; وقفات مع السلف الصالح الذي يعيش بيننا | مجلة المجتمع

العنوان وقفات مع السلف الصالح الذي يعيش بيننا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995

مشاهدات 73

نشر في العدد 1137

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 07-فبراير-1995

كنت كلما قابلته أحسست أنني أمام جبل من الإيمان، وبحر من اليقين وسحب من الغيث، وأنهار من العطاء، أشعر انني أمام الطبيعة الصافية، والفطرة النقية والوجدان المشرق والنفس الرضية، والذات المطمئنة، فأجلس معه وأسلم نفسي لنفسه وروحي لإيمانه، وقلبي لفطرته، وأجدني أحاط بروضة غناء من السماحة والطمأنينة والأدب ووديان نضرة من الهدوء والسكينة والحب، وتجليات من الإيمان واليقين والطهر، فقد كان الرجل حيي الوجه، يحتشم إذا لاقى ويغض إذا حدث، ويعف إذا جادل، وكان عطوف القلب يدين بالأخوة ويتخلق بالرحمة، ويواصل بالمودة كان رقيق الشعور، ينبسط انبساط المؤمن، وينقبض انقباض الناسك ويعف عفة الورع. 
كان صاحب رأي وعزيمة، يقول ويفعل، ويفكر وينفذ، بعيدًا عن حظوظ النفس، نائيًا عن مسارب الهوى، ومداخل الشيطان، صديقي النزعة رباني الشمائل «قديسي» الطوية، كان مثلًا للتضحية والفداء، ورمزًا للعفة والوفاء باع نفسه لله، ووهب روحه لدعوته ووقته لرسالته، وعمره للبحث والعلم والتربية، كان مدرسة الجيل رشف من علمه، ونهل من معينه، وقبس من نوره، وتزود من فيضه فخرج طيب الثمرة، حلو المذاق، عبق الرائحة على صراط ربه، ودرب رسوله، وهدي كتابه عاصر الدعوة شابًّا، فكان ربيعها ربيعه وفتوتها فتوته، حاز فيها قصب السبق، وجاهد فيها جهاد الصدق فكم قطع الفيافي والقفار، وجاس في القرى والمدن حاملًا دعوة الله مبشرًا بدينه معلمًا لكتابه، يصل ليله بنهاره، وصبحه بضحاه، لا يعرف الكلل أو الملل أو الحر والبرد يحمله التفاني والإخلاص والإيمان والاحتساب لا يطلب مالًا، فأجره على الله، ولا دنيا فهي عنده من سقط المتاع، أو الشهرة فهي ظل زائل، في وقت ضاع الناصح، وضل الراشد وعز الداعي، وفسد الزمان، وأكل الناس وارتزقوا بكل شيء، وصار الوعظ وظيفة، والارتزاق بالموعظة مهنة وفقد الناس القدوة والمثل والصدق.
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها                  أفاويق حتى ما يدر لها ضرع

فلله در هؤلاء الرواد الصادقين المؤمنين الذين ردوا إلى الدعوة مصداقيتها وكرامتها، وإلى الكلمة شرفها وقدسيتها، وإلى التعاليم أنوارها وبهجتها، فأناروا العقول بلهب الإيمان، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، وألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول وواجهوا الباطل بصدق العمل، وثبات العقيدة، وحسن الاستعداد وفقه الحوادث، ورسم المعالم، ولم يصادموا نواميس الكون، ولكن غالبوها، وحولوا تيارها، واستعانوا ببعضها على بعض، فكانوا في عمق الفهم روادًا، وفي فقه الدعوة أعلامًا، وفي حسن التدبير أسيادًا، وفي ساحة الكفاح أبطالًا، واستطاعوا أن ينازلوا الباطل برجال، ويقارعوا الخطوب بعزائم ودارت رحى الحرب الدروس فكم قصمت من سواعد، وأفنت من رجال، وسجنت من ليوث، فكان فضيلة الدكتور الشيخ عبد المتعال الجبري- رحمه الله- من أقطاب الثابتين، وهم كثير، ومن أعلام المكافحين الصابرين المحتسبين الذين تحملوا المحن، واستعلوا على الظلم والبغي فما لانت لهم قناة، وما ضعف لهم عزم، ولا فترت لهم همة ولا حجزهم صعب أو استعصى عليهم منال، فأخذوا الإقدام ركابًا، والحزم مطية وانساحوا في أرض الله مثل سلفهم الصالح، وطاروا في البلاد والأقطار مثل أوائلهم الكرام داعين إلى الله مبشرين بدعوته مربين لعباده، وكان الشيخ- رحمه الله- سباقًا إلى ذلك، لم تعقه الثلوج أو المسافات الطويلة، أو تقعده الحرور والبلاد النائية أو توهنه الشيخوخة والأمراض الموجعة، في إيصال كلمة الله إلى الناس كافة والبشرية قاطبة في القارات الخمس حتى استقر به المقام في القارة الأمريكية، وكم لاقى من لعنات وأرذال، وصبر فيها على أغرار وأحداث وتحمل في ساحتها من جهلة ومرتزقة، ولاقى من مدعين وأفاقين لا يعرفون قدر الرجال، ولا قيم الأبطال، ولا يميزون بين المعادن والزيوف ولا بين الصديقين والمنافقين، ولا يفرقون بين ما لله، وما للدراهم، ولا بين ما للرسالة، وما للعمالة، ولا بين الأساليب الملائكية والشيطانية، فتعامل الرجل مع كل هذا الكم الراعن بصبر المجاهد، وشفافية العارف وحنكة المربي، وصبر وصابر ورابط حتى تجمع حوله من عرف قدره وذاق طعمه، وشم ريحه، ولمس تقواه، وصار يزرع ليحصد الإسلام، ويغرس ليثمر الإيمان، وهو يمشي ونصفه محمول، ويسير ناحل الجسم من الكبر، واهن الخطو من السقم، مقوس الظهر من الضعف، حتى ثقل سمعه فاستعان بآلة، وكلّ بصره فوصله بمنظار، وهو يكافح ولا أحد يقري قريه، أو يلحق عزمه حتى ذكرنا بالصحب الأول والسلف الصالح الذي كان يعيش في ضميره، قابلته يومًا- رحمه الله . في الحج في بلد الله الحرام، فسألته . وأنا أعلم أنه حج عن نفسه وغيره مرارًا . فقلت له: لمن هذه الحجة في هذا الزحام الشديد، والحر اللافح، فابتسم على استحياء، فعزمت عليه، فقال: إنها لابن حزم الظاهري، فإنه لم يحج فقلت سبحان الله أي روح هذه؟ وأي نفس تلك؟ عزمنا عليه مرة أن يريح نفسه بعض الشيء من العناء المعجز الذي يقوم به في سبيل الله، فقال: أستحي من ربي أن أحيل نفسي على التقاعد، وفي عرق ينبض فأحسست من روحه بروعة، ومن يقينه بانبهار، وكان آخر لقائي به كأنه وداع وآخر عهدي به كأنه فراق في الحياة، فتشبثت به، وتشبث بي وتعلقت به وتعلق بي:

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي                       صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي            بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ

وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ                            فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ

فيا شيخ المجاهدين سلام عليك مع النبيين والصديقين، وإنا متوكلون، وعلى الدرب سائرون، وإنا لله وإنا إليه على الله راجعون.

الرابط المختصر :