
موقفنا مع
الأحزاب، هو موقفنا مع الحكومات، لا تعادى ولا تخاصم، وأعتقد أنا على صلات طيبة
بهم جميعًا. وتلتقي وجهات النظر منا جميعًا عند نقطة واحدة هي المطالبة بالحرية
الكاملة، للكلمة المنصفة، وعدم الحجر على أقلام الكتاب وإعادة جميع الصحف والمجلات
المحجوبة عن الظهور إلى اليوم بلا سبب مشروع واختلاف وجهات النظر لا يمنع من تبادل
الاحترام بين الجميع وأن يقوم انتصار كل واحد لوجهة نظره على البرهان والدليل.
بعيدًا عن الشخصيات وتبادل الاتهامات، فالإسلام ينهى عن ذلك تمامًا. ونحن مع
الإسلام حيث سار.
موقفه من العنف
يقول لصحيفة
اليمامة الصادرة في 14/1/1982:
إنني بطبيعتي
التي نشأت عليها أكره العنف بأي صورة من صوره.. وهذا ليس موقفًا سياسيًّا فقط
ولكنه موقف شخصي يرتبط بتكويني الذاتي، وحتى لو ظلمت فإنني لا ألجأ إلى العنف، من
الممكن أن ألجأ إلى القوة التي تحدث التغيير ولكني لا ألجأ إلى العنف أبدًا، ولم
يخطر ببالي في يوم من الأيام أن أشترك في عملية اغتيال أو في مؤامرة على شخص ما..
التلمساني
والإخوان والمعارضة
يقول لصحيفة
الأنباء الصادرة في 12/5/1983 ما يلي:
إن الإخوان
يقفون موقف المعارضة من كل حكومة لا تطبق شرع الله، وما أظن أن قارئًا أيًّا كان
موقعه في هذا العالم لا يعرف موقف الإخوان المسلمين في هذه المسألة بل الذين
يسألون عنها أكثر علمًا بها من غيرهم. ولو كنا نخشى أحدًا غير الله لانكمشنا على
أنفسنا وقلنا: حسبنا ما لحق بنا من تعذيب وإيذاء، ولكننا بحمد الله، وما أظن أن
قارئًا لا يعرف أننا متمسكون برأينا وملحون في المطالبة بشرع الله قانونًا
ودستورًا، ما بقي فينا عرق ينبض وقلب يخفق، وأصبع يمسك بالقلم، وقلم لا يستعصي على
كلمة الحق، يجري بها مراده على الصفحات.
نصيحة:
من مقال له في
مجلة «المسلم» الصادرة في شهر مايو 1983 يقول- رحمه الله: من خلال تجربتي أقول
للصنف الطاهر: احتفظ بكل ما جعلك أهلًا للحمد والثناء، وكن مع ربك دائمًا يكن في
عونك، وليس بعد عون الله من عون. اجتهد واستذكر وتفوق وعد إلى بلدك عالي القدر
سامي المكانة تؤدي له كل ما يجب عليك نحوه.
موقفه من حزب
الوفد:
سأله مندوب
صحيفة «الوفد» الصادرة في 22/3/1984 عما يريده من «الوفد» فقال: أن يكون أول حزب
يطبق شرع الله، فإن لم يفعل فعليه مناصرة الدعاة إلى الله.
موقفه من الحكم:
في حوار مع
صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في 12/5/1981 حول أهداف «الإخوان المسلمين» قال
المرحوم عمر التلمساني: لا يهمنا من يحكم.. بل تهمنا قواعد الحكم. وقال لنفس
الصحيفة في العدد الصادر بتاريخ 6/1/1982: لا أسعى إلى الحكم بل أحاول إصلاحه.
موقفه من
التطبيع:
هاجم باستمرار
التطبيع ودعا المصريين إلى مقاطعة اليهود، وهاجم أيضًا سياسة حكومة مصر بشأن
التطبيع، فقال لصحيفة «الجزيرة» السعودية الصادرة في 5/4/1981 إن اليهود ما جاؤوا
لإحياء صداقة.. ولكنهم جاؤوا لخراب البيوت.
وقال لصحيفة
«الوطن» الكويتية الصادرة في 25/6/1982: كل مسلم يسير أو يأكل مع يهودي أو
يصادقه.. آثم عند الله.
