; المجتمع الثقافي (العدد 1202) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1202)

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1202

نشر في الصفحة 56

الخميس 06-يونيو-1996

وفاة الشيخ الرباني عبد الرحمن عيروط

 في صباح يوم الجمعة 1416/١١/24هـ الموافق 1996/٤/12م تلقى المسلمون في المنطقة الساحلية بسورية نبأ وفاة العالم الزاهد الرباني الشيخ عبد الرحمن محمد عيروط -رحمه الله- عن عمر يقارب الثمانين عامًا، بعد أن عانى من التعب والمرض لعام كامل مقابلًا ذلك بالصبر على البلاء، والشكر على العطاء، وكم كان النبأ عظيمًا والمصاب فادحًا على العلماء العاملين والدعاة المخلصين والمسلمين أجمعين، وقد أخرت جنازته إلى ما بعد صلاة العصر حتى حضر علماء دمشق وحلب وحمص وحماة، واللاذقية لتشييع جثمانه الطاهر.

وموت العلماء خسارة كبيرة للأمة المسلمة، يتركون فراغًا كبيرًا بوفاتهم، وخاصة إذا كانوا من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين الذين لا يخافون في الله لومة لائم.

وأمثال هؤلاء يصدق فيهم قوله -تعالى-: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب: ٢٣)

بطاقة تعريف:

 ولد الشيخ عبد الرحمن في بانياس الساحل عام ۱۹۱۸م وهي بلدة صغيرة مطلة على البحر المتوسط، والده الشيخ محمد عيروط الذي كان يعمل حائكًا ومحفظًا للقرآن الكريم، حفظ ولده عبد الرحمن القرآن الكريم وعمره عشر سنوات، وبعد ذلك أرسله للدراسة الشرعية في المدرسة الخسروية في مدينة حلب شمال سورية، فتخرج منها بعد ست سنوات ونيف، وعين مدرسًا للقرآن الكريم والعلوم الشرعية في قرية براق من أعمال حماة وإمامًا في القرية، ثم رجع إلى بلدته بانياس بعد وفاة والده ليكون مدرسًا وإمامًا وخطيبًا وداعية من دعاة الحق.

 تجول في القرى يدعو إلى الله، وبقي أكثر من خمسين سنة إمامًا وخطيبًا ومدرسًا في المسجد، كان له في اليوم درسان، درس صباحي بعد الفجر، ودرس مسائي بعد المغرب يدرس الفقه الحنفي والحديث والسيرة النبوية والعقيدة دونما كلل أو ملل، وأعظم شيء هو تدريسه للتفسير بعد صلاة الفجر من كل يوم خميس، وكان يدرس تفسير في ظلال القرآن السيد قطب رحمه الله. 

بقي أكثر من ثلاثين عامًا وهو يشرح في ظلال القرآن للناشئة، فكثر رواده، وكثر تلاميذه، وكان يقول: «لقد أشرق قلب سيد في السجن فأشرقت كلماته وعباراته في تفسيره العظيم، وبإخلاص سيد فتح الله عليه فتوح العارفين».

 كان الشيخ -رحمه الله- رجلًا متواضعًا رقيقًا لينًا، يذكر الله في كل أحيانه، وقيامه لليل لم ينقطع في مرضه الأخير، وما فتئ يذكر الله كثيرًا، ويجيب دعوة من دعاه، ويحضر أفراح المسلمين وجنائزهم، ويغتنم الفرصة فيتكلم ويدعو، وكأن الناس على رؤوسهم الطير، وكان للغة العربية نصيب وافر في دروسه، كان يخصص يوم الخميس بعد صلاة العصر لمن يحب العربية فقد كان الشيخ -رحمه الله- ذواقة للشعر والأدب. 

قد يتساءل المرء كم كان يتقاضى أجرًا على عمله وتدريسه العلوم الشرعية بالمسجد صباح مساء وعلى إمامته وخطبته، فلا تعجب، إذا قلنا إنه لم يأخذ أجرًا دنيويًا لا درهمًا ولا دينارًا، بل كان يكتفي براتبه القليل الذي يأخذه من وزارة المعارف، لقد كان يتاجر مع الله -سبحانه- والتجارة مع الله رابحة أضعافًا مضاعفة، ويبارك الله له في القليل من ماله.

شهادة أهل العلم فيه:

لقد سئل الشيخ محمد الحامد العالم الرباني الجليل شيخ حماة وفقيهها عن الشيخ عبد الرحمن فقال ما نصه: «إنه رجل صالح وطيب القلب».

  وكان الشيخ سعيد حوى لا يتكلم البتة في حضرة الشيخ ويقول: أيفتى ومالك في المدينة؟

وقد رأيت بعيني كيف قبل الشيخ سعيد حوى يد الشيخ عبد الرحمن عندما كنا في زيارته، فحاول أحد تلاميذ الشيخ عبد الرحمن أن يقبل يد الشيخ سعيد فجذبها فسأله الرجل: لم هذا يا شيخ سعيد؟ فقال بالحرف الواحد: «عندما تصل إلى مرتبة هؤلاء العارفين نسمح لكم بتقبيل أيدينا، الزموا شيخكم هذا واعرفوا قدره».

 لم يؤلف الشيخ كتبًا ولا سود صحائف، ولكنه ألف قلوبًا، وربى رجالًا، وعلم أجيالًا، فترك بصمات واضحة في قلوب الرجال وعقولهم، بل حتى في النساء اللواتي بكين عليه أشد ما يكون البكاء.

 إن خروج ما يربو على عشرة آلاف رجل توديعًا له وتشيعًا لجنازته هو رد للجميل، وعنوان للمحبة، وصدق الولاء لهذا الدين ولعلماء الدين، وهذا من المبشرات، فعلى الرغم من الكيد المستمر والعداء المنظم ولتسخير الإعلام المقروء والمسموع والمنظور للصد عن دين الله وعن علماء الأمة ودعاتها ولتنفير الناس منهم ومن دعوتهم على الرغم من كل هذا وذاك- خرجت هذه الجموع الغفيرة تعطي ولاءها لعلماء الأمة ودعاتها الصادقين حتى بعد وفاتهم، وهو دليل ومبشر على العودة الصحيحة والوعي السليم والحب العميق والإيثار الواضح لأهل الفلاح، والتقى من الرجال الربانيين في زمن قل فيه الرجال، رحم الله الشيخ عبد الرحمن، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. 

                                                        خالد محمد عبد الله

إعداد: مبارك عبد الله 

ومضة:                                       

  كانت عبارة «العلم النافع»، تثير عجبي، وتدعوني إلى التساؤل عن ماهية العلم غير النافع، لأننا نشأنا على أن العلم لا يكون إلا نافعًا، أليس هو مفتاح الحقيقة، والنور الهادي لأسرار الوجود؟

  حتى كان ذلك اللقاء مع صديق طال غيابه، وانتظرنا قدومه محملًا بألوان العلوم وأنواع المعارف، فجاء يحدثنا عن الجهمية حديثًا مستفيضًا متشعبًا، له أول وليس له آخر، استعرض نشأتهم وأهم شيوخهم، وخطر أفكارهم على عقائد الأمة، وعندما سألناه عن مكان وجودهم، وعدد أفرادهم وشكل الدولة التي أقاموها، وأهم الأسلحة الفتاكة التي يمكن أن يواجهونا بها، قال: إنها فرقة انقرضت، وانتهى أمرها، وكفيتم شرها، وأردف: والآن سأذكر بعض أقوالهم لأفندها وأفضح زيفها، قاطعه أحد الحضور: لماذا لا تحدثنا عن الماسونية - الشيوعية - العلمانية وغيرها من المذاهب الهدامة التي تنتشر بيننا، وتفتن بعض شبابنا؟ أجابه عالم القرون السالفة بشيء من الصلف والغرور، مالنا ولهذه المذاهب المحدثة التي لم يعرفها الصحابة، ولا التابعون، ولا وردت في كتب من تبعهم من العلماء، ولا انشغل بها المحدثون، أو التفت إليها المتخصصون في علم الجرح والتعديل، أو اهتم بها أصحاب الفتاوى على كثرتهم وشيوع مؤلفاتهم، رد عليه أحدهم من أسف أنك أضعت شبابك وسنين دراستك في التعرف على الأخطار التي كانت قائمة، ثم انتهت وزال أثرها وضررها، وأنت اليوم تجهل الأخطار القائمة بالفعل والمحدقة بنا في كل ساعة من ليل أو نهار.