خطابات مفتوحة:
من خطاباته
المفتوحة الموجهة:
أولًا- إلى
الأمة الإسلامية:
قال لعلماء
المسلمين بمناسبة الحرب العراقية الإيرانية: إننا لا نطلب من السادة علمائنا أن
يحملوا المدافع على أكتافهم، وإن كان أسلافهم قد حملوها من قبل، ولكننا نطلب منهم
أن يقدموا على أعمال إيجابية لمنع هذا الفيضان الدموي الرهيب، وإيقافه ومنعهم،
إنها مسئوليتهم أمام الله، وإلا كيف يكونون ورثة الأنبياء الذين دعوا جميعًا إلى
الجهاد بكافة صنوفه الممكنة.
إنكم أنتم الذين
لم تلوثوا ألسنتكم حتى اليوم بكلمة ضد العراق أو أخرى ضد إيران، وأنتم في يقيني
أشد تقبلًا لدى الطرفين من غيركم في الوساطة المقصود بها وجه الله، لا تتجهوا
أولًا إلى إيران أو العراق، فقد يوجد ذلك شيئًا من الحساسية، ولكن إذا أجمعتم
أمركم على رأي، فليذهب فريق منكم هنا، وفريق منكم هناك في وقت واحد لعل الله يجري
على أيديكم خيرًا كثيرًا.
ثانيًا- إلى
رئيس الجمهورية المصرية:
بمناسبة
الاضطرابات الأخيرة في مصر نقتطف هذه الفقرة من خطاب مفتوح نشرته جريدة الشعب
المصرية في 14/3/1986:
يا سيادة
الرئيس.. إننا مسلمون مصريون يهمنا أول ما يهمنا أن يكون شعبنا آمنًا مستقرًا
هادئًا هانئًا في ظل تشريع الله- سبحانه وتعالى، إن كل دستور يوضع أو قانون هو من
صنع البشر ولن يكون فيه كمال بأية صورة من الصور، ولكن «كتاب الله» الذي خلق الخلق
ويعلم ما يضرهم وما ينفعهم في جميع الأعصر والأزمنة هو الكتاب الكامل الذي لا
يعتريه نقص ولا باطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا أقول نجرب تطبيق شرع الله فإني
أسمو بالشريعة الإسلامية أن تكون محل تجريب فنفعها مقطوع به يؤمن كل من صلحت
علاقته بالله رب العالمين.
ولذلك فإن مصلحة
هذه الأمة يجب أن يطبق فيها شرع الله، ولا أكون مغاليًا إذا قلت إن تطبيق شرع الله
في مصر سيكون فاتحة خير لجميع المنطقة من أولها إلى آخرها بل يتعداها إلى غيرها من
البلاد الإسلامية كإندونيسيا وماليزيا وغيرها.
ولست أدري وفينا
كل حصيف ذكي يعلم صدق ما أقول حق العلم، لست أدري: لماذا لا يجمع هؤلاء جميعًا على
المطالبة بتطبيق شرع الله مطالبة عملية تأخذ بالحياة من جميع أطرافها؟ هنالك يسعد
الحاكم ويسعد المحكوم، ويطمئن الحاكم ويرتاح الشعب كله لأن الله- سبحانه- حرم
الظلم على نفسه وقال: «يا عبادي لا تظالموا...» وحرمان الإخوان المسلمين من التمتع
به غيرهم هو ولا شك يدخل تحت ظل هذا المعنى ونحن نربأ بحكوماتنا أن تكون ظالمة.
ثالثًا: إلى
وزير الداخلية المصري: يقول التلمساني في ديسمبر 1982: إن الوجود القانوني لجماعة
الإخوان المسلمين له أثره وفاعليته في التأثير والتقويم المشروع، وبث الأمن
والطمأنينة في نفوس الراغبين في العمل الإسلامي من خلال وجود قانوني تعترف به
الحكومات، خاصة أن جماعة الإخوان المسلمين لا ترضى العنف، ولا تقر الإرهاب طوال
وجودها القانوني. ولو أخطأ فرد أو أفراد من أسرة، فليس معنى هذا أن الأسرة جميعها
خاطئة أو مخطئة، فما بال سيادتكم إذا كان الأمر خاصًّا بجماعة تضم الملايين من
الأفراد؟ هذا إلى أن جماعة الإخوان المسلمين لم تدع يومًا أنها الجماعة المسلمة
وحدها، أو أنها تحتكر الإسلام، دون بقية المسلمين، أو أنها تكفر مسلمًا بمعصية
كبيرة أو صغيرة، في غير ما إنكار المعلوم من الدين بالضرورة؟ ومن هذا تبين
لسيادتكم طوال السنوات الماضية من خلال مجلة الدعوة، ومع أنه لا دخل لها لما حدث
أثناء غيابها القانوني.
هذا هو
التلمساني الذي قضى عقدين من الزمن سجينًا في عهد عبد الناصر ثم حاول السادات قتله
في السجن، يقول التلمساني لصحيفة القبس الكويتية في 23/1/1982 بعد خروجه من السجن:
حاولوا قتلي في السجن وتغير السلطة أنقذني.