 وقف الرجل وهو يمتلئ غيظًا، وقد كان في جعبته الكثير من أخبار الفرق المنقرضة عجبت لحال هذا الذي يعيش في غير الزمان الذي ولد فيه، وأدركت من خلال وجوده بيننا كيف يكون العلم غير نافع، بل كيف يتحول إلى نوع من العبث يقتل الوقت، ويذهب العمر فيما لا يفيد حيًا، ولا يضر ميتًا.

واحة الشعر

في يوم جوهر

شعر: شريف قاسم

لعن الكيد.. عينه ويمينه *** أبدًا يرغي في يديهم جنونه

 لعن الكيد لم يزل مستفزًا *** لم تنم عن رصد الكرام جفونه

لعن الكيد خلف كل ستار *** يتهادى مثل الأفاعي خدينه

والغًا يضرم اللهيب فيشوى *** لأخ الفضل قلبه ووتينه

وطموح لله جاء كميًا *** ينفض العار بالكرامة دينه 

ويرش الدروب بعد يباب *** من أزاهير مجده ميمونه 

جوهر الشيشان الأباة *** أصابته صواريخهم فشع جبينه

سطع النور – ويك – كل شهيد *** دون سور الإسلام هذي شئونه

الرضى والجنان والألق القدسـ *** ي ظل الفردوس فاز قطينه

لعن الله كيدهم حين ظنوا *** أن هذا المصاب يومًا يشينه

 راح فذًا رغم الطغاة شجاعًا *** وإلى الله قبل فاض حنينه 

جوهر الثأر لم ينم والشيوعـ *** يون جيش تأبى عليهم حصونه 

قاتل البغي مسلمًا ذا إباء *** وأخو شامل عزيز طينه

 وإمام لله ثار قديمًا *** وحديثًا أحفاده لا تخونه 

هو ذا الإسلام إن عثر الخطو *** بقرن فسوف تأتي قرونه 

ودماء الأحبة الشهداء اليوم *** يروى من نبعها ميمونه 

لا أزكيك عند ربك دودايف *** لكن فرض الجهاد تصونه 

قائد أنت إذ سقطت شهيدًا *** ولهيب الهيجاء يخشى سخينه 

 لم تكن مدبرًا ولست جبانًا *** وازدريت السفاح شلت يمينه   

غاب وجه المجاهد الصلد لكن *** لم يزل للثأر الملح فتينه 

عاش طودًا كدينه مشمخرًا *** ما تهاوى ولا تهاوى يقينه

 فاهنا اليوم في جوار ولى *** عز من كان في الحياة يعينه

جوهر دوداييف:

شعر: محمد علي الطبلاوي

عاش وسط النارِ وَحْدَهُ 

يحفظ العهد

ويطوي بين جنبيه المنايا 

ويرى كل ثرى الشيشان جنده 

وينادي في رجال الموت:

عيشوا بالمنية

قبلوا بالحب ثغر البندقية

فلنا الحسني

وللأعداء أحضان الدنية

ومضى جوهر في الدرب

 وفي أهدابه روح القضية

لم يكن يومًا ولم يخنع

ولا في الدين قد أعطى الدنية 

حمل المصحف في اليمنى

وفي اليسرى أعد البندقية

لا يهاب الموت

فالموت له أسمى هدية

ملأ الأجواء نورًا

رغم أن الليل قد أسدل ستر الهمجية 

 وغدا يسمع كل الناس لحن القادسية

وتعالت في ذرا الشاشان

صيحات الجهاد السرمدية

أسمعت كل البرايا

قتلت في الناس روح التبعية

 فمضى القوم ولا يخشون قصف المدفعية

يطلبون العز والنصر بعزم وحمية

بل يرون الذل عيش «الإمعية»

وصحا القائد يومًا

يطلب الفجر

وفي عينيه آثار المنية

وأعد الفارس المغوار راحلة

 ليمضي مثلما جاء بأنفاس أبية 

أخمدت لكنها قد أصبحت 

في القوم روحًا أبدية

ومضي في موكب النور إلى رب البرية

يحمل الإيمان حيًا 

يسأل الله بأن تبقى على العهد الرعية

الرابط المختصر :