رحمك الله يا
تلمساني، لقد كنت رجلًا في أمة وأمة في رجل وعوض الله عنك من يستأنف حمل الرسالة
ويجاهد لتكون ﴿كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ
ٱلۡعُلۡيَاۗ﴾ (التوبة:40)
وإنا لله وإنا
إليه راجعون.
حياة المرحوم
عمر التلمساني في سطور
الاسم: عمر عبد
الفتاح عبد القادر التلمساني.. جده عبد القادر باشا التلمساني، جاء من مدينة
تلمسان بالجزائر إلى القاهرة عام 1830 بعد استيلاء الفرنسيين على المدينة.
ولد في 4 من
نوفمبر 1904 بالقاهرة في حارة حوش قدم، بحي الفورية- قسم الدرب الأحمر.
انتقل مع أسرته
في الثالثة من عمره، إلى قرية نوى مركز شبين القناطر، محافظة القليوبية بجوار
القاهرة.
تعلم من كتاب
القرية، وحفظ القرآن، ثم التحق بالتعليم المدني، فقضى تعليمه الابتدائي في مدارس
القليوبية، ثم التحق بمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية، فمدرسة الرشاد الثانوية،
ثم المدرسة الإلهامية الثانوية بالحلمية بالقاهرة.
حصل على
البكالوريا «الثانوية العامة الآن» عام 1924م، والتحق بكلية الحقوق في نفس العام،
وبعد تخرجه عمل بالمحاماة، واتخذ مكتبًا في مدينة شبين القناطر، ومن قدر الله أن
يتخذ نفس المكتب الذي اتخذه من قبله الإمام حسن الهضيبي.
ارتبط بجماعة
الإخوان المسلمين منذ عام 1933م وكان من المقربين من الإمام الشهيد حسن البنا-
رحمه الله، الذي عرض عليه بعد مضي سنوات أن يكون وكيلًا للجماعة، فلم يقبل، وأقسم
أنه ليس أهلًا لهذا المكان.
عاش محن جماعة
الإخوان كلها، فاعتقل أيام إبراهيم عبد الهادي، وأيام جمال عبد الناصر، وحوكم أمام
المحكمة التي سماها عبد الناصر ومن معه من مراكز القوى «محكمة الشعب»، التي رأسها
جمال سالم، وحكم عليه بالسجن (15) عامًا، قضاها كاملة، وزيد عليها عامان قضاهما في
معتقل مزرعة طرة. وخرج من السجن في يوليو 1971 (1954 -1971)، وتولى قيادة مسيرة
جماعة الإخوان المسلمين بعد وفاة الأستاذ المرشد حسن الهضيبي في نوفمبر 1973.
أشرف على إصدار
مجلة الدعوة منذ صدورها في رجب 1396هـ وحتى إغلاقها الذي أمر به السادات وذلك في
ذي القعدة 1401هـ وتم التحفظ عليه في سجن طره في 2 سبتمبر 1981م وأفرج عنه في 27
من ديسمبر من نفس العام، وكان عمره حينئذ (77) عامًا.
تزوج وهو لا
يزال طالبًا في الثانوية العامة، وتوفيت زوجته في أغسطس 1979 بعد عشرة دامت أكثر
من نصف قرن، وتأثر بموتها تأثرًا شديدًا.. وأنجب ولدين هما «عابد» الابن الأكبر،
وهو يعيش حاليًّا بالمملكة العربية السعودية، منذ قبض على والده عام 1954 ويحمل
الجنسية السعودية، ثم عبد الفتاح وهو يعمل في إحدى الشركات بالقاهرة، وأنجب ابنتين
هما عدل وعفيفة.
من أهم مؤلفاته:
قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر، أيام مع السادات، ذكريات لا مذكرات، حول
رسالة نحو النور، الحكومة الدينية، الملهم الموهوب حسن البنا، الخروج من المأزق
الإسلامي الراهن.
وكان آخر ما
كتبه المرحوم: الإسلام ونظرته السامية للمرأة.
وكانت آخر
محاضراته في مدينة الإسكندرية في ربيع أول من العام الماضي 1405، وله الآلاف من
المحاضرات والمقالات الصحفية والأحاديث، ويحظى بمركز مرموق في أوساط الساسة
والقيادات الحزبية والرأي العام في مصر والعالم ومن المأثور له شكواه الشهيرة التي
رفعها إلى الله ضد أنور السادات، ولم يمض عامان إلا وكان السادات صريعًا في أکتوبر
عام 1981.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